اياد الجيزاني
حجم الخط :
2016/12/21 06:24:07 AM

شهدت العقود الاخيرة في القرن الماضي ولادة ظاهرة اصطلح على تسميتها الصحوة الاسلامية و هي فترة مخاض لكثير من التيارات الاسلامية التي تولدت لاسباب شتى لسنا في صددها ما يهمنا هنا هو ما كانت تحمله تلك التيارات و القوى من تصورات و افكار عن الحكم و ادارة الدولة ساهمت في تراجع الصحوة الاسلامية عموما و ولدت ارتدادات في الاوساط التي كانت تؤمن بالاسلام و تراجع في شعبيتها و عدم القدرة على تطبيق الشعارات التي كانت تحملها و لعل هذا التراجع ساهم في نشوء تطرف عانت منه و تعاني منه الامة الاسلامية قبل العالم.

 

ان سقوط الدولة العباسية عام 656هـ على يد المغول ولد في الفترات التي تلته عقلية تقترب من الطوبائية في نظريات الحكم و ادارة الدولة لدى الاسلاميين و خاصة في الفترة التي شهدت صراعات فكرية شديدة خاضها مفكرون اسلاميون من طراز رفيع و كان السؤال الذي يطرح امام هؤلاء هل لدى الاسلام نظرية للحكم و ما هي ادبياته في فن ادارة الدولة؟

 

عانت بعض الاجوبة كما اسلفت من نظرة سطحية تلقفت بعض الموروثات التاريخية التي تجتزأ رواية تاريخية لتضعها منهجا للحكم دون الالتفات الى تعقيدات الحكم و تداخلاته و عدم المراعاة لمتطلبات العصر الحديث و التي فرضها الواقع الاجتماعي و النقلات النوعية في مختلف مجالات العلم.

 

فمثلا تجد البعض دائما ما ينقل الرواية عن عمر بن الخطاب حينما جاءه رسول الفرس فوجده نائما تحت ظل نخلة و قال له عدلت فأمنت فنمت تجدهم يروون هذه الرواية و يحاولون من خلالها ايهام الناس ان حكم الاسلاميين سيكون كذلك او من يروي عن علي عليه السلام انه وجد يهوديا يستجدي فقال استعملتموه حين كان شابا و تركتموه حينما صار كهلا لا يقدر على شي و امر له بعطاء من بيت المال و هكذا تروى تلك الروايات مجتزأة عن الخطوط العامة و الافكار التي كان يحملها المسلمون الاوائل عن الحكم و ادارة الدولة و التي اخذوها عن الرسول محمد صلى الله عليه و اله.

 

و لقد ساهم في تعويم تلك الافكار الطوبائية شيوع التيارات السلفية التي تبتني على اساس العودة الى طريقة عيش السلف الصالح و تصدرها المشهد الاسلامي و تمكنها من بسط سيطرتها و هيمنتها على الشارع الاسلامي و ازاحة القوى الاسلامية الاكثر تنويرا و حداثة.

 

لقد ظلت قوى الاسلام السياسي قوى معارضة طيلة عقود من الزمن و يبدو ان عقلية المعارضة ترسخت في تفكيرها و ادبياتها و تكيفت لتكون معارضة و لم يكن يدور بخلدها انها ستكون على المحك يوما ما في ادارة الدولة او انها لم تكن مستعدة لذلك و لم يكن لعقلية بناء الدولة و اشادة اركانها وفقا لافكار تتناسب مع روح الحداثة و التطور اي تنظير او تفكير.

 

و بتعبير اخر فأن قوى الاسلام السياسي عاشت انفصالا عن واقعها و هذا هو بالضبط ما صدمها بالواقع الجديد الذي عاشته عندما وجدت نفسها تفوز بأغلبيات مريحة في البرلمانات و مجالس الشعب خصوصا بعد احداث ما يسمى بالربيع العربي اذ سجل فشل ذريع لكل من الاخوان في مصر و حزب النهضة في تونس في حين انحازت الحركات الاسلامية في كل من ليبيا و سوريا نحو التطرف و الارهاب و لم تكن تجربة الاسلاميين في العراق بأقل خطيئة من اولئك اذ عاش الشعب العراقي اياما صعبة استشرى خلالها الفساد و القتل و ترهلت الدولة و اندثرت قطاعات الصناعة و الزراعة .

 

ان الاسلاميين اليوم امام تحد خطير في اثبات مدى قدرة الاسلام على ادارة الحياة و تقديم نموذج انساني يمكنه يعطي زخما للنهضة الاسلامية الحديثة و في الحقيقة فأن ما يلوح في الافق هو غير ذلك خصوصا في ظل الازمات التي تعيشها المنطقة التي تمثل قلب العالم الاسلامي و الاكثر تأثيرا فيه.

 

مع ذلك لا يمكن انكار تجارب رائدة في التنمية و ادارة الدولة كما في تركيا و ايران اللتان حققتا على يد الاسلاميين قفزات نوعية على مستوى الاقتصاد و الادارة و اصبحت من الدول المتقدمة في شتى المجالات.

 

 

 

 

 

         

            

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي