فريق العمل
حجم الخط :
عدد القراءات
1604
2016/6/7 07:57:35 PM

طالما قيل ان العراق يقرأ, بعد ان تكتب مصر, وتطبع بيروت, ودائماً ما عرف عن بغداد بكونها مركزاً للثقافة والعلم, حتى نقل الرواة ان مدينة السلام كانت تكافئ من يكتب كتاباً وزنه ذهباً, ناهيك عن المكانة الاجتماعية التي حظي بها الكتاب والشعراء والعلماء آنذاك, ولكن مرور السنوات, غير من خارطة الثقافة والعلم على مستوى العالم أجمعه, لترتقي امم, وتزول أخرى من الخارطة هذه, كما وأسهم تغير الظروف بتغيير الحاجات التي تدفع نحو الثقافة, وصولاً الى الاساليب والغايات من الكتابة والقراءة, حتى اصطبغت كتابات كل جيل بصبغة معينة, مثلت ماكابده الجيل خلال العقود القليلة الماضية, فمن تقييد للحريات, وشعور بالظلم, وحكم بالحديد والنار, الى فقدان الأمان وانتشار الدم والموت على الواقع والافتراض.

مثلت حقبة السبعينات والثمانينات مرحلة مهمة من تشكيل الوعي العراقي, والجنسية الثقافية العراقية, سطعت من خلالها نجوم عراقية في سماء العلوم والفنون والثقافة بالوطن العربي, كان من محصلتها ماذكر مقدماً عن كون بغداد مدينة تعيش بالقراءة, حيث كانت المقاهي تغص بأحاديث الكتب والروايات وما ينقل عن الثقافات الاخرى, كما وتواصل من خلالها العراقيون مع الاسماء العربية على اختلافها, حتى بات مجرد ذكر مدينة السلام يؤدي الى ذكر سلسلة من الكتاب والشعراء والفنانين, ولكن بعد كل هذه المقدمات, أين اصبحت الكتابة والقراءة العراقيتين؟

ويقول الاكاديمي في المنطق باللغة العربية نصير غدير, في معرض حديثه عن دور الكتبة لـ(و1ن نيوز), ان "الكتابة ليست المهارة في استعمال الكلمات والتلاعب بها، بخفة ومرونة، إنها فحص وتمييز للأفكار، وإنضاج لها، وليست المهارة اللغوية والبلاغية سوى وسيلة أنيقة لإنضاج الأفكار وإنتاجها، ثمة كتّاب تشغلهم لعبة الكلمات، فتمرُّ عليهم الأفكار دون أن يتنبهوا لها، بل يخسرون الأفكار العظمى لصالح صغائر الأفكار المكنونة بالكلمات".

ويضيف, ان "مهمة الكاتب والمثقف هي أن يروز الأفكار والمشكلات، ومشكلتنا هي الطائفية، وتحولها إلى صراع، وكلُّ من يتورط ليكون جندياً في هذا الصراع، ليس مثقفاً ولا كاتباً، لأنه بدلاً من أن يسيطر على المشكلة ويحلها، صار جزءاً منها".

هل حقاً اصبحنا أمة لا تقرأ؟

يطرح رئيس شبكة العلماء العراقيين في الخارج, محمد الربيعي هذا السؤال ويجيب عليه في ذات الوقت, بشكل مفصل, وهو يرصد ظاهرة التعلق الكبيرة بالهاتف الذكي, ومواقع التواصل الاجتماعي, ويشير الى المدارس والتعليم بإصبع الاتهام, كونها من الاسباب التي منعت من القراءة.

حيث يقول الربيعي, انه "انطلاقا من الاحصائيات العالمية, نرى ان العالم العربي لا ينشر سنويا سوى كتاب واحد لكل مليون شخص في حين انه في اوروبا ينشر سنويا كتابا لكل 5 الاف شخص. وتزاد الهوة بيننا وبين الاوروبيين عندما نأخذ بنظر الاعتبار عدد النسخ المطبوعة لكل كتاب, فبينما لا تزيد في الدول العربية عن الآلف او الالفين، يتجاوز عدد النسخ المطبوعة لكل كتاب في الغرب 50 الف نسخة".

ويضيف, ان "من الشائع ان ترى الناس في بغداد يحملون آي فون ويراجعون الفيسبوك، وينظرون في عناوين الكتب والصحف، ولكن لماذا لا ترى في ايديهم كتابا ادبيا او علميا او تاريخيا او اجتماعيا وما الى ذلك، او حتى صحيفة او مجلة؟ اؤكد جهلي بماذا يفعل البغداديون حينما يجلسون في بيوتهم او في مقاهيهم او عند ركوب الباص، او خلال الانتظار عند طبيب، او مستشفى، إلا اني لن ابتعد كثيرا عن الحقيقة عندما اخمن بأنهم يقتلون الوقت بالثرثرة والحديث عن السياسة والسياسيين او عن البارشا والريال، وعندما لا يثرثرون فانهم يخفون وجوههم وراء موبايلاتهم يتلهون بتبادل اخبارهم وصور مأكولاتهم وقراءة الادعية وكتب الشكر الرسمية الى جانب مشاهدة القنوات الفضائية التي تستنزف معظم اوقاتهم".

ويذهب الربيعي الى انه "ذا نظرنا الى الاسباب التي تمنعنا من القراءة وجدنا ان التربية المدرسية والاسرية والدينية من اهم الاسباب التي تقف وراء تراجع معدلات الاطلاع الثقافي والقراءة في بلداننا العربية. نحن تعودنا على التلقين واجترار المعلومات فالحفظ في بلداننا يقود الى التفوق في المدرسة والنجاح في الحياة والاجتهاد في المجتمع. طرق التدريس القديمة المبنية على التلقين وفلسفة التعليم البالية، وأساليب التدريس لم تتغير. وما زالت قابليات ومعارف ومهارات الطلبة تعتمد بالأساس في تقييمها على مقدار ما تعلمه الطالب مما كان يدّرس والذي يتجلى في نهاية السنة الدراسية بصورة ما حفظه الطالب واجتره في الامتحان".

أنا عراقي أنا أقرأ

عمل ناشطون مدنيون ومثقفون عراقيون على احياء ثقافة القراءة في العاصمة بغداد وعدد من المحافظات, من خلال التشجيع عليها, واقامة الندوات والمؤتمرات والبرامج الخاصة بالكتاب والمطالعة, وفتح باب الدعوة على مصراعيه أمام المدعوين, من كافة الطبقات والتوجهات وشرائح المجتمع, كان من ضمنها مبادرة "أنا عراقي أنا أقرا", والتي تقام سنوياً على حدائق أبي نوّاس.

ويحرص المشرفون على المبادرة على توزيع الكتب والمنشورات, والتوعية بدور القراءة في النهضة بالمجتمع, ونبذ الطائفية والخلافات, عبر تأمينها لتقبل الآخر على اختلافه, واحترام الرأي المقابل, حيث يقوم باعة الكتب عن طريق المبادرة بعرض كتبهم, وتقديمها مقابل ساعة قراءة, وبدون مقابل أحياناً, كما ويقوم عدد من الكتاب بتوزيع نسخ من كتبهم مجاناً, أو توقيعها للقراء, كدفعة للتحفيز على المطالعة, لكنها وبرغم الجهد المبذول فيها, بقيت مبادرة منحصرة بوقت ومكان معينين.

 

شارع المتنبي

يعتبر شارع المتنبي من الأماكن المهمة بالثقافة العراقية وبروزها, الى جانب كونه من الأماكن المميزة في العاصمة, ويقع الشارع في وسط بغداد بالقرب من منطقة الميدان وشارع الرشيد, ويعد السوق الثقافي لأهالي المدينة ,حيث تزدهر فيه تجارة الكتب بمختلف أنواعها ومجالاتها وينشط عادة في يوم الجمعة. كما وتوجد فيه مطبعة تعود إلى القرن التاسع عشر, ويحتوي على عدد من المكتبات التي تضم كتباً ومخطوطات نادر, وقد شهد الشارع بوصفه أحد أهم مراكز باعة الكتب, زيارات عدة لأسماء كان لها تاريخها في الساحة الثقافية العراقية, والشخصيات الرسمية, كما وضم العديد من الصالونات الخاصة والملتقيات الثقافية الى جانب المقاهي.

وقد تعرض شارع المتنبي كغيره من مناطق بغداد والعراق لعدة تفجيرات خلال فترة عدم الاستقرار الأمني بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م. إلا أنه تعرض في 5 مارس 2007، إلى هجوم بسيارة ملغمة أدى لمقتل ما لا يقل عن 30 متسوقاً وتدمير العديد من المكتبات والمباني. حيث تم تدمير المكتبة العصرية بشكل كامل، وهي أقدم مكتبة في الشارع تأسست عام 1908. بالاضافة الى مقهى الشابندر الذي يعد من معالم بغداد العريقة.

وعلى إثر حادثة تفجير شارع المتني في عام 2007، تشكل تحالف عالمي من 130 فنان لإنشاء مجموعة أعمال فنية عن شارع المتنبي. حيث تعقد في كل عام في الخامس من مارس ندوات ثقافية وعروض فنية وسينمائية في العديد من مدن العالم إحياء لذكرى مأساة شارع المتنبي.

أثر الإرهاب على المثقف

يعيش المثقف الفاعل بوصفه فرد في المجتمع الظروف ذاتها التي يعيشها الانسان البسيط المتعلم وغير المتعلم, وهي الظروف العامة ذاتها وليس الخاصة, لكن نظرته لما يحدث هي مايميزه عن كونه مشاهداً أو عضواً فاعلاً في التأثير على ايحيط به, ونظراً للعلاقة بينه وبين محيطه, فإن الاثر يبدو جلياً على كل منهما, لذا اتسمت كتابات كل جيل من الكتاب بصبغة الحياة التي عاشها. أما عن النتاج الكتابي والمؤلف في الوقت الحالي, فقد كان أثر الأوضاع التي يعيشها العراق بالغاً وظاهراً في هذا النتاج, وخصوصاً في الأقلام الشابة.

وتقول الناقدة فاطمة عبد الله, في حديثها عن مجموعة شعرية للشاعر كاظم خنجر, بعنوان "نزهة بحزام ناسف", ان "لشعر هنا معذِّب، مخيفٌ بعض الشيء، يتسبّب بصدمة، وخضّة وتقلّبات. كاظم خنجر يقيم موتى الحروب من قبورهم، ويعيد محاكمة موتهم ليغدو "طبيعياً"، "صافياً"، لا تخدشه نقطة دم أو حبّة تراب. شعره حَضٌّ على نفض الرمال عن الجثّة، وردم تشوّهاتها إن أصابتها قذيفة، وضخّ النبض في عروقها وإعادتها إلى الحياة، بالتذكّر المريع واستعادة اللحظات المتورّمة فيخفّ الوجع ويُقلّم ويهدأ".

وتضيف, ان "الشاعر هنا مذبوح بنكبات الحرب. يتشبّه بموتاه. يتماهي بوضعيتهم الجثثية، كأنّ الحال واحدة ولا فارق بين ميت تحت التراب وحيّ يمضي العمر بإحصاء خسائر", ما يدلل عىل الأثر الظاهر في كتابات الشاعر من خلال تعرضه لكل هذه الآلام الناتجة عن الارهاب.

 

المصادر:

شبكة الاقتصاديين العراقيين.

الموقع الرسمي لمبادرة شارع المتنبي يبدي هنا.

جريدة النهار.

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي