فريق العمل
حجم الخط :
عدد القراءات
2328
2016/6/30 07:33:24 PM

لطالما كانت مدينة الفلوجة، ومنذ سقوط النظام السابق عام 2003، مرتعا للتنظيمات الارهابية والمتطرفين، بتنوع الاسماء والتوجهات مع تنوع الفترات الزمنية المتلاحقة عليها، لتكون بذلك اكثر مدينة خضعت لسيطرة تلك التنظيمات في التاريخ.

الامر الذي استمر حتى اعيدت المدينة اخيرا الى كنف بلادها، بعد استعادة السيطرة عليها من قبل القوات الامنية العراقية وحلفائها، مع الاعلان الرسمي الذي اطلق يوم الاحد 26 حزيران من العام الحالي، على لسان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي.

اعلان النصر الذي اطلقه العبادي بعد استعادة المدينة، يضعها تحت الضوء لكونها المدينة التي لم تخضع لسلطة خلال العقد الماضي الا لتلك التي فرضها عليها محتلوها من مجموع التنظيمات التي مرت عليها، فمنذ انطلاق العمليات العسكرية الامريكية التي قادها المارينز، وحتى الان، لم تستطع اي حملة عسكرية ان تعيد المدينة الى سيطرة مركزية، لما تحتويه من خصائص تصعب ذلك.

https://cdn0.vox-cdn.com/thumbor/U9E4j5uK-Wy4HCQuXkqsYGydP1I=/0x0:5472x3648/1280x853/cdn0.vox-cdn.com/uploads/chorus_image/image/49963119/

حيث البداية.. نهاية

استعادة المدينة من تنظيم داعش، وطرده منها، بالاضافة الى اعادتها الى سيطرة الحكومة المركزية في بغداد، وضعت حجر القبر للتنظيمات التي نشات وازدادت قوة في داخل اسوار المدينة، ومنها تنظيم داعش، فالحصن المنيع الذي كان مقرا تنطلق منه عملياته الارهابية نحو عاصمة العراق، ما عاد متاحا، مما يعني بان التنظيم بشكله الحالي قد حلت نهايته.

تنظيم داعش لم يتبقى لديه من مراكز القوة في العراق سوى مدينة الموصل، ثاني اكبر مدن العراق، وبعد استعادة الفلوجة بما تمثله من مركز قوة للتنظيم، وما برهن عن ذلك من قدرة القوات الامنية العراقية وحلفائها، فان استعادة الموصل الان هي امر مؤكد، وتبقى مسألة وقت فقط.

http://america.aljazeera.com/content/ajam/articles/2014/6/12/rise-of-the-kurds/_jcr_content/

نهاية داعش لن تتم مالم تعالج الجذور..

بينما يدنو التنظيم من نهايته المؤكدة، فاقدا كيان وجوده في العراق، فان البلاد تتقدم مع ذلك نحو التحدي الحقيقي، المتمثل في مواجهة الجذور التي تسببت بنمو داعش على اراضيه، فمن التوتر الطائفي والاحتقان المتزايد بين مكونات الشعب، الى الفساد المستشري في المؤسسات الحكومية، كل هذه بمجملها، مثلت الارض الخصبة التي نمت ورعت داعش حتى بلغ اشده، وعلى العراق ان يواجه هذه العوامل، اذا ما اراد الانتصار فعلا وبشكل نهائفي في حربه ضد التنظيم.

النصر المؤكد للعراق ضد التنظيم لا يأفل سطوع احتفاله الا حقيقة ان الحكومة العراقية، وبشكلها الحالي، لا تمتلك خطة حقيقية للبلاد في مرحلة ما بعد داعش، تضمن عدم عودة التنظيم او كيان مشابه له الى واجهة الاحداث في البلاد.

مدينة المأذن.. سعودية متطرفة

المدينة التي امست تعرف باسم "مدينة المأذن" من قبل قوات المارينز الامريكية، منذ المعركة التي خاضوها فيها  عام 2004، تعد احدى اكثر المدن تطرفا في العالم، حتى بالنسبة للمعايير العراقية، كما عبر عن ذلك دوغلاس اوليفنت، مدير مجلس الامن الدولي السابق في العراق لعامي 2008 و 2009، الذي اكد بان تلك المأذن بغالبيتها ممولة سعوديا وتخرج ارتالا من المتطرفين عبر السنوات الماضية، مما جعلها محل ولادة طبيعي لاي تنظيم متطرف يظهر في العراق، او على الاقل، حصنه المفضل.

http://www.fptoday.org/wp-content/uploads/2014/01/

كيف امست الفلوجة.. فلوجة

المدينة كانت ومنذ ايام حكم النظام السابق، حصنا ايضا، فغالبية سكانها الــ 300.000 كانوا من الضباط والعناصر الامنية ذات الاجور العالية التابعة لحكومة صدام، كما اكد ذلك تحقيق كولين فريمان المنشور في صحيفة التليغراف البريطانية.

بعد القرار الذي اتخذته الادارة الامريكية وحلفائها، القاضي بطرد كافة البعثيين وحل المؤسسات التابعة لهم من الدولة العراقية، خلال العملية التي تعرف باسم اجتثاث البعث، وجد الالاف من هؤلاء الضباط والجنود الامنيين انفسهم بلا عمل، وبمشاعر اكثر من مجرد الغضب، على القوات الامريكية وكل من ارتضى بوجود هذا القانون وتطبيقه.

التوليفة المكونة من بعثيين سابقين حاقدين على النظام العراقي الجديد، والكثير من المتطرفين الاسلاميين، حولت المدينة الى رحم لم ينجب سوى المتطرفين وتنظيماتهم، حيث اضطرت القوات الامريكية الى الهجوم على المدينة مرتين للقضاء على المتطرفين ومنابعهم فيها، لكنها فشلت، فالمدينة التي احتظنت في البداية القاعدة، ثم خليفتها داعش، استمرت كمنبع حتى استعيدت السيطرة عليها اخيرا الاسبوع الماضي.

http://ichef.bbci.co.uk/news/624/media/images/72157000/jpg/

الفلوجة مهد داعش.. ومحراب موته

على الرغم من ان تنظيم القاعدة الارهابي، والذي وجد في المدينة ملاذا امنا، قد تم القضاء عليه من قبل القوات الامنية العراقية وحلفائها الامريكيين بمساعدة العشائر السنية التي حاربت التنظيم باسم "الصحوات"، الا ان المدينة لم تنفك الا واحتظنت خليفة القاعدة بمجرد ظهوره، داعش، حيث سقطت بيد التنظيم قبل اربعة اشهر من الانطلاق العسكري الذي تحقق للتنظيم في شمال العراق.

لكن المدينة، بكل رمزيتها لداعش، قد تم اخذها منه بقوة التحرك العسكري الذي اجبر عناصر التنظيم على الهروب منها، في الوقت الذي استمرت فيه القوات العراقية بالاشتباكات القريبة مع عناصر التنظيم بينما تطهر المكان من العبوات والالغام التي امل التنظيم فيها كعائق لايقاف التقدم العراقي.

التدريب العسكري لحرب المدن الذي قدمته القوات الامريكية لنظيرتها العراقية، بالاضافة الى الاستشارة والدعم الجوي، مثلت جزءا من الكل المهم الذي جعل القوات العراقية وحلفائها ماهرة في دحر داعش، كما اكد اوليفر.

القوات الخاصة العراقية، لا تعاني من مشكلة ابدا في اخراج داعش من اللعبة في الاماكن التي يسيطر عليها، على حد تعبير مايكل نايت، من مركز واشنطن لدراسات الشرق الادنى، كل ما في الامر انها تستغرق وقتا اطول بقليل مما يحبه الاعلام الغربي، فينعكس ذلك من خلالهم كتصور سلبي عن الاداء.

حقيقة خسارة تنظيم داعش لحصنه في الفلوجة، وكل الاراضي التي يسيطر عليها ما عدا تلك في الموصل، يؤكد بان حلم التنظيم في اقامة خلافة على الارض اصبح وهما، وقدراته العسكرية هي مجرد دفعة معنوية خدمت اهداف التنظيم واصابت العراق في لحظة ضعف لا اكثر.

داعش يعاني من اسوا عام مر عليه منذ تأسيس خلافته، حيث خسر ربع الاراضي التي ما زالت تحت سيطرته في العراق وسوريا، وفقد قدرته على التجنيد من الخارج بنحو 75%، والقوات المشتركة العربية والكردية وصلت الى حدود عاصمة التنظيم في مدينة الرقة السورية.

العديد من العوامل تحكم أفول التنظيم الان وتدفعه نحو نهائيته، الهجمات الجوية عطلت قدرته على المناورة وخطوط امداده، القوات العراقية تبنت تكتيكاته وبدات تحاربه بذات طرقه مكبدة اياه خسائر فادحة، التنظيم ببساطة يواجه العديد من الاعداء المصممين على القضاء عليه من عدة جبهات.. ممثلة بالمجموع نسبا لا يمكن للتنظيم ان يصمد امامها، مصير داعش واضح الان، على الاقل في العراق.

بكل الاحوال.. لا يمكن ترك التاريخ يعيد نفسه مرة اخرى، ففي عام 2010، تنظيم القاعدة كان قد فني تقريبا من العراق، الميزانية نمت، العلاقات بين اطياف الشعب العراقي شهدت تحسن ملحوظ، والامن اصبح افضل نسبيا، حتى ظهر داعش من رماد القاعدة واعاد العراق الى المربع الاول، عن لسان زيد العلي، مؤلف كتاب الصراع لاجل مستقبل العراق.

http://cdn1.img.sputniknews.com/images/104100/87/

ما هو هدف العراق..

حسب ما يرى نايت، فان الهدف الحالي للحكومة العراقية غير طموح بالشكل الكافي او الجدي، لوضع نهاية حقيقية لتنظيم داعش، او اي كيان مشابه له او منبثق عنه قد يظهر، انما هو هدف متواضع، يصبو نحو اعادة داعش الى كونه مجموعة ارهابية فقط، وليس تهديد ارضي.

هذا الهدف لا يمثل سوى تقدم وقتي اذا ما لم يتم اعتماد مقاربة بديلة تمحي الجذور التي تسمح لهكذا تنظيمات بالظهور، فالاعمال الارهابية التي يقوم بها التنظيم، لم تكن هينة، من التفجيرات الانتحارية، والهجوم على سجن ابو غريب، الى هدم مباني الوزارات ومهاجمة مقرات الحكومات المحلية.

المنهجية التي يجب ان تتبع لضمان عدم عودة التنظيم بعد القضاء عليه، لا يمكن ان تكون عسكرية خالصة، الموقف السني من الحكومة العراقية كان احد اهم الاسباب التي منحت التنظيم الارضية المناسبة لينطلق منها، وعليه يجب ان تعمل الحكومة العراقية على ان تضم كافة المكونات، وان تعمل على انهاء شعور العزلة او التمييز الذي يصيب بعض المكونات العراقية.

الاحتقان المذهبي السياسي الخالص كان له الاثر الكبير على الشارع العراقي الذي اعادة خلق القاعدة بشكل داعش، مستشار اوباما لشؤون الشرق الاوسط عام 2012، فريد هوف، اكد في ايميل مبعوث الى الصحافة.

نايت اكد ايضا، بان على السنة القبول بالمصالحة مع حكومة ذات غالبية شيعية، لانها منتخبة ديمقراطيا، اذا ما ارادوا ان يعيدوا بناء بلادهم وانهاء المعاناة التي اصابت العراقيين جميعا مرة وللابد، ان لم تكن هنالك مصالحة حقيقية، فان داعش قد يعود بشكل اخر خلال عامين مقبلين من افوله.

الخبر الجيد في كل هذه المعطيات، ان رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي يرى اهمية المصالحة وتحييد الحكومة العراقية عن التوجهات الطائفية اكثر من سلفه المالكي، وهو امر سيؤدي الى نتيجة ايجابية في هذا الخصوص، الخبر السيء في هذا الامر، ان العبادي لا يحظى بالشعبية الكافية بين صفوف المشرعين في سلطة البلاد الرسمية، ويتلقى معارضة قوية من بعض الاطراف الفاعلة في العملية السياسية، تمنعه من التحرك باتجاه اي اصلاح او مصالحة.

الاوضاع في مجملها لا تبدوا وكانها تسير في فلك يوازي نظرة متفائلة للعراق، المالكي يسعى من جهة لاستعادة منصبه القديم باي ثمن، وبالرغم ايضا من ان اتباع مقتدى الصدر قد دعموا اصلاحات العبادي وشخصه، الا ان المتعصبين ذو الميول الايرانية في الحكومة العراقية يجعلون اي تحرك مستحيل تقريبا، في الوقت الذي تعاني فيه الحكومة العراقية من افلاس مالي.

هذه التحديات تجعل عملية الاصلاح والمصالحة معقدة جدا في مرحلة ما بعد داعش، فالنوايا الجيدة للعبادي ليست كافية لاحداث الفرق مالم تقترن بالاسباب، التي تتطلب منه ان يتجاوز المشاكل السياسية غير الطبيعية في العراق اذا ما اراد ان يخلق الاجواء المناسبة التي تمنع اعادة ظهور اي كيان ارهابي في البلاد.

تحدي صعب جدا.. الى الدرجة التي تجعل معه النصر العسكري على داعش يبدوا بسيطا بالمقارنة.

http://www.politicswatch.in/wp-content/uploads/2015/12/

المصدر: Vox

Telegraph

Foreign Policy

 

ترجمة: مروان حبيب.

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي