صبرائيل الخالدي
حجم الخط :
عدد القراءات
2151
2016/6/14 03:40:08 PM

الأميركان، الخليجيون، البعثيون .. وفراخهم .. يصنعون نسخةً مزورة وبديلة عن "القدس" اسمها الفلوجة .. المدينة الصامدة العظيمة الإلهية .. مدينة الكرامات والمعاجز .. المدينة الغامضة .. التي لا يعرف أحدٌ كيف سقطت ولا لماذا لا تتحرر .. يضفون أبعاداً ماورائية للفلوجة، وقدسية زائفة .. الغرض الرئيس لكل هذا التطبيل هو توجيه النقمة العربية السنية الى هدف مصطنع، وايقونة بكاء وصمود مصطنعة .. لسحق "القدس" وابدالها بهذه القدس الوهمية الجديدة.

كثير من سنة العراق ابتلعوا هذا الطعم، وصدقوا أن هذه المدينة العادية التي لا ميزة تذكر لها هي فعلا مدينة مقدسة يتدخل الله شخصياً في بعض الأحيان من أجلها .. في نهاية ٢٠١٣ نشر أحد شيوخ المدينة [علي البصري] تقريراً أميركياً معززاً بالصور عن عناكب ضخمة، قال التقرير وأيّد البصري أنها كانت تهاجم الأميركان وساهمت بطردهم، احمد الكبيسي كان قد قال بعدها أن جرذاناً بحجم الشاة كانت تقاتل الأميركان .. وهكذا .. يستمر اختلاق الخرافات الغيبية ليكتشف العراقي السني أنه كان ينام على مدينة إلهية مقدسة لم يكن يعرف عنها شيئاً.. مدينة مقدسة مندثرة .. أعيد إحياؤها فجأة وأصبح كل مَن فيها من جماعات وسلاح وقتل .. مقدساً أيضاً ..

الإيرانيون وأصدقاؤهم في الداخل العراقي يصنعون نموذجاً بديلاً لـ "تل أبيب" .. أيقونة الشر السابقة، الفلوجة "أم الشر" .. الفلوجة السرطان [لاحظ ان الايرانيين في مطلع مشروعهم التوسعي الاسلامي أطلقوا "سرطان" على إسرائيل] أما وقد انقلب المشروع الى التوسع المذهبي فقد أصبحت "الفلوجة" هي السرطان ..

وحده تفجير كربلاء الأخير مرّ دون أن يقال أن مفخخته قدمت من الفلوجة، لأنه لن يكون منطقياً .. أما ما سبق .. فكان كل تفجير يحصل يُنسب الى الفلوجة رسمياً أحياناً، أو شعبياً في أحيان أخرى ..

كثير من الشيعة صدقوا هذه القصة، وهم معذورون في النهاية .. هناك مَن يقول أن ما ارتكبته المدينة بحق العراق أكبر مما ارتكبته مدن أخرى، والواقع أنه منطق لا يستقيم أولاً لأن المدن لا ترتكب، ولا يستند على معلومات ثانياً .. الأصح هو أن ما تم ضخه في المدينة وعنها أكبر..

بين هؤلاء واولئك .. لعب "داعش" [شركة تخليص المعاملات الدولية] .. قدم لكل طرف وجبته التي يحتاجها، عمل التنظيم على شيطنة المدينة بعمليات نوعية أبرزها قتله للجندي الأسير الجريح "مصطفى" وغيره، واخراجه الفني للعملية بأكبر قدر ممكن من إثارة الألم ثم الحقد .. وبعدة عمليات من هذا النوع أصبحت "الفلوجة" قدس السنة، وتل أبيب الشيعة .. وجرت مؤسسات وإعلام وأقلام كل محور على تأدية الأدوار المطلوبة كما ينبغي في مسيرة إشعال الحرب الأهلية الأبدية بين مكونات العراق .. وهي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تؤدي الى تقاسم هذا "الرجل المريض" بين دول الجوار ..

وحتى الآن يفشل أي محلل بإسناد أي أهمية استراتيجية لهذه المدينة، وغاية ما يقال أنها تبعد ٦٠ كم عن بغداد، والواقع أن عاصمة داعش لا تبعد ١٠ كم عن أربيل ودهوك وكركوك مثلاً، وتعيش هذه المناطق بلا أي مشاكل أمنية خلال عامين، وبامكانها الاستمرار لقرنين ! كما أنها مدينة سكنية ليست زراعية مثل جرف الصخر، ولا نائية مثل الرطبة .. ومع ذلك يجري شيطنتها و تقديسها على حد سواء دون أي سبب منطقي .. سوى صناعة ايقونات كارتونية كواحدة من مستلزمات القتال الأهلي والتفتيت، وحتى هذه اللحظة يضلل الإعلام بشكل متعمد عن حقيقة قصة سقوط الفلوجة الغامضة، وأن ٩٠℅ من أهلها نازحون ..

الفلوجة قدس هؤلاء وتل أبيب اولئك ..لكنها "قضاء الفلوجة" بالنسبة للعراقيين.

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي