فريق العمل
حجم الخط :
عدد القراءات
2154
2016/6/11 01:19:18 PM

الحرب العراقية الإيرانية، أطلق عليها من قبل الحكومة العراقية آنذاك اسم قادسية صدام بينما عرفت في إيران بإسم الدفاع المقدس (بالفارسية: دفاع مقدس)، هي الحرب التي نشبت بين العراق وإيران من سبتمبر 1980 حتى أغسطس 1988، خلفت الحرب نحو مليون قتيل وخسائر مالية بلغت 400 مليار دولار أمريكي، دامت الحرب ثماني سنوات لتكون بذلك أطول نزاع عسكري في القرن العشرين وواحده من أكثر الصراعات العسكرية دموية.

الأسباب والدوافع

في عام 1979 شهدت الأحداث السياسية في كل من العراق وإيران تطورات بارزة حيث أعلن في إبريل عن قيام الجمهورية الإسلامية في إيران ليتولى بعدها الخميني منصب المرشد الأعلى للثورة الإسلامية وهو المنصب الأعلى في النظام السياسي الإيراني في حين أصبح صدام حسين رئيسا للجمهورية العراقية في يوليو 1979 خلفا للرئيس أحمد حسن البكر الذي أعلن أنه استقال من منصبه لأسباب صحية، كما أعلن عن اكتشاف مؤامرة في بغداد اتهم بتدبيرها مجموعة من الاعضاء القياديين في حزب البعث الحاكم ومجلس قيادة الثورة العراقية، اعدم على إثر ذلك مجموعة من أعضاء المجلس وقيادات حزب البعث.

قال غاري سيك في فيلم وثائقي وهو مساعد مستشار الأمن القومي الامريكي (بريجنسكي) لشؤون الخليج إبان إدراة كارتر أن صدام حسين "اتصل فعلا بالعمانيين والاماراتيين والسعوديين، وقال لهم انه بات جاهزا لشن حرب ايام ستة فاعلة. وستكون القاضية لاسقاط النظام الثوري في ايران. لكن عليه ان يستخدم قواعدهم لكي يقوم بذلك. وقد وافق العديد منهم ".

واضاف " نحن اكتشفنا ذلك قبل يوم واحد من التنفيذ، وفي الغالب عندما كانت الطائرات في الجو متجهة في هذا الاتجاه. واتذكر اننا اتصلنا بعمان وابلغناهم بأن عليهم ان ينتظروا ويفكروا".

الضوء الاخضر لبدء الحرب

ونفى سيك ان تكون الولايات المتحدة قد اعطت الضوء الاخضر للعراق لبدء الحرب، كما نفى وجود أي تنسيق مع الجانب العراقي، مضيفا "الواقع، اذا كنا قد فعلنا شيئا فهو العكس. لاننا كنا في تلك الايام نحاول ان نفتح علاقة مع الحكومة الجديدة، الحكومة الثورية، وفعلا قمنا بارسال مبعوثين اليهم لابلاغهم عن حقيقة أن صدام كان يحشد قواته".

ووصف الهجوم العراقي في 22 /9/ 1980 بأنه كان مفاجأة في منظور ادارة الرئيس الامريكي كارتر، واصفاً لحظة معرفته ومستشار الامن القومي بريجنسكي بالهجوم بقوله: "كنت مع بريجنسكي في ذلك الصباح الذي حدث فيه الهجوم، وعندما سمعت به لأول مرة هرعت إلى مكتبه، وجدت في مكتبي خارطة تبين توزيع الحدود وأنابيب النفط، اخذتها معي الى مكتبه وجلسنا على الارض ونشرنا الخارطة وبدأنا في النظر اليها لتحديد الوضع الاستراتيجي".

ويرى بافل اكوبوف رئيس رابطة الدبلوماسيين الروس والسفير السابق للاتحاد السوفياتي في الكويت أن " السبب الرئيسي، وإن ربط بشط العرب، هو النفط". فضلا عن التناقضات والخلافات الدينية "وما للطرفين من مخططات طموحة للسيطرة على الخليج وعلى منطقة الشرق الأوسط بأسرها".

وكشف آكوبوف عن أن الاتحاد السوفياتي حينذاك الذي كان قد قطع توريد الاسلحة إلى العراق (عاد لتقديمها له لاحقا بعد عام 1982)، قد عرض على القيادة الايرانية عبر سفيره فيها انذاك فلاديمير فينوغرادوف تزويدهم بـ " الدعم العسكري وتوريدات الاسلحة، لكن القيادة الايرانية رفضت هذا الاقتراح معلنة انها لا تستطيع القبول بهذه المساعدة لان الاتحاد السوفياتي يدعم العراق ولان الاتحاد السوفياتي قام بغزو افغانستان".

روايتان متناقضتان !

ويقدم طرفا الحرب روايتين متناقضتين لبدء الحرب، ففي الوقت الذي يعتبر الإيرانيون لحظة عبور القوات العراقية للحدود الدولية واندفاعها في عمق الاراضي الايرانية في 22 سبتمبر/ايلول عام 1980 فاتحة هذه الحرب، يعيد مسؤولون في النظام السابق في العراق تاريخ بدء الحرب الى فترة أسبق.

ويقول عبد الجبار محسن، الناطق باسم القيادة العامة القوات المسلحة العراقية حينذاك، ان التاريخ الرسمي للحرب نعتبره في أبريل/ نيسان لانه هناك بدأت عملية ضرب الحدود العراقية بالاسلحة الثقيلة، اما ما حدث في سبتمبر/ايلول، فهو رد فعل لسلسلة عمليات".

ويقول الدبلوماسي الأيراني السابق رضا قاسمي إن العدوان كان متبادلاً، بيد أنه يميز بين ما يسميه العدوان التحريضي والعدوان الفعلي. وإذ يتهم إيران بقيامها بعدوان تحريضي فأنه يتهم العراق بالقيام بالعدوان الفعلي، وبذلك ينبغي عليه، بنظره، دفع تعويضات الحرب.

ويرى قاسمي ان النظام العراقي استجاب للتحريض الذي ارتبط مع " شعارات تصدير الثورة وتصريحات مثل سنذهب الى القدس عبر كربلاء. واصبح شائعا ارسال العملاء للإختراق ودعم وتقوية حزب الدعوة الذي كان معارضاً للنظام الحاكم في العراق".

بينما يعيد وفيق السامرائي المدير السابق للإستخبارات العسكرية ومسؤول شعبة إيران فيها ابان الحرب، بدء الحرب إلى المناوشات التي وقعت بين الجانبين "منذ مطلع عام 1980 وتحديداً منذ ربيع ذلك العام، ثم تطورت في الرابع من سبتمبر/ ايلول ثم قام العراق بالهجمات الواسعة والاندفاع الواسع".

ويرجع السامرائي إلى فترة الحرب أول ظهور للعمليات الانتحارية في العراق قائلا "أول ما طبقت العمليات الانتحارية في العراق طبقت في تلك الفترة بتوجيه ايراني وتخطيط ايراني ومنفذين عراقيين".

أول ما طبقت العمليات الانتحارية في العراق طبقت في تلك الفترة بتوجيه إيراني وتخطيط إيراني ومنفذين عراقيين".

ويرى محمد علي الناصري عضو مجلس شورى حزب الدعوة أن القمة التي وصل اليها الصراع بين نظام البعث وحزب الدعوة في العراق جاءت مع إعدام المرجع الديني الشيعي محمد باقر الصدر، اذ لأول مرة في تاريخ العراق يجري إعدام مرجع ديني كبير.

ونفى أن يكون حزب الدعوة قد تلقى الدعم من إيران، قائلاً إن "إيران كانت في حالة فوضى ولا يوجد فيها مركز قرار سياسي واستراتيجية سياسية بل العكس نحن في حزب الدعوة كنا أكثر تنظيما من الوضع في ايران. وبالتالي لا يمكن الاعتماد على القول بأن ايران قد ساعدت الدعوة".

كما كشف الناصري عن أن اعتماد الكفاح المسلح والعمليات المسلحة التي قام بها الحزب في تلك المرحلة ومنها محاولة اغتيال طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي جاءت من "مجموعات محلية في الداخل وليس بقرار سياسي مركزي. هناك ما يسمى قوات الشهيد الصدر، وهي موجودة عادة في الجنوب ولها فروع وتجمعات في مناطق اخرى".

ويقول فالح عبد الجبار، رئيس "مركز دراسات عراقية" ومقره بيروت، إن قرار الحرب جاء "من العراق وليس من ايران"، لكنه يشير الى دعم إيران للحركات الإسلامية الشيعية في ذلك الوقت وإحتضانها له، متحدثاً عن الفرق بين النموذج الديني في البلدين بقوله: "زرت إيران في هذه الفترة والتقيت بهم كان اعتقادهم أن سيناريو الثورة الايرانية قابل للتكرار في العراق، بمعنى نزول الجماهير الى الشارع لتهتف الله اكبر ثم تحتل مخافر الشرطة والطرق والمباني الحكومية ، مثلما حصل في ايران دون أن يدركوا أن طريقة تنظيم الدين في إيران تختلف عنه في العراق إختلافاً هائلاً".

ويرى عبد الجبار ان الحرب العراقية الإيرانية كانت اكبر كارثة في تاريخ العراق، بل هي بنظره أسوأ من غزو هولاكو لبغداد، ويصفها بأنها "دقة المسمار في نعش المجتمع والمدنية في العراق، التي انهت الدولة العراقية وحولتها إلى مزرعة شخصية، وحطمت 130 عاما من التراكم الحضاري في لحظة واحدة".

الطريق إلى الحرب

يعود فيلم " العراق وإيران: الطريق الى الحرب " ضمن سلسلة وثائقيات "ماذا حدث" التي ينتجها تلفزيون بي بي سي عربي ، ليناقش أسباب إندلاع الحرب العراقية الإيرانية والظروف والملابسات التي سادت المرحلة التي سبقتها ومهدت اليها. مع عدد من شهود تلك المرحلة والفاعلين فيها من الجانب العراقي والايراني والدول الكبرى.

الدور الإقليمي والدولي

إنحازت الدول العربية - باستثناء الجزائر وليبيا وسوريا - للعراق، فاستفاد من دعمٍ سخي من دول الخليج لتغطية كلفة الحرب الباهظة، فقد بلغ المجهود الحربي والتسليحي العراقي أحيانا أكثر من ثلاثة مليارات دولار سنوياً. أما بالنسبة للفاعلين الدوليين بقي دورهم هامشياً إلى حدود 1986، حين شرعت إيران في استهداف ناقلات النفط الكويتية، فطلبت الكويت حماية أميركية تردَّدت واشنطن أولاً في تقديمها ثم قررت نشر سفن حربية في الخليج لمرافقة الناقلات الكويتية.

وحصل العراق على حاجته من الأسلحة من فرنسا أولا ثم من الصين والاتحاد السوفياتي في ذلك الوقت، وكذلك من الولايات المتحدة على نطاقٍ أقل، وإنْ كانت مصادرُ عدة تتحدث عن حصول العراق على دعمٍ لوجستي غربي (أميركي، بريطاني وفرنسي..) تمثل في صور بالأقمار الصناعية لمواقع الجيش الإيراني وتحركاته، وكذلك تقديم قطع غيار ومعدات وذخائر.

أما إيران فحصلت على أسلحة من بعض الدول الشيوعية وقطع غيار دبابات (أم 48 وأم 60) من دول أخرى، كما حصلت على دعم بالأسلحة والذخيرة من نظام الرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد في سوريا ونظام العقيد الليبي معمر القذافي.

الجيش العراقي  

تألفت القوات المسلحة العراقية من 222،000 ألف فرد ضمن صفوف القوات البرية والجوية والبحرية، وتتواجد بجانب القوات المسلحة قوات شبه عسكرية ممثلة بالجيش الشعبي.

يتألف الجيش العراقي من 190،000 جندي عام 1980، التشكيلات الأساسية للجيش هي 12 فرقة عسكرية؛ منها 5 فرق مدرعة وبقية الفرق ما بين فرق مشاة ومشاة آلية. ويقدر عدد الدبابات بنحو 1740 دبابة من طرازات تي-54 وتي-55 وتي-62 والقليل من دبابات تي-72، وكان العراق قد تسلم من الاتحاد السوفيتي خلال فترة 1970–1979 نحو 700 دبابة تي-62 و 300 دبابة تي-55 و50 دبابة تي-72 ، وكان من المقرر أن تصل إلى العراق المزيد من دبابات تي-72 بحراً إلى إلا أنها عادت أدراجها فور نشوب الحرب وفرض موسكو حظراً للسلاح على العراق، مركبات القتال المدرعة وناقلات الجنود المدرعة العراقية تتألف بشكل أساسي من مركبات بي إم بي-1 بي أر دي إم-2 بي تي أر-50 وبي تي أر-60.

الكلفة والتبعات !

انتهت حرب الخليج في الثامن من أغسطس/آب 1988، ويُقدر خبراء اقتصاديون كلفة ثماني سنوات من الحرب بأكثر من أربعمئة مليار دولار، فضلا عن كلفة بشرية أهم وهي أكثر من مليون قتيل وأضعاف ذلك من المصابين والمعوقين. كما خلَّفت دمارا واسعا في البنية التحتية للبلدين وألحقت ضررا كبيرا بالمنشآت النفطية التي هي قوام اقتصاديهما.

قدرت بعض المصادر أن الخسائر البشرية وصلت إلى :

730 ألف قتيل إيرانى ، 340 ألف عراقى

1200 ألف جريح إيرانى ، 700 ألف عراقى

2 مليون لاجىء إيرانى ، 400 ألف عراقى

45 ألف أسير إيرانى ، 70 ألف عراقى

وأنفق العراق على شراء الأسلحة والمعدات 159 مليار دولار بينما أنفقت إيران 69 مليار دولار.

 

بدأت الحرب في وقت كانت فيه القوات المسلحة الإيرانية تعاني من ضعف شديد بسبب وقف الولايات المتحدة والدول الغربية تنفيذ العديد من صفقات الأسلحة الرئيسية التي كان متفقًا عليها مع نظام الشاه قبل سقوطه؛ وهو ما سبب خللا كبيرًا في القدرات القتالية والتسليحية الإيرانية، وقد غالى العراق في الاستناد إليها معتمدًا على التقديرات العربية التي تؤكد أن 90% من الطيران الإيراني قابع على الأرض لعدم وجود قطع غيار، وأنه يمكن للقوات العراقية أن تحتل مقاطعة "خورستان" بالكامل بدون خسائر تذكر لولا بقايا البحرية الإيرانية، وهو ما أقنع بغداد أن طهران الثورة ستستسلم سريعًا أمام الهجوم العسكري العراقي، يضاف إلى ذلك أن العراق كان يعتقد أنه يخوض حربًا بالوكالة عن الدول العربية الخليجية.

واستطاع العراق في الفترة الأولى للحرب والتي استمرت حتى  رجب 1401 ه= مايو 1981م تحقيق بعض التوغل في الأراضي الإيرانية، وامتلاك زمام السيطرة في العمليات الحربية؛ حيث احتل العراقيون في الشهور الأولى من الحرب مدينة "خورمشهر"، ورابطت على أطراف مدينة الأهواز، أما الإيرانيون فأعلنوا إصرارهم على الاستمرار في الحرب لتحقيق انتصار كامل على العراق، وليس سلامًا عن طريق الصلح، واستطاعوا استعادة توازنهم وبدءوا منذ  شعبان 1401 ه= يونيو 1981م في استعادة بعض المواقع الإيرانية المحتلة، ودخول الأراضي العراقية واحتلال بعض الأماكن الهامة ومنها جزيرة "الفاو" العراقية، وفي أعقاب ذلك دخلت الحرب بين البلدين في مرحلة من التدمير المتبادل وقصف المدن وتدمير المنشآت النفطية والبنية الاقتصادية لكل منهما، إلا أن التطور المتواصل في القدرات العسكرية العراقية والدعم العربي الذي حصلت عليه وبخاصة من الخليجيين أتاح للعراق في نهاية المطاف امتلاك زمام المبادرة مرة أخرى وتحقيق انتصارات متوالية على القوات الإيرانية لا سيما في عام 1408ه= 1988م الأمر الذي اضطر إيران إلى قبول قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار.

العرب والحرب !

خلقت الحرب العراقية الإيرانية مأزقًا حقيقيًّا للدول الخليجية؛ لأن المنتصر في الحرب سوف يكون المهيمن على الخليج، إلا أنها قررت الوقوف بجانب العراق وبخاصة الأنظمة المتقاربة مع الولايات المتحدة، وترتب على هذا الانحياز التزامات سياسية وعسكرية ومالية ونفطية إزاء العراق، وقدرت مساهمة الدول الخليجية للعراق في جهوده الحربية بحوالي مائتي مليار دولار. كما جمعت السعودية والكويت (300) ألف برميل نفط يوميًّا لتعويض العراق عن تراجع إنتاجه النفطي بسبب التدمير الذي لحق بحقوله ومنشآته النفطية، وسمحت السعودية للعراق ببناء خط أنابيب قادر على نقل 1.5 مليار برميل نفط يوميًّا على الشاطئ السعودي في البحر الأحمر، وفي الوقت نفسه اتبعت السعودية سياسة نفطية معادية لإيران أدت إلى خفض أسعار النفط؛ وهو ما سبب خسائر فادحة لإيران، ووصل الأمر بالسعودية إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع طهران [رمضان 1408 ه= إبريل 1988م].

ورغم هذا الدعم الخليجي للعراق فإنه كان يعتريه تقلبات تبعًا لمسار الحرب، إذ لم تكن هذه الدول تنحاز إلى العراق انحيازًا مطلقًا بقدر انحيازها إلى مصالحها الإستراتيجية العليا التي لم تتغير عن المخاوف من إيران والعراق إذا انتصر أي من الطرفين على الآخر؛ لذلك كان الدعم الخليجي بهدف استمرار الحرب وليس بهدف تحقيق انتصار لأي من الدولتين وهو ما عبر عنه وزير الدفاع السعودي في مقابلة مع إحدى الصحف حيث قال: "لن نسمح بهزيمة العراق ولا بهزيمة إيران".

أما الدول العربية الأخرى فقد انقسمت بين مؤيد للعراق ومؤيد لإيران، حيث أيدت سوريا وليبيا طهران، وأوقفت دمشق تصدير النفط العراقي، ووقّعت اتفاقية لشراء النفط الإيراني، كما أصبحت ليبيا أحد المصادر الهامة في تقديم المساعدات العسكرية لإيران نيابة عن الاتحاد السوفيتي الذي لم يرد الدخول في خلافات مع العراق، وأصبحت مصر بعد تقاربها مع بغداد أهم مصادر الدعم البشري والعسكري للعراق.

ويلاحظ أن سوريا وقفت ضد التهديدات الإيرانية للدول الخليجية، وفي نفس الوقت ساندت إيران ضد العراق، ولكن ليس للدرجة التي تستطيع فيها إيران تحقيق انتصار على العراق؛ خشية أن يؤدي ذلك إلى حدوث تحول في التوازن الإقليمي لصالح إيران.

القوى الدولية والحرب

كانت مواقف الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي تجاه الحرب محكومة بالمصالح الإستراتيجية والاقتصادية لكل منهما في الخليج، وأهمية كل من العراق وإيران لهذه المصالح، ومدى تأثير الحرب على التنافس بينهما، فرغم ما أبدته واشنطن وموسكو من الالتزام بموقف حيادي من الحرب، فإن الواقع كان يؤكد أن الحياد سياسة مدروسة ولها مغزاها وأهدافها، كما أنه كان حيادًا مؤقتًا محكومًا بقدرتهما على إطالة أمد الحرب إلى الوقت الذي تتحقق فيه مصالحهما من الحرب، فالحياد الأمريكي ظهر في بداية الحرب حيث كان العراق مسيطرًا على مقاليد المواجهة العسكرية، واقترن بقطع إمدادات السلاح الأمريكية عن إيران، كما استغلت واشنطن هذه الحرب لتكثيف وجودها العسكري في الخليج والحصول على تسهيلات عسكرية من الدول الخليجية، وبذلك كانت الحرب تتوافق مع المصالح الأمريكية؛ حيث رأت فيها واشنطن بديلا لإسقاط نظام الحكم الإسلامي في إيران أو زعزعة استقراره، وهذا ما يفسر تعمد واشنطن تشجيع إسرائيل لبيع أسلحة لإيران، كما سمحت لأطراف أخرى بإمداد العراق عسكريًّا، لضمان استمرار الحرب، وضمان ضبطهما عند الحدود التي لا تسمح بانتصار أي من الطرفين المتحاربين.

وعندما تغير الموقف العسكري لصالح إيران أنهت واشنطن سياسة الحياد المعلنة وقررت دعم العراق، فأعادت العلاقات الدبلوماسية مع بغداد في [1405ه= 1984م] وأمدت العراق بمعلومات استخباراتية، ووفرت له مساعدات ومبيعات تكنولوجية وزراعية، ودعمت واشنطن قرارات مجلس الأمن الدول الذي أدان إيران لهجماتها على ناقلات النفط في الخليج. واتخذت إدارة الرئيس ريجان عام [1404 ه= 1983م] خطوات متزاتيدة لدعم العراق، وكان دافع هذا الحماس الأمريكي توظيف الخطر الإيراني للحصول على الكثير من المكاسب، ونهج سياسة نفطية تحول دون حدوث أزمات نفطية تؤثر على الاقتصاديات الغربية. ويتضح هذا من التناقض بين السياسة الأمريكية المعلنة ضد إيران، والتورط الأمريكي السري في تقديم أسلحة أمريكية إلى إيران بتخطيط من الإدارة الأمريكية، وبدور مميز لمستشار الأمن القومي الأمريكي "روبرت ماكفرفلين" الذي قام بزيارة إلى طهران لهذا الغرض، وهي الصفقة التي عرفت ب "إيران- كونتراجبت" ومن هنا فإن واشنطن كانت تهدف إلى استنزاف إيران والعراق للتخلص من الخطر الإسلامي والقومي العربي معًا، وإعادة ترتيب الأوضاع في الخليج؛ لتصبح قوة موجودة فيه.

أما السوفيت فكانوا يهدفون إلى إطالة أمد الحرب لأن ذلك يخدم أهدافهم الإستراتيجية في كسر احتكار النفوذ الأمريكي للخليج، فكانت موسكو لا تتجاوب مع مطالب العراق العسكرية رغم معاهدة التعاون والصداقة الموقعة بينهما عام 1392ه= 1972م إلا أن موسكو أنهت كثيرًا من مساندتها لإيران بعد عام [1403ه= 1982م] عندما عبرت القوات الإيرانية إلى داخل العراق، وقدم السوفيت لبغداد صواريخ متوسطة المدى، وأصبحت الممول العسكري الرئيسي لها بقية سنوات الحرب.

اشتدت الاعتداءات على الناقلات النفطية في الخليج العربي، فقامت الكويت بخطوة أدت إلى تدويل الحرب، وتدخل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في أحداثها، إذ تقدمت الكويت بعرض إلى واشنطن تطلب فيه نقل نفطها على ناقلات أمريكية، لكن واشنطن لم تتجاوب مع العرض التجاري الكويتي؛ لأنها كانت تتوقع أن توقع مع الكويت ترتيبات أمنية وليس صفقات تجارية، فبادرت الكويت بالتوجه إلى موسكو بهذا العرض، فوافق السوفيت على تأجير ثلاث ناقلات نفطية للكويت؛ وهو ما دفع واشنطن إلى تقديم عرض مثير للكويت في قبولها تسجيل جميع ناقلات النفط الكويتية لديها، فردت الكويت بأنها ترى أن التعاون بين موسكو وواشنطن ضروري في منطقة الخليج ويؤدي إلى حماية الملاحة البحرية من أي خطر فقبلت واشنطن هذه الرؤية على مضض.

وكانت إيران ترفض أي قرار من مجلس الأمن ما لم يعترف بأن العراق هو البادئ بالاعتداء، وتقرير التعويضات اللازمة لإيران والتي وصلت في بعض المطالب إلى 200 مليار دولار، وإسقاط النظام السياسي في العراق، إلا أن تطورات الأحداث جعلت إيران تسكت عن هذه المطالب، خاصة بعد حدوث مواجهة عسكرية في الخليج العربي بين القوات الأمريكية والبحرية الإيرانية دُمّرت فيها منصتان إيرانيتان للنفط، وأسقت طائرة إيرانية مدنية بصاروخ أمريكي، بالإضافة إلى ما ارتكبه الحُجّاج الإيرانيون أثناء موسم الحج من اضطرابات عام 1408ه= 1987م واصطفاف معظم الدول العربية خلف العراق في حربه ضد إيران، كل ذلك جعل إيران تقبل بقرار مجلس الأمن رقم 598 الذي اتُّخذ بقصد وضع حد للحرب الدائرة بين الدولتين. وسبق صدور القرار مشاورات بين الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن استمرت ستة أشهر، وحضر جلسة التصويت عليه كثير من وزراء الخارجية في سابقة لا مثيل لها في تاريخ المجلس، وصدر القرار بالإجماع، وصدر هذا القرار في رمضان 1405ه= يوليو 1987م ولم تضع الحرب أوزارها بين البلدين إلا في [8 محرم 1409ه= 20 أغسطس 1988م وبعد توقف الحرب بعشرين يومًا فرضت أمريكا عقوبات على العراق، وامتنعت عن استيراد النفط العراقي.

خسائر لم تنته !

انتهت الحرب العراقية الإيرانية بضعف للقوة الإقليمية لكل من البلدين، وأعطت مبررًا قويًا للدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة للتواجد العسكري في الخليج، وكانت إسرائيل هي الطرف الأكثر استفادة من هذه الحرب بإهدار قوة هاتين الدولتين في معارك لا طائل منها.

وقُدرت الخسائر الإجمالية لهذه الحرب بحوالي (500) مليار دولار، منها (280) مليار دولار خسائر إيران و(220) مليار دولار خسائر العراق، إضافة إلى (450) ألف قتيل وأضعافهم من الجرحى والمعوقين، وخسائر في المنشآت النفطية والاقتصادية تقدر ب (500) مليار دولار للبلدين، أي أن التكلفة الإجمالية لهذه الحرب تقدر ب(1000) مليار دولار، كما أنها خلقت فجوة نفسية عميقة بين شعبي البلدين ما زالت تطرح ذكرياتها المؤلمة والدموية في كل مناسبة تعوق دون فتح صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين، وما تزال بعض القضايا عالقة بين البلدين بسبب هذه الحرب، أبرزها قضية الأسرى؛ حيث تتهم إيران العراق بالاحتفاظ لديه بآلاف الأسرى الإيرانيين، وينفي العراق ذلك، ويتهم إيران باحتفاظها بأسرى عراقيين، وذلك رغم تبادل عدد كبير من الأسرى بين البلدين عام  1418ه= 1997م.

لم تكن الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات مجرد حرب عسكرية عادية وإنما تعدّتها لتصبح حربًا نفطية واقتصادية دُمّرت فيها المنشآت النفطية والاقتصادية، وحربًا سياسية وعقائدية وحدودية بين نظامين سياسيين مختلفين، ثم تطورت في أسوأ مراحلها وأبغضها لتصبح حربًا عنصرية بين "العرب" و"الفرس"!.

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي