فريق العمل
حجم الخط :
عدد القراءات
3537
2016/7/2 12:54:23 PM

ربما تمثل الاهوار الشغل الشاغل لمن يريد الحفاظ على البيئة في العراق خصوصاً والعالم عموماً، حيث يريد العراق ادراجها ضمن قائمة المناطق المحمية عالمياً، ولكن لكل شيء مسببات، وهناك ما يدعم نظرية الابادة لهذه المنطقة من العالم .

عرب الاهوار هم أحفاد السومريين، الذين عاشوا في بلاد ما بين النهرين والأراضي الرطبة لـ 5000 سنة، اليوم يعيشون في القرى المتناثرة حول حواف الاهوار " حيث من المستحيل معرفة كم من السكان هناك نسبة لطابع المدينة.

ما بين سنة 1980-1990 دمر صدام حسين بشكل ممنهج الأهوار، والتي كانت تستخدم كملاذ لمعاديه لأعدائه، خلال وخلال هذه الفترة، هرب من الاهوار ما يقرب من 500,000 وبقي عُشر الاهوار فقط.

معظم اهالي الاهوار هم صيادون، صانعي القوارب أو المزارعين المعتمدين على الجاموس، الماء والأرز, والشكل التقليدي للنقل يكمن في الزوارق الخشبية الانيقة التي تسمى المشحوف.

تقليديا مارس العرب المحتشدين هناك بناء ما يسمى بالمضيف، منازل عظيمة مقوسة بنيت بالكامل من القصب وتكون بالعادة ملكاً لزعماء القبائل وسكان الأهوار.

منصة القصب

شكل المسنين هناك متميز عن باقي اقرانهم، اغلبهم بلا أسنان و وجوههم تبدو عليها ملامح العراقي الاصيل، طارش جاسم يقول وهو يشق طريقه من خلال متاهة مائية ضخمة"ليست لدي فكرة عن اصل ذلك، ولكن في النهاية كل رحلة نصل إلى منصة صنعت من الطين والقصب حيث تستقر قواربنا هناك".

جاسم وصديقه كاظم جبار كلاً يرتدون ما يعرف بـ"الدشداشة"، رمادية طويلة مع الكوفية المقلوبة على رؤوسهم، ويحملون قطع محزومة من القصب لاجل اشعال النار.

يرمون طبخ العديد من سمك الكارب الكبير اثناء تجوالهم، مع حملهم بعضاً من الكعك، كما نحما معنا خيار وبصل والليمون والطماطم (البندورة) على سجادة، تعمل منها سلطة عندما تكون الأسماك جاهزة للاكل، نجلس القرفصاء ونتناول الطعام بأيدينا، في حين جبار يغرد أغنية عراقية تقليدية.

ويلفريد ثيسجر، المستكشف البريطاني الذي قضى سبع سنوات في الأهوار في جنوب العراق، ويفترض ان الاهوار جنة توراتية، مدينة الطوفان العظيم، او كما سماها في 1950.

في 1964 كتب ويلفريد ثيسيجر عن  الأهوار قائلاً "هنا سكون عالم لا يعرف الحركة".لقد جئت لرؤية ما تبقى من 6000 ميل مربع من الأراضي الرطبة، بلاد ما بين النهرين، التي يغذيها نهري دجلة والفرات، حيث وضع السومريين القدماء الكتابة والزراعة في ما يسمى مهد الحضارة، أريد أن أعرف ما حدث لعرب الأهوار، أحفاد أولئك السومريين، الذين عاشوا هنا ل5000 سنة متواصلة - الصيد، ورفع جاموس من الماء وزراعة الأرز.

بقي ثيسيجر في المضيف، كبرى بيوت الاجتماعات لاهل المدينة، بيوت مقوسة بنيت بالكامل من القصب والتي تعود إلى احد زعماء القبائل في الاهوار، وسافر في قوارب خشبية انيقة تعود لذلك الشيخ، أطلق النار على الخنازير البرية والطيور البرية، وشهد زواجات عرب الأهوار وعزائهم كما شهد الرقص والغناء، والمطاردة والعداء.

بقاء الاهوار

كنا ننتظر احداث تغييرات حقيقية في حياتنا بعد صدام لكن السياسيين الجدد الذين جاءوا من بعده لم يفعلوا شيئا ,كان ثيسيجر يخشى اكتشاف النفط في جنوب العراق في 1950، والذي من شأنه أن يدمر المستنقعات عن طريق استدراج سكانها إلى مدن العراق المزدهر فجأة، لكنه كان مخطئا في ذلك، ولكن الحق التنبؤ دماراً كان يلوح في الأفق الاهوار ، الاهوار تقلصت بشكل مفاجئ بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بملك العراق فيصل الثاني عام 1958.

السياسة التي تم اتباعها بعد عقد من الزمن بثورة للبعث، وفي نهاية المطاف جلبت صدام حسين إلى السلطة، أصبحت الاهوار ملاذا لمعارضي صدام، للفارين من الجيش خلال حربه مع إيران في 1980، والآلاف من سكان العراق الشيعة الذين لجأوا الى الاهوار كملاذ آمن.

رد صدام بوحشية مميزة لتدمير الأهوار، وذلك باستخدام خطة وضعت من قبل البريطانيين في 1950، لتحويلها إلى الاستخدام الزراعي، وبنى السدود والحواجز لمنع وصول الماء إليها، اقد حفر قنوات كبيرة - نهر الازدهاروعدة قنوات لاستنزاف قوى اهل تلك المدن والخروج منها.

اعتاد الجنود والمدفعية وطائرات الهليكوبتر الحربية لتدمير القرى، حرق القصب، ووضع السم في المياه، فر معظم عرب الأهوار إلى مخيمات اللاجئين في إيران، أو إلى الأحياء الفقيرة في المدن والبلدات العراقية، أقل من عُشر الأهوار على قيد الحياة الان، والذي وصفته الأمم المتحدة باعتبارها واحدة من أكبر الكوارث البيئية في العالم.

مدن مرصعة

ثم، في عام 2003، كان صدام نفسه أطيح به في الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق، باستخدام الديناميت وبأيديهم العارية، مزق عرب الأهوار أسفل السدود والحواجز المائيةـ وتدفقت المياه إلى أكثر أراضيهم جفافا، مدن مرصعة بالملح، وبمرور الوقت غمرت المنطقة بالمياه، ونصف الاهوار الأصلية قد عادت، حيث وصفت منظمة الاقتصاد العالمي ما فعله صدام بالابادة.

للأسف، قد أثبت أن التفاؤل لا أساس له، وانتشار السدود على نهر الفرات ودجلة، جنبا إلى جنب مع لامبالاة الحكومة، ومرة أخرى أدى بالأهوار إلى تراجع نهائي على ما يبدو.

في هور الحويزه حيث يعتبر المتنزه ألاكبر، أصبح فسحة من الأراضي الرطبة وشبه الجافة، ولكن ارتفعت المياه فيه بعد هطول أمطار غزيرة وبشكل غير عادي ولكن سوف يجف معظمه خلال فصل الصيف، من جهة اخرى، خلال اسبوع من التجوال في جنوب العراق، لم نجد سوى القليل من الأهوار لا تزال جديرة بهذا الاسم - مجرد أميال وأميال من أرض قاحلة جرداء تتخللها بقايا المستنقعات الموحلة، برك نتنة وقنوات راكدة، ومعظم الاراض المالحة جدا ولا تدعم الحياة، وكمية الاهوار الصالحة للزراعة يرثى لها.

وقال مسؤول حكومي انه تم انتشال 40 في المائة من الأهوار، ولكن يبدو أن الرقم لا علاقة به بالواقع، دراسة نشرت من قبل علماء كنديون في عام 2010 وجدت في المستنقعات الرئيسية الثلاثة - الحويزة والوسطى والحمار – قد قسمت إلى 10 مستنقعات صغيرة، ومعظمها ذات مياه رديئة، والمسألة تدهورت في السنوات الست الاخيرة وبشكل كبير .

الأهوار تموت

الدكتور علي مثنى، المدير الإقليمي لجمعية خيرية تسمى جمعية الاعمار التي توفر الصحة والتعليم لعرب الاهوار النازحين، "الأهوار قد تلاشت تقريبا " كما قالت البارونة نيكلسون من ينتربورن، النظير البريطاني والنائب السابق، بعد إجراء  العديد من الزيارات إلى المنطقة في عام 1991.

وكان سفير العراق لدى الامم المتحدة وقتها قد نفى أن صدام كان يعمد الى تجفيف الأهوار، على ما تبقى من المستنقعات وجدت دلائل تذكر على الحياة البرية، والملايين من الطيور المهاجرة التي آوت مرة واحدة، وفقط عدد قليل من آثار الحزن من الطريقة القديمة من الحياة التي تستخدم من قبل السكان، قدمت الاهوار مرة 60 في المائة من اسماك العراق، على سبيل المثال، ولكن اليوم عمليا لا شيء.ويشكو اليوم صانعو القوارب من ازمة حقيقية نتيجة لهجرة اغلب سكان الاهوار وجفاف المستنقات، والشيوخ اصبخوا يبنون المشخوف للترفيه او للزوار أو عقد اجتماعات قبلية.

دعا ثيسيجر ان المضيف ذو بناء معماري استثنائي من أبسط المواد الممكنة، وشبه الباردة، والديكورات الداخلية المظلمة اقرب إلى الكاتدرائيات المسيحية ولكن بيوت القصب أصبحت نادرة بشكل مخيف.

لا يزال الشباب يعمدون الى حصد الحشيش كعلف للأبقار وجاموس الماء، تتراكم كومة عالية جدا على الزوارق، ولكن قالوا انه لم يعد يمكن لحيواناتهم شرب الماء كونها مالحة جدا.وفي هذه الايام يضطر سكان الاهوار لشراء المياه العذبة والتي تصل من 3-5$ للتر الواحد

مشكلة السدود

كان صدام بالتأكيد الشر الرئيسي، ولكنه ليس الوحيد، فبناء سدود واسعة من نهري دجلة والفرات من تركيا والعراق وسوريا منعت الاهوار من النهوض مرة ثانية.

وجدت دراسة كندية ان هذه الدول بنت ما لا يقل عن 36 سد على تلك الأنهار وروافدها، مع 21 آخرين مخطط لها أو قيد الإنشاء، وضاعفت إيران المشكلة في عام 2009 من خلال بناء سدودها ايضا، ظاهريا تقول ايران لأسباب أمنية، فقد بنت سداً ضخماً على طول حدودها مع العراق والذي يمنع أنهار أخرى من ان تغذي هور الحويزه.

"نحن نشعر بالخيانة من جانب الحكومة" كما قال سهيد مهدي ظاهر، وهو شيخ قبيلة"يجب ضبط توصيل المياه من قبل بغداد لكنها لم تفعل ذلك" كما قالت سمية أحمد نجم وهو مسؤول كبير في مركز إحياء الأهوار في وزارة الموارد المائية "، وأضافت أن المركز لم يتلق أي تمويل منذ عام 2014، وأن وزارة النفط تدعم فعلا تجفيف بعض المستنقعات لتسهيل التنقيب.

في هذه الأثناء سكان الاهوار السابقون يعيشون حياة بائسة عموما، ويعيش بالقرب من حواف المستنقعات عدد قليل تضاءل كثيرا في مستوطنات حزينة تتناثر فيها القمامة من الطين أو من طوب المنازل.

الجنة على الأرض

"كانت الحياة أفضل بكثير في الاهوار، كما قال عبد الكريم فاضل (45 عاما) الذي يعيش في مستعمرة صغيرة لمنازل من الطوب مبنية على المسطحات الطينية القاحلة خارج البصرة، والتي تناثرت مع ثلاجات الصدأ وزجاجات البلاستيك وغيرها من القمامة "كان تمثل له الطبيعة نوعا من الجنة.

"نحن نتوق إلى العودة إلى الأهوار، ولكن آخر مرة ذهبنا لها كانت مجردة كانها صحاري، او كما قال أحد الجيران، بسام عبدالامام.ومن داخل الاهوار تظهر صور احتفظ بها الاهالي استخراج الجثث من مواقع الدفن الجماعي، بكاء أقارب اكتشفوا رفات أحبائهم والتشويه والجثث المتحللة، متصدعة ومعصوبة العينين اضافة الى الجماجم، وكانت محاولة صدام حسين لإبادة عرب الأهوار بمثابة إبادة جماعية، لكنه كان مذنبا أكثر من ذلك بكثير.وانه دمر ثقافة فريدة من نوعها وثمينة والتي نجت من الدمار منذ خمسة آلاف سنة، التي كانت واحدة من عجائب الدنيا الطبيعية الكبرى في العالم.

 

 

المصدر :The Telegraph

ترجمة : عبد الرحمن الغزالي

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي