فارس خليل
حجم الخط :
عدد القراءات
1411
2016/6/9 04:00:47 PM

تزامنت الأزمة الراهنة في العراق وسوريا مع تأكل الأطر المرجعية الجيوسياسية الذي حكم العلاقة طويلاً بين موسكو وواشنطن، وخروج إيران، قوة إقليمية فاعلة في المنطقة، استطاعت فرض شروطها الجيوسياسية في التعامل معها، وخاصة بعد الاتفاق النووي المبرم بينها وبين ممثلي القوى الكبرى في فيينا. وعلى الرغم من تحفظي على جدوى هذا الاتفاق؛ إلا أن هذا الامر فسح المجال واسعا أمام الروس للتدخل المباشر في الأزمة السورية المحتدمة، ما كشف بدوره حجم التراجع الأمريكي الواضح في المنطقة، والذي دفع بحلفاء أمريكا للمطالبة بلعب دور أكبر مما تسمح به طبيعة العلاقة الذيلية التي تربطهم بواشنطن.

وهذا الأمر بدوره ساهم في فرز نمط جديد من العلاقات الجيوسياسية الذي بدأ يتجلى في بعض أوجهه عن محاولة جديدة قائمة في إحدى مرتكزاتها على حرف الأنظار عن التناقض الرئيس بين القوى الحقيقية المتناحرة في هذه المرحلة والمتمثل بـ "الإرهاب الدولي من جهة والبنى الاجتماعية القائمة من جهة ثانية"، الى فكرة أن تناقض المرحلة هو "الأيديولوجية المتطرفة"! التي تبنتها التنظيمات الإرهابية في صراعها الطبقي المستعر في الحقل الفكري من هذا الصراع، والذي تسعى من خلاله تلك التنظيمات وعلى رأسها منظمة "داعش"، الى استبدال العلاقات الدولية القائمة بنظام أخر يكون للفكر المتطرف دولة فيه!،ويستمد شريعة من التفاسير المتطرفة للنص المقدس، من جهة والتأكيد على جوهرية الخلافات المذهبية بين المدارس العقدية كمحرك من محركات بقائه وتمدده.

تدفع دفعاً "بسنة" المنطقة لمناصرة المشروع الجديد المفترض باسم "دولة الخلافة"، في محاولة لاستعادة حفنة من المكتسبات التي فقدت لبعض الفئات السنية المسيطرة في العراق عقب سقوط نظام البعث عام 2003، والتأسيس لمصالح طبقية طائفية جديدة في جسد الدولة السورية، ناهيك عن حقيقية عجز السنة المعتدلين عن مقاومة هذا المشروع العدمي وتحاشيهم لبطش المنظمات الإرهابية الفاعلة في بنياتهم الاجتماعية من جهة، وتقديم إيران كمشروع قائم على قدم وساق لإزالة "المجتمعات السنية وهويتها المتميزة بالسلطة" في المنطقة من جهة أخرى.

  فالشرق الأوسط "السني" الواحد الذي لا شريك له في الملك ـ كما يحلو للأنظمة السياسية المسيطرة أن تصفه مهدد اليوم من ظاهرة التشيع، من جهة والنظام الإيراني من جهة أخرى، بالإضافة الى المنظمات الارهابية الناشطة في هذه البلدان، التي ترى في نفسها أنها الأقدر على وراثة الحكم "السني"، والحفاظ عليه من هذه الأنظمة المسيطرة الفاسدة، التي فسحت المجال للتشيع وإيران والغرب الكافر بالتمدد في الجسد العربي السني، حاضنة بيضة الإسلام ومادته!.إضافة الى خطر تفكك تلك الدول الى مجموعة من الإثنيات المتحاربة، والتي دمجت بصورة قصرية في مشروع الدولة القومية وتعريفها في معاهدة سايكس بيكو سيئة الصيت.

وجاءت أولى خطوات تلك الأنظمة في الرد على هذه المخاطر المحدقة وكما هو معلوم، بلفظ تلك الحركات الإرهابية الى الخارج واشغالها بجبهات بعيدة عنها، وكان العراق وسوريا وليبيا واليمن، أبرز جبهات الإشغال تلك، ومسرحاً لاستنزاف النفوذ الإيراني المتزايد هناك والحد من تأثير طهران في السياسة الدولية وعبر هذه المنظمات إلارهابية.

إن هذا التناقض في المواقف حيال تلك المنظمات الإرهابية، ساهم في زيادة التخبط الأمريكي في المنطقة، وفسح المجال واسعاً أمام روسيا للتدخل السياسي والعسكري الفاعل في الشرق الأوسط الذي لم يشهد له التاريخ مثيلاً منذ حرب1973.هذا التدخل الذي سعت من خلاله روسيا الى سحق المنظمات الإرهابية على الأراضي السورية وعدم السماح لأعظاء تلك المنظمات بالارتداد الى تخوم روسيا الرخوة في القوقاز، في أولوية لها لا تقل أهمية عن أولوية بقاء الأسد في سد الحكم هذه الأولوية الروسية أدت وبشكل فاعل بالحفاظ على النفوذ الإيراني على سواحل البحر المتوسط عبر المنصة السورية التي أمنت لحليف إيران القوي في لبنان "حزب الله" دعماً مميزاً في مواجهة عدوه التقليدي "الكيان الصهيوني"، وأعداء طهران هناك.وأمام هذا التحدي الروسي والنجاح الإيراني، تبدو الولايات المتحدة اليوم أقل قدرة في رسم سياسيات المنطقة، والسيطرة على الأحداث الجارية، وأقل صلابة أمام حلفائها المشاكسين كتركيا والسعودية..

وعلية فقد سعت الولايات المتحدة الى تغذية التناقضات الثانوية وإبرازها كتناقضات رئيسة من خلال إبراز الشكوك والهواجس المحتملة عن صدام مباشر بين إتلاف سني واسع يضم كلاً من: السعودية، قاطرة الخليج والأردن ومصر من جهة، وبين كتلة شيعية تتنامى بسرعة كبيرة، تمتد من طهران مرورا بشيعة العراق "الغالبية الساحقة في هذا البلد"، وشيعة لبنان في الجنوب، وصولا الى الحوثيين والشيعة الزيدية في اليمن، وعلى شكل هلال فاغر فاه غرباً، لابتلاع المنطقة وقلاعها "السنية"، حافظة بيضة الإسلام ومادته!.

لذا سعت الولايات المتحدة الى فهم ستراتيجي جديد يقوم على تحجيم داعش والحد من قدراتها العسكرية في المرحلة الراهنة وترك بعض مساحة التأثير لهذه المنظمة في قدرتها على تهديد الأنظمة القائمة، الأمر الذي منح واشنطن خطوة السبق في التأثير بأطراف الصراع القائم وفرض تصوراتها على خارطة المنطقة بحلتها الجديدة.

 كما إن قبول الولايات المتحدة بدور إيران وحلفائها في مكافحة داعش لا يعني السماح لطهران وحلفائها بالانتصار في هذا المعركة وإرجاع ما يمكن إرجاعه من الأراضي المغتصبة من هذا التنظيم الإرهابي الى السيادة السنية التي كانت مسيطرة في تلك البنيات الاجتماعية قبل تفككها ومساعدتها في مسك الأرض المحررة وادارتها بعيداً عن المركز.

وإذا كانت الولايات المتحدة مرغمة على قبول التدخل الروسي العسكري المباشر في سوريا، فيجب أن يكون هذا القبول ثمنا لإقرار الروس بالهيمنة الأمريكية على العراق، وموافقة موسكو على الشكل الجديد للدولة السورية، القائم على اتحاد فيدرالي، (علوي ـ سني كردي) مع تقبل فكرة رحيل الأسد عاجلاً أم أجلاً.وإقرار موسكو بالدور المرتقب للأنظمة العربية، في دعم ومساندة القوى السنية الموالية لواشنطن في إدارة أقاليمها الخاصة في سوريا والعراق، والاعتراف بدور تركي يتفق وحجم أنقرا، ومساحة النفوذ المتبقية بين موسكو وواشنطن في المنطقة.

 

 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي