ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
1327
2017/8/1 07:34:10 PM

بشكل متعرج متموج يمر نهر دجلة من مدينة الموصل العراقية قاسماً إياها إلى جزأين متساويين. الحياة تبزغ على جانبي النهر منذ بدايات التاريخ، ومن كل صوب وحدب كانت الموصل مقصودة متجَهاً إليها، وبنهرها الأحدب صارت ملتقى للحياة والتجارة بين الشرق والغرب، ونقطة ارتكاز رئيسة لعديد القوى العسكرية على اختلاف الأزمنة، فهي تقع ضمن إطار جغرافي استراتيجي، تمثل فيه قلب وعاصمة محافظة نينوي، التي تقع في الشمال الغربي من العراق على بعد 465كم من بغداد، من حيزها الجغرافي تقترب الحدود السورية ومعها الحدود التركية، مُشكلةً منها نافذةً تطل وتربط بين الشرق والغرب.

 

تعتبر الموصل ذات أهمية كبرى بالنسبة للعراق لكونها ثاني أكبر مدينة عراقية من حيث عدد السكان، حيث يقطنها نحو 1.8 مليون نسمة بحسب إحصاء عام 2014، معظمهم من المسلمين السنة، في حين تتوزع طوائف متعددة من المسیحیین الذین ینتمون إلى كنائس عدة، وأقلیة من الأكراد والتركمان والشبك، على نسبة لا تتعدى 20% من مجموع السكان، كما يبرز الموقع الجغرافي المميز للمدينة وكونها نقطة التقاء تجاري وثقافي بين عدة أمم وثقافات، يبرز كمرجح في كفة الأهمية والالتفات إليها.

عودة إلى 10 حزيران 2014

في صباح يوم 10 حزيران 2014 استيقظت مدينة الموصل على واقع فعلي جديد، واقع لم يكن متخيلاً لها، سيطر فيه مئات المقاتلين المتشددين المنتمين لما يعرف بتنظيم "داعش" على المدينة معلنينها تابعةً لهم. لم يكن الأمر مفاجئاً فقد سبقه بأيام عدة تقدمات نوعية للتنظيم على أطراف المدينة، إلا أن مسؤولين إداريين وأمنيين في المدينة هونوا من قدرها.

فقبل خمسة أيام فقط من إعلان سيطرة التنظيم على المدينة صرح أثيل النجيفي محافظ نينوى بـ”أنه لا يوجد مسلحون لا في الموصل ولا على أطرافها”*، معلناً أن إجراءاته فيما يتعلق بفرض حالة الطوارئ هي مسألة احترازية بعيدة عن أي احتمالية سيئة قد يرددها البعض.

بعد هذا التصريح وفي غضون خمسة أيام فقط كانت المفاجأة مدوية، حيث تقدم المقاتلون على أطراف المدينة مثبتين وجودهم في مناطق مثل مشيرفة و17 تموز والهرمات وحي التنك وحي الزهراء وحي التحرير، والتي هرب منها الفوج السابع من القوات الأمنية، ولم يبق منهم إلا نحو من 40-50 مقاتلاً، ظلوا يدافعون نحو ثلاثة أيام دون أن يتلقوا أي دعم من الجهات الأمنية المركزية؛ ما أدى بهم في النهاية إلى الانهيار، انهيار لم يكن بسيطاً لكونه كان تقدمةً لانهيار أكبر قادم.

قبل يومين فقط من إعلان التنظيم سيطرته على المدينة، وبعد عمليات قصف مكثفة من قبل الجيش العراقي لمناطق تقع تحت سيطرة التنظيم؛ أعلنت القوات الحكومية “استعادة سيطرتها على 90% من مدينة الموصل”،[2] وبالتوازي مع ذلك نزح آلاف المواطنين من الأحياء التي تدور في حيزها اشتباكات؛ وذلك خشية منهم من تطور الأمر وتعرضهم للخطر.

 

هكذا كان التصريح الإعلامي للحكومة والمسؤولين العراقيين مطمئناً للجميع، وموفراً مساحات مُثلى للمفاجأة أن تكون، حيث إنه ودون مقدمات وتحت وطأة معارك طاحنة وضاغطة من قِبل أفراد التنظيم وخلال ثلاث ساعات فقط انهارت الشرطة الاتحادية وفرّ جميع منتسبيها، تبع ذلك انهيار كبير موازٍ للفرقة الثانية من الجيش العراقي؛ وذلك بعد شائعات سرت بين أفرادها عن فرار قادتهم وقطع طريق العودة عليهم، ليعلن التنظيم في اليوم التالي لذلك، وهو العاشر من حزيران 2014، عن إحكام سيطرته على مدينة الموصل بالكامل.

وقد كان الإجراء الأول المتخذ من قبلهم هو فتح سجن بادوش وجميع سجون مراكز الشرطة، حيث قاموا بإطلاق سراح مئات السجناء والمعتقلين، وفي 4 تموز من العام نفسه فوجئ العالم كله بتسجيل مصور يظهر فيه زعيم ما يعرف بـ “داعش” خطيباً في المصلين من مسجد النوري التاريخي بوسط الموصل، حيث أعلن الموصل عاصمة لدولته.

في المقابل أعلن رئيس مجلس النواب العراقي حينئذ أسامة النجيفي، خلال مؤتمر صحفي، عن “سقوط محافظة نينوى بشكل كامل بأيدي مسلحين”، وذلك إثر “هروب مفاجئ” للقوات الأمنية أدى إلى إتاحة الفرصة لمسلحي تنظيم “داعش” أن يسيطروا على مقرات القيادة ومطار الموصل وكذلك مخازن الأسلحة، والموصل بأكملها. كما أعلن نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي حينئذ، حالة التأهب القصوى ودعا إلى التعبئة الشاملة من أجل دحر التنظيم واستعادة الموصل، غير أن الأمر لم يكن بهذه السهولة ليُحلَّ عبر قرار أو إعلان أو موقف سياسي، فعملية استعادة الموصل استحقت ما يربو على ثلاث سنوات من العمل حتى نجحت في إعادة المدينة إلى يد الدولة العراقية.

ما قبل المعركة

بعد نحو ثلاث سنوات تقريباً من هذا السقوط المدوي لمدينة الموصل في أيدي ما يعرف بتنظيم “داعش”، وفي 29 حزيران 2017 أعلنت وزارة الدفاع العراقية تحرير الموصل، وإنهاء الوجود العسكري لمقاتلي التنظيم بها. جاءت هذه الاستعادة عبر مسارات عسكرية دؤوبة قام بها الجيش العراقي، بمشاركة من قوات البیشمركة الكردیة وقوات حرس نينوى، وبإسناد من قوات الحشد الشعبي، وكذلك بإسناد جوي من طائرات قوات التحالف الدولي لمحاربة تنظیم داعش، وذلك على مدى زمني بعيد استمر نحو تسعة أشهر، وكان هذا تحديداً منذ إعلان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، في السابع عشر من تشرين الأول 2016، انطلاق معركة استعادة الموصل من تنظيم "داعش".

تلك المعركة التي سُبِقت بتجهيزات وتمهيدات خاصة أضفت عليها طابعاً حاسماً منذ البداية، ففي الأسابيع التي سَبقت الهجوم البري، قامت قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بقصف عدد من الأهداف في مدينة الموصل تَمهيداً للهجوم، وبدأ الجيش العراقي بالتقدم تدريجياً إلى المدينة، كما قام سلاح الجو الملكي البريطاني باستهداف أهداف لعناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” بواسطة طائرات تايفون وتورنادو وطائرات من دون طيار في الساعات  الـ72 التي سبقت بدء الهجوم البري.

 

وعلى الصعيد النفسي وكتمهيد للمعركة البرية الآتية قام الجيش العراقي بإسقاط مَنشورات على المدينة وأماكن أخرى مُحيطة بها، يستحث من خلالها الأهالي على الانتفاض ضد تنظيم الدولة، ومساعدة القوات العراقية عندما تبدأ المعركة. أما تنظيم داعش فقد استعدت قواته جيداً من أجل إجهاض محاولات التسلل وفرض السيطرة؛ وذلك عبر عدة وسائل كان أهمها حفر خندق على طول بعض الجبهات، وكذلك إغلاق كل الطرق في جميع أنحاء المدينة تمهيداً للدفاع عنها، كما قام التنظيم كذلك بتهديد السكان وتحذيرهم من أي محاولة للهروب من المدينة، متوعداً من يقوم بهذا بالقبض عليه وإعدامه، أو أن يلقى حتفه عبر قناصته المنتشرين فوق أسطح المباني، أو عبر الألغام الموضوعة على مناطق التماس والتحاذى؛ الأمر الذي دفع كثيراً من المنظمات الإنسانية حينها إلى الإعلان عن خشيتها من استخدام المدنيين من قبل التنظيم كدروع بشرية، كما قامت عناصر التنظيم كذلك بإشعال النفط وذلك طمعاً في الحد من الرؤية والتمويه على القوات العراقية.

 الخط الزمني للمعركة

“قادمون يا نينوى” هكذا أطلق رئيس الوزراء العراقي حيدر البغدادي هذا الاسم على معركة الموصل، والتي جاءت كأكبر حشد وانتشار للقوات العراقية منذ غزو العراق 2003، حيث وصل عدد القوات المشاركة في تلك العملية إلى نحو 45 ألف جندي، تم توزيعهم على جميع محاور الموصل المتاحة: وهي الشمال والجنوب والشرق.

مع بدء المعركة تصاعد الهجوم البري وتركز أثره في الجزء الشرقي، حيث استخدمت القوات العراقية أسلوب المبادرة وجر الخصم باتجاه معارك صغيرة تستنزفه، غير أن أساليب التنظيم في تصدير المدنيين واتخاذهم دروعاً بشرية، فضلاً عن الألغام والعمليات الانتحارية، أطالت أمد التقدم وصبغته بالحذر والبطء، على الأقل في شهر أكتوبر/تشرين الأول.

بالمدفعية والدبابات وتحت غطاء جوي من قبل التحالف الدولي تكثف الهجوم جهة الشرق من قبل الجيش العراقي، وذلك مع أول يوم من شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2016؛ الأمر الذي قوبل من تنظيم داعش بعديد من الأساليب الدفاعية لمنع التقدم؛ كحرق الإطارات وتفجير السيارات المفخخة، فضلاً عن القناصة ودورهم الفاعل. إلا أنه ورغم كل هذه الدفاعات أعلن الجيش العراقي نهاية هذا الشهر تمكنه من بلوغ تل عفر وسيطرته على 19 حياً شرقي الموصل، والتي تشكل أقل من 30 في المئة تقريباً من مساحة مدينة الموصل.

استمرت عمليات الجيش العراقي وحلفائه المحليين والدوليين في التصاعد، حيث كثفت قوات التحالف الدولي غاراتها مستهدفة الجسور ومناطق ارتكاز التنظيم داخل الموصل، كما أقدمت القوات المتحالفة على الأرض، رغم الدفاعات المستميتة من تنظيم داعش، على توسيع دوائر تقدمها في الشرق، حيث أعلن رئيس الوزراء العراقي يوم 23 يناير/كانون الثاني تمكن قواته من السيطرة الكاملة على شرقي الموصل، لتبدأ منذ ذلك الحين مرحلة جديدة من العمليات.

 

بمجرد سيطرة الجيش العراقي على شرقي الموصل بدأت تلقائياً مرحلة جديدة استهدفت استعادة السيطرة على غربي الموصل، وإنهاء وجود تنظيم داعش ومقاتليه فيها. انطلقت تلك المرحلة فعلياً مع بداية شهر آذار، حيث أعلنت القوات العراقية عن نفسها بسيطرتها على الطريق الرئيس الأخير الواصل بين  غربي الموصل وتل عفر، واستمر تقدم القوات وأبدى داعش ومقاتلوه مقاومة شرسة، غير أن تلك المقاومة لم تستطع فعل شيء أكثر من إبطاء تقدم القوات العراقية على كل الجبهات.

ما بين كر وفر وسيطرة واندحار دارت رحى تلك المعركة على مدار تسعة أشهر، خلّفت وراءها كثيراً من الدمار والضحايا فضلاً عن النازحين، غير أن الانتصار في النهاية كان حليفاً للقوات العراقية، واستطاعت أخيراً حسم هذه المعركة لمصلحته. غير أن ذلك الحسم أتى عبر مسارات مؤلمة كلفت المدينة وقاطنيها وطرفي القتال كثيراً من الخسائر.

الثمن الباهظ “للتحرير”

استطاع الجيش العراقي استعادة مدينة الموصل من تنظيم “"داعش” وطرد معظم مقاتليه، وذلك بعد نحو ثلاث سنوات من انهيار القوات العراقية، ووقوع المدينة تحت سيطرة هذا التنظيم، لكن هذه الاستعادة لم تتم بشكل مجاني وإنما أتت عبر سيل كبير من الخسائر الفادحة على شتى الأصعدة.

الخسائر البشرية

المدنيون دائماً هم من يدفعون الثمن، ويبدو هذا واضحاً جداً في حالة الموصل واستعادتها، حيث الكثافة السكانية في هذه المدينة في أوجها، كما أن الاتهامات الموجهة لطرفي المعركة بممارسة انتهاكات تزيد من فرص وجود ضحايا أكثر.

نعم لم ينجلِ بعد غبار المعركة ومعه لم تستبن أرقام رسمية لعدد الضحايا، لكن المؤكد، من خلال الدمار المتفاقم الذي منيت به المدينة، ومن خلال عدد غير قليل من الأحداث المؤسفة التي تم توثيقها؛ المؤكد أن عدد الضحايا المدنيين كبير..

الخسائر في صفوف داعش تتراوح ما بين  4 إلى 5 آلاف مسلح قتلوا، عدا عن مئات الجرحى، غالبيتهم من الجنسيتين العراقية والسورية، وهو ما يبدو متطابقاً مع الإيجاز اليومي لقيادة عمليات نينوى، بينهم نحو 30 قيادياً بارزاً بالتنظيم.

وبعد استعادتها الجانب الشرقي من مدينة الموصل، بدأت القوات العراقية في 19 شباط 2017 عمليات اقتحام الجانب الغربي للمدينة، الذي يمثل المعقل الرئيس للتنظيم، وذلك وسط أنباء عن خسائر بشرية فادحة بين السكان المحليين.

النزوح الجماعي

كان لمعركة الموصل أثرها في سير الحياة واستمرار السكان في منازلهم؛ فقد نزح من المدينة منذ بدء العمليات أعداد كبيرة. وقد وصف تقرير صادر عن الأمم المتحدة أن الأمر فاق من حيث السوء كل التوقعات، وأوضحت مسؤولة أممية أن عدد النازحين حتى 31 تموز، وصل إلى نحو 710 آلاف شخص، غالبيتهم فارون من الجانب الغربي للموصل، مبينة أن 320 ألف مواطن تم إيواؤهم في مخيمات النازحين، في حين يقيم 390 ألفاً آخرين في بيوت أقربائهم أو أصدقائهم، وفي الأماكن العائدة للمساجد والمؤسسات الحكومية.

تدمير البنى التحتية

يتضح الدمار جلياً في شتى المرافق العامة من طرق ومبانٍ وجسور إلى مستشفيات وكليات، وذلك كأثر مباشر من آثار المعارك الطاحنة التي دارت رحاها في أحياء مختلفة في المدينة، فتم استهداف جميع المصارف، كما تم استهداف عديد من الكليات التابعة لجامعة الموصل ككليات الهندسة والزراعة والعلوم، كما تم استهداف مشاريع تحتية مرفقية كمشروع الماء الجديد في الجانب الأيمن.

“مأساة” المعالم التاريخية

“ما حدث أكبر بكثير من كونه مأساة ثقافية، بل هو أيضًا شأن أمني يغذي العنف والطائفية والنزاع في العراق”، هكذا عبرت منظمة اليونسكو عن الوضع المأساوي في الموصل من حيث جرف جل المعالم التاريخية في المدينة على يد تنظيم داعش، لم يشفع تاريخ تلك الأماكن لها لكي تبقى فدمرت بالكامل على يد هذا التنظيم، ومن هذه الأماكن يمكننا أن نذكر:

الجوامع والمراقد: قام تنظيم "داعش" بتفجير مسجد النبي يونس الذي يرجع تاريخه للقرن السابع عشر والذي يُعتقد أنه مرقد لهذا النبي.

وعلى إثر معارك طاحنة في محيط المسجد النوري، تم تفجير المسجد بالكامل وسقطت معه مئذتنه الحدباء ذات الامتداد التاريخي الطويل، والتي تعتبر معلماً رئيساً في المدينة، تبادل التنظيم والقوات العراقية الاتهامات حول الفاعل، غير أن النتيجة في النهاية واحدة، وهي فقدان معلم تاريخي مهم جداً بالنسبة للإنسانية جمعاء. كما أقدم التنظيم على تفجير عدد من المزارات الصوفية.

متحف الموصل: قبل أن يصبح أثراً بعد عين على يد تنظيم “الدولة الإسلامية”، كان هذا المتحف يضم بين دفتيه كثيراً من القطع الهامة والنادرة، والتي ظهرت في مقاطع مصورة مع أفراد من التنظيم يحطمونها لأنها كما يزعمون أوثان، كتمثال الثور المجنح، وآثار النمرود.

آثار النمرود: قام تنظيم داعش في 2015/3/6 بتدمير آثار مدينة النمرود الآشورية، والتي يعود تاريخها للقرن الثالث عشر قبل الميلاد، وتقع على ضفاف دجلة 30كم جنوب الموصل.

سور نينوى (بوابة نركال): قام تنظيم داعش في 2016/4/31 بجرف البوابة الغربية لمدينة نينوى الأثرية القديمة، بعد يومين من جرفه البوابة الجنوبية والسور الذي يحيط بالمدينة الأثرية.

“معارك” ما بعد الاستعادة

تبرز معركة الموصل كانتصار عسكري حاسم أزاحت من خلاله القوات العراقية، بمساعدة حلفائها، تنظيم داعش من المدينة، لكن تلك المعركة ما زالت تحتاج للكثير من الجهود والضمانات، وربما الخطط، لتُتمم انتصاراً سياسياً موازياً، فالموصل ومحافظة نينوى بكاملها هي مركز للوجود السني في العراق، وعدم إيجاد إطار متوازن لإقرار سلطة الدولة العراقية فيها سيشجع، على المدى البعيد، إفراز قابلية ما لاستعادة ظهور تلك الجماعات المتشددة فيها.

 

من تلك النقطة برز اتجاه أمريكي تجميعي لدول الخليج العربي وبعض الدول الإسلامية السنية كتركيا ومصر؛ لضمان ملء الفراغ المترتب على تحرير أراضٍ يسيطر عليها التنظيم المتشدد؛ ملء هذا الفراغ بما لا يسمح للنفوذ الإيراني بالتمدد فيه والسيطرة عليه، وتلك هي النقطة التي أقرتها كثير من الاجتماعات التي تمت مؤخراً كالقمة الإسلامية الأمريكية التي عقدت في الرياض.

وبناءً على هذا فالجهود العسكرية الأمريكية التركية وكذلك الكردية تضافرت وتعاضدت مع الجهود العسكرية للقوات العراقية خلال المعركة ، لكن في المقابل هناك كثير من الأسئلة الحائرة فيما يتعلق بمصير الموصل من حيث الإدارة والإعمار والدور الإيراني الذي يمكن أن “يتهددها”، وهو ما تسعى إلى موازنته الإدارة الأمريكية حالياً وسابقاً، من خلال الضغط على الحكومة العراقية لإعداد تسوية سياسية دائمة فيما يتعلق بالموصل، تضمن على المدى البعيد إشراك السنة العراقيين القلقين على مستقبلهم بالنظر إلى توجهات الحكومة العراقية.

الدمار الهائل والمريب هو السمة الغالبة التي ترتسم على تلك المناطق التي نالتها الحرب، كما أن التخبط السياسي والتصور المفقود لما يمكن أن تكون عليه إدارة الموصل بعد هذا الانتصار سمتان أيضاً متوفرتان وواضحتان للعيان. والجهود حالياً منصبة جهة تطهير المدينة من فلول تنظيم الدولة، وجهة إعمار ذلك الخراب المستطيل الذي نالها على الأصعدة كافة. إعادة الإعمار قدرت الأمم المتحدة كلفتها المتوقعة بنحو أكثر من مليار دولار[17]، الأمر الذي يضع على كاهل الحكومة العراقية جهداً إضافياً في الانتظار. نعم تضاءلت رقع وجود تنظيم داعش في العراق كما في سوريا، لكن لا أحد يدري هل هذا التضاؤل كفيل بنهاية هذا التنظيم، أم أنه ما زال مهدداً لاستقرار هذه المدينة وما حولها؟

المصدر: مركز إدراك للدراسات والاستشارات

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي