حازم الأمين
حجم الخط :
2017/11/16 11:56:24 AM

مشهد (نيجرفان بارزاني) و(قوباد طالباني) يتصدران الحياة السياسية في كردستان العراق مستفزٌ فعلاً. نحن هنا أمام وريثين، لا وريث واحد، لقضية عادلة. لكن مشهدهما يصيب قبل كل شيء عدالة القضية. الأول وريث الزعامة البارزانية والثاني وريث الزعامة الطالبانية، وزعامتا القضية، آلت إليهما في لحظة شديدة الحساسية في تاريخها. إنه استقلال كردستان الذي أصيب بالاستفتاء غير محسوب النتائج.

تنحى (مسعود البارزاني) عن رئاسة الإقليم في أعقابه، وقبله بأيام توفي (جلال الطالباني)، فما كان من (قوباد) و(نيجرفان) إلا أن تقدما برشاقة نحو الكرسيين الخاليين.

الأكراد يقولون لنا إنهم بصدد إضافة دولة أخرى إلى الإقليم. دولة تشبه الإقليم أكثر من نفسه. في الدول الأخرى وريثٌ واحد، بينما في كردستان المرجوة وريثان. الحساسية التي دفعت نحو إنجاز الاستقلال لا تنطوي على حساسية موازية حيال التوريث. الأرجح أن العثرة التي يجب على الأكراد أن يبحثوا عنها تكمن أيضاً هنا.  

في هذا يكمن البلاء الذي أصيبت فيه المنطقة منذ ولادة دولها. تبدأ الزعامة بصفتها موقعاً استقلالياً وتنتهي كرسياً يبحث عن وريث. والحال أن دولة الأكراد ستبدأ بتوريث، لا بل بتوريثين، وهذا افتراق عن سياق شقيقاتها الذي انتهت إليه.

العالم كله متواطؤ علينا وقابل، تماماً مثلما كان متواطئاً على الاستقلال. وهو من منع الأكراد من إنشاء دولتهم، وقبل ذلك لم يطالبهم بحياة سياسية طبيعية.

الرجلان الوريثان التقيا اليوم. الأول رئيس حكومة الإقليم والثاني نائبه. وصحيح أن الوراثة لم تُنجز بعد بالكامل، ذاك أن الأول ينافسه عليها ابن عمه مسرور (رئيس جهاز الأمن في أربيل)، والثاني ينافسه عليها شقيقه بافيل (رئيس جهاز الأمن في السليمانية)، إلا أن التوريث جارٍ في مساريه ولا اعتراضات جوهرية عليه.

والحال أن الاستقلال المترنح والمنتكس بسوء التقدير وبخذلان العالم، والمترافق مع مشهد الوريثين يتقدمان إلى كرسيي أربيل والسليمانية، جعل يعيد حساباته بما يتعلق بخطوة الاستفتاء المتسرعة وبعلاقته بدول الإقليم التي أصيبت بالهلع جراء إقدام الأكراد عليه، إلا أنه لم يقترب خطوة من موضوع التوريث بصفته أحد عوامل الاستعصاء الكردي. ففكرة أن الأكراد يريدون دولةً حتى لو كانت نسخة عن جيرانها من الدول الفاشلة والمستبدة هي الفكرة السائدة، وهي تسبق أيّ تساؤل عن هوية تلك الدولة العتيدة. وبهذا المعنى لم يُرصد صوت مختلف لنخب كردية تطرح تساؤلات عما رافق محاولة الاستقلال. ففي هذه اللحظة يحضر النقاء بصفته وجهة التجربة. "نحن نريد الاستقلال"، إنها القيمة المطلقة التي لا تقبل التحفظ، ولا تتحمل المساءلة.  

ثمة صمت مضروب حول الكثير من العقبات الكردية التي لم تساعد على إنجاز الاستقلال. فنحن أمام وريثين، لا وريث واحد، وأمام سلطتين، الأولى غامرت" بإجراء الاستفتاء، والثانية "خذلته. وما أن انكشف المشهد عن الفشل حتى التأم في اجتماع للحكومة حضره نيجرفان وقوباد. وسؤال الفشل بقي خارجياً. مؤامرة عالمية وإقليمية حالت دون ترجمة النتائج استقلالاً. عودة إلى اللغة البعثية عينها، تلك التي علقت المجتمعات في حروب تحرير واهية، وما أن شاخ القادة العظام الذين وصلوا عبر "أحزابهم التقدمية"، حتى شرعوا بالتوريث.

اليوم وبعد الانتكاسة الكردية، هل يكفي القول أن الاستقلال حق طبيعي لهذه الجماعة لرفع الصوت تأييداً لطموحاتهم؟ يجب على المرء أن يجري مراجعة هنا، فقد اندفعنا وراء تحديد حكومة الإقليم موعداً للاستفتاء. ليس مهماً أنهم فشلوا في ترجمة نتائجه استقلالاً، الأهم تلك الصورة التي صفعت وجوهنا للوريثين، ذاك أنها كانت الجواب المخيب على اندراجنا في حملة الدفاع عن حق الأكراد في الاستقلال. فماذا لو أرفقنا انحيازنا للدولة الكردية بإعلان خيبتنا من الصورة التي أعقبت فشله؟ ماذا لو قلنا للأكراد سنكون وراءكم في دولة لا تشبه دولنا، فهذه التي تسعون إليها تشبهنا أكثر مما نشبه أنفسنا.

من الصعب تجاوز الصورة، فهي جعلت تغذي خيالنا بصور للزعيمين الجديدين. العلاقة بين والد (قوباد) وعم (نيجرفان) تنطوي على قدر هائل من المفارقات. حروب ضارية بينهما، ثم توزيع للأدوار والمهام. الأول رئيس العراق، والثاني رئيس الإقليم، وما بينهما يوازي ما بين بغداد وأربيل من مساحات للحرب وللحب وللموت. علينا اذاً أن ننتظر سنوات حتى ينشىء الوريثان لنا ذاكرتهما الخاصة لكي ننبش ونبحث عن حكاياتنا. هذه أقدار مجتمعات التوريث التي اختار الأكراد أن تكون دولتهم امتداداً لها.

لا بأٍس اذاً، فعالمنا مزدحم بورثة خرجوا من وجوه آبائهم، إلا أنهم لا يجيدون لغتهم ولا يعرفون شيئاً عنا.

علينا أن نبدأ معهم من جديد، وأن نكيف حكاياتنا مع أمزجتهم. جلال طالباني كان سبق أن صنع للأكراد مزاجاً، من أحبه صار من السليمانية، ومن لم يستسغه بقي في أربيل مندرجاً في المزاج البارزاني.

اليوم من الصعب على الكردي أن يتوقع من الوريثان أثراً لهذا الشقاق. عليه أن ينتظر ويراقب، وأن ينشق عن نفسه وفقاً لما يعرضه (قوباد) و(نيجرفان)، وأن يشغل نفسه بهذه الملهاة، بانتظار المأٍساة.   

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي