فريق العمل
حجم الخط :
عدد القراءات
1856
2016/7/13 07:26:42 PM

بمرور البلاد خلال احد اكثر العقود ظلامية في تاريخه الحديث، يقع اللوم بغالبه على العالم الذي ترك العراق يتعرض لكل هذا دون اي حماية، التقرير الذي صدر مؤخرا عن لجنة تشيلوت وادانت رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، هي البداية فقط لكشف ذنب العالم تجاه العراق.

التحقيق الذي قادته اللجنة في عام 2009، يعد من قبل الكثيرين التحقيق الاشمل والاكبر فيما يخص العراق وغزوه، تمخض عنه التقرير النهائي، الذي حكم على بلير باللعنة الابدية.

التقرير في ابسط صوره، هو مشابه لذلك الذي قامت به الولايات المتحدة والمعروف باسم "تقرير دولفير"، ولجان التحقيق في الاداء الاستخباراتي قبيل الحرب، كل هذه ادت في النهاية الى حقيقة بسيطة تم الاجماع عليها من النتائج، وهي ان بوش وبلير كذبا.. والناس قد دفعوا الثمن بالموت.

الشعب العراقي بغالبيته، رحب بدخول القوات الحليفة التي انقذته من بطش النظام العراقي السابق، لكن بكل حال، التبعات التي لحقت ذلك بقرارات غير مدروسة، ادت الى رمي البلاد في وادي من الفساد وسوء الادارة، ببساطة، فان اولى الامثلة على عدم كفائة الولايات المتحدة وتحملها للمسؤولية الكبرى فيما حصل للعراق، هو اتخاذها قرارا غير موفق في تكليف 30 الف جندي عراقي غير مؤهل، بحماية حدوده الواسعة، بعد حل الجيش السابق دون توفير بديل.

https://teachwar.files.wordpress.com/2013/06/

العراقيون على حد ما يعنيهم، لا يعيرون الجدل حول وجود اسلحة دمار شامل من عدمها اهمية، وهذا ما قد يفاجا الساسة والمحللين الامريكيين الجاهلين لهذه الحقيقة، فالعراقيون معنيون بان ازالة صدام كانت فعلا صحيح اخلاقيا وسياسيا، وان ما تبع ذلك هو سلبيات خلقتها سياسة الادارة الامريكية وقراراتها، سواء كان ذلك عمدا ام غيره.

دفع العديد من المختصين والعامة بالقاء اللوم على بوش وحده، هو محاولة لتبرئة ساحة اخرين من الاشتراك في الاحداث التي قادت العراق الى ما هو عليه اليوم، وما مر به من معاناة خلال ذلك، فرئيس النظام السابق صدام حسين، كان يحظى بدعم دولي حتى حين قام بعمليات ابادة جماعية ضد شعبه، كم من قادة العالم في تلك الفترة كان يدعم صدام لاسباب سياسية حتى مع علمه المسبق بانه دكتاتور.

هذا بالطبع دون ان يذكر الدعم العربي الذي حظي به، الروسي والفرنسي ايضا، والذي استمر حتى بعد غزوه للكويت، بعض هذه الدول حاولت اعادته الى الساحة الدولية بعد الحصار والى ان انهار نظامه على يد التحالف، من تلك كانت فرنسا والصين وروسيا، والتي عقدت اتفاقيات تجارية مع نظامه بالرغم من منع المجتمع الدولي لذلك.

http://photo.sf.co.ua/g/141/

التلاعب السياسي

ما يدور في وسائل الاعلام حاليا عقب نشر تقرير لجنة تشيلوت، يظهر صدام على انه اعمدة من اسس الاستقرار في منطقة الشرق الاوسط وقد ازالتها امريكا، كما صرح بذلك مؤخرا المرشح الامريكي للرئاسة دونالد ترامب، خطورة الامر تتمثل في نسيان هؤلاء بان هذا الشخص الذي يقدم على انه مثال في فرض الاستقرار، هو نفسه من استخدم اسلحة دمار شامل ضد شعبه، وجهز اخرى ليطلقها على طهران قبل ان تسبقه الى ذلك اتفاقية نهاية الحرب.

الرجل الذي شن حربا على الكويت وتسبب في اكبر كارثة بيئية في التاريخ بعد ان قام بضخ 4 ملايين برميل من النفط في مياه الخليج، وقام باكبر مجازر الابادة الجماعية ضد شعبه في تاريخ الشرق الاوسط، كل هذه المعطيات تغيب عن الجدل الحاصل اليوم والذي يحاول اعادة تشكيل صورة صدام بالشكل الذي يراه خلاله العرب، لا الحقيقة التي يعرفها عنه العراقيون.

http://noorimages.com/wp-content/uploads/2013/03/

الولايات المتحدة، والمجتمع الاوربي وروسيا ايضا، لم تتوانى عن دعم اسوا دكتاتوريات العرب حتى عبر الثورات التي نبعت من الشعب العراقي ضده، والتي شملت محافظات عديدة من النجف والناصرية وحتى الرمادي والبصرة وصولا الى عام 1999، فكان الدعم تارة والتغاضي تارة اخرى، هو الشريان الذي امد بعمر النظام السابق وادى في النهاية الى دفع العراق نحو شفير الهاوية.

كل هذا لا يبرا بوش وبلير من ذنب الجريمة التي ارتكبوها بحق العراق بعد سقوط النظام السابق، وتحمل اللوم عن كل ما حصل خلال العقد الماضي من خلال القرارات غير الصائبة التي اتخذوها بشان العراق، ففي الوقت الذي سعت خلاله الولايات المتحدة الى بناء حكومة محاصصة طائفية من مطالبين بدولة ثيروقراطية محيدين جبرا، يحلمون بامتلاك منصب اداري في مؤسسة صغيرة، كانت بريطانيا تامل بان تنظم وتعيد بناء مدينة البصرة المدمرة بسبب صدام وايام الحصار، عبر 10.000 عسكري فقط، في الوقت الذي كان يبلغ عديد سكانها فيه المليونين نسمة.

العراق ما زال الى اليوم يدفع الثمن عن تلك الاخطاء، من الحدود التي تركت مفتوحة خلال تلك الحقبة امام كل مخترق، وحتى نهوض الميليشيات المسلحة وتدمير القطاع الاقتصادي العام بشكل شبه تام.

ابسط تلك الذنوب التي ارتكبتها الولايات المتحدة بحق العراق بغض النظر عن قراراتها بشانه، كانت استخدامها لعتاد اليورانيوم المنضب، والذي لم تفكر حينها بان تاثيراته ستدوم حتى عام 2003، حيث عانى العراقيون من ولادات مشوهة حتى الى امد قريب.

بكل حال، كل من ارتكب جرما بحق العراق يجب ان يحاسب، القادة ومن تبعهم من ذو السلطة عبر العالم وكل الدول، لكن.. هل يعني هذا ان العدالة ستتحقق، بالاخذ بنظر الاعتبار ما اثمر عنه تقرير لجنة فولكر، الذي اثبت وجود فساد كبير شاب صفقة النفط مقابل الغذاء والدواء الذي ابرمته الامم المتحدة مع العراق، والذي طال ابن كوفي عنان الامين العام للامم المتحدة حينها شخصيا، ولم يسفر ذلك عن اي محاسبات قضائية للمسؤولين الرسميين، رغم ان الشركات قد تم تغريمها.

http://www.shababek.de/1_news_01/

استمرار ذات النمط

دول اوربا والولايات المتحدة، تستعد خلال هذا العام لاقامة اول مؤتمر لحشد التمويل المالي بغية اعادة بناء واعمار المناطق المحررة من تنظيم داعش، بعد عقود من القرارات الخاطئة ماليا وسياسيا، والتي اذا ما استمرت على ذات النمط السائرة عليه حاليا، فان الامر لن يطول قبل ان تظهر ازمة اخرى تعصف بالعراق، كداعش جديد.

http://www.bbc.co.uk/news/special/world/11/us_in_iraq/img/

اذا ما ارادة هذه الدول ان تساعد العراق فعلا، فان الخيار الامثل سيكون ارسال المتخصصين لاعادة بناء مجتمعه وقدراته البشرية اذا ما اراد ان يتجنب ازمة داعشية اخرى، ويتباين ذلك من تطهير اراضيه من بقايا اليورانيوم المنضب، الى اقامة مؤسسات مختصة بالتدريب الاجتماعي، بالاخذ بنظر الاعتبار ان ما صرف على الحرب ضد التنظيم قد وصل الى سبعة مليار دولار، وسبعة اضعاف ذلك المبالغ انفقت على التخفيف من الازمات الانسانية، فان مشكلة التمويل لبناء مجتمع ودولة قوية لن تكون بمشكلة، اذا ما توفرت الرغبة.

في النهاية، فان اعادة العراق الى مراكز دول العالم المتقدمة على صعيد اممي، بعد عقود من الدكتاتورية متبوعة بسنوات لا تبدوا لها نهاية من الحروب الداخلية، هو امر صعب بسبب وقوعه تحت طوائل عديدة لقضايا دولية، لكنه ليس بالمستحيل، اذا ما اخذت دول العالم على عاتقها، التكفير عن الجرائم التي ارتكبتها او تسببت بها للعراق عبر العقود الماضية، من دعم نظام صدام، وحتى القرارات التي تبعت عام 2003.



المصدر: The National Interest  تحليل

ترجمة: مروان حبيب.

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي