تاج الدين عبد الحق
حجم الخط :
2017/8/26 09:55:45 PM

من البداية، لم يكن خبر طلب السعودية من العراق التوسط لحل خلافها مع إيران، يحمل أي مصداقية، ولم نكن بحاجة إلى النفي الرسمي السعودي لتأكيد هذا الاستنتاج.

فعلاقة السعودية بالحكومة العراقية، وغيرها من القنوات السياسية، تتحرك ببطء وحذر، لاستعادة الثقة بعد سنوات عديدة شهدت فيها علاقات البلدين مستويات عالية من التوتروالخلاف، لا على قضايا ثنائية فحسب بل على توجهات وقضايا وسياسات ومواقف إقليمية أيضا.

في المقابل فإن علاقة بغداد بإيران تفتقر للتكافؤ، وتتسم بنوع من التبعية، التي لا تسمح لها بطرح حلول، أو اقتراح مخارج للكثير من القضايا الثنائية المعلقة، أو الخلافات الإقليمية المستعصية.

النفي السعودي للوساطة، بالصيغة التي جاء فيها، لم يكن بهدف التكذيب فقط، بل لمنع محاولات إخراج مساعي تقارب السعودية مع العراق -التي ظهرفيما بعد أنها مدعومة إماراتيا – من سياقها، والتي تستهدف قبل كل شيء، إرجاع العراق إلى حضنه القومي، ومنع إنزلاقه أكثر نحو الهوة الطائفية التي جرته إيران إليها ترغيبا وترهيبا.

النفي الرسمي الذي صدر عن الرياض تأكيد لسياسة معروفة، وهي أن السعودية وأي دولة عربية في الإقليم لا يمكن أن تقبل وساطة عربية بينها وبين إيران، فمثل هذه الوساطة لا يمكن أن تكون ممكنة، إلا إذا كان الوسيط على مسافة واحدة من طرفي الخلاف، وأنه ينظر بحياد إلى نقاط الخلاف العالقة، دون اعتبار للبعد القومي العربي، الذي يشكل العراق جزءًا أصيلاً منه، وطرفًا أساسيًا فيه.

فكرة القبول بوساطة عراقية مرفوضة، لأنها تعني القبول ضمنًا، بحالة الاحتواء التي تحاول طهران تكريسها في علاقاتها مع بغداد، وتعني أيضًا، إفشال الجهود الخليجية والعربية التي تعمل على فك ارتباط العراق بالمشروع المذهبي الطائفي الذي تحاول إيران تعميمه في المنطقة، في إطار مسعاها المستمر لفرض الهيمنة والتوسع في عموم الإقليم.

النفي السعودي هو أيضا، رد ضمني على محاولات الإيحاء بأن الخلاف مع طهران مأزق سعودي، وحاجة سعودية، وأن الرياض تبحث عن مخرج من هذا المأزق حتى لو كان ذلك، اعتمادًا على أطراف أو قوى تعلم الرياض قبل غيرها أنها لا تملك قدرة التأثير على طهران، ولا إمكانية الوساطة معها.

إلى ذلك كله فإن النفي السعودي يؤكد وفق الحيثيات المفصلة التي أوردها، أن الخلافات مع إيران ليست أزمة ثنائية، بل مشكلة إقليمية عامة لا يمكن حلها بالوساطة، وإنما من خلال مراجعة عميقة في المواقف والسياسات الإيرانية، التي كانت سببًا في كل التوترات الإقليمية منذ مجيء النظام الإيراني الحالي للسلطة قبل ما يقرب من أربعة عقود.

وأي وساطة مع إيران خارج البحث، عن حلول إقليمية شاملة لأزمات المنطقة، معناه فتح المجال أمام استفراد طهران بدول المنطقة الواحدة بعد الأخرى، لتكريس حالة الهيمنة التي تحاول نشرها في المنطقة، وتقويض أي شكل من أشكال التضامن، وعرقلة مساعي دول المنطقة في التوافق على طريقة مواجهة مشروع التمدد الإيراني.

ويبدو أن مطلقي إشاعة الوساطة العراقية بين الرياض وطهران، هم من ساءهم الانفتاح السعودي الخليجي على مكونات ورموز في الساحة العراقية، أو من يخشون من تداعيات هذا الانفتاح، على مشاريع العزل الطائفي التي تحاول إيران نشرها في الإقليم ، وتعمل على توظيفها عند الاقتضاء، في الصراع الذي تخوضه مع دول المنطقة.

الحديث عن وساطة عراقية بعد الزيارة الناجحة التي قام بها زعيم التيار الصدري في العراق مقتدى الصدر، لكل من الرياض وأبوظبي، هدفه قطع الطريق على من يحاول استرجاع العراق من خاطفيه باسم المذهبية والطائفية، وتكريس الانطباع بأن الرموز الوطنية العراقية، ما هي إلا أدوات في يد طهران تحركها كيفما تشاء وبالوقت الذي تشاء، دون اعتبار لما تحمله تلك الرموز من مشاعر وطنية وقومية تتجاوز القمقم الطائفي الذي حاولت إيران أن تحصرها فيه.

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي