ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
389
2017/12/19 04:41:59 PM

لا جدال في أن تحالفًا فوق العادة بين إيران وتركيا موجهًا ضد تل أبيب في سياق مناسبة بحجم إعلان القدس عاصمة لاسرائيل، حدث كبير، لكن ظهرت مخرجاته ضئيلة لأن كليهما "تركيا وإيران" يدركان ما هي حدود المسموح به دولًيًا.

ولأن طبيعة تدخلات الدولتين في المنطقة بمثابة الحاجز المادي والنفسي، بعدما اكتشف العرب أن كلًا من طهران وأنقرة لم تكونا صادقتين في توظيف قضايا إسلامية تمس الوجدان العربي وفي مقدمتها قضية فلسطين والقدس.

واقع الحال أن إسرائيل استفادت من جهة عدم نشوء تكتلات إقليمية من شأنها إحداث خلل في موازين القوى، بالنظر إلى أن دور تركيا في ملفات المنطقة بات في موقع التنافس الميداني مع إيران عبر وكلاء، علاوة على أن التدخل التركي قد أضعف قوى عربية وازنة في الصراع العربي الإسرائيلي.

أكمل البلدان الشكل الطائفي الذي أرادته إسرائيل في الواقع العربي ليأخذ الصراع شكله الديني ولترفض تل أبيب استنادًا لذلك شعار منظمة التحرير القديم ومطالب العرب لاحقًا بإنشاء دولتين يتعايش فيهما المسلم والمسيحي واليهودي، بديلًا عن مشروع دولة اليهود وحدهم لتكون القدس لهم وحدهم.

منح أردوغان إسرائيل فرصة عمرها عبر شحن المنطقة بالمتطرفين الإسلاميين المسلحين من كل مكان في العالم، لتتمكن من صبغ الصراع الصبغة الدينية بزعم كونها مهددة من الإسلام المتطرف ومن جيران "همجيين" يريدون تدميرها على خلفية أيديولوجية، ما يمكنها عمليًا من الترويج لفكرة يهودية الدولة.

الخطة المعلنة التي وضعتها إسرائيل منذ البداية وتعمل من خلالها تلك التنظيمات هي العمل على زيادة التوترات والتناقضات الطائفية وتقويض النظام العربي بتوظيف التناقضات الدينية.

ذكر في العديد من الدراسات والمؤلفات الغربية أن تنظيمات الإسلام السياسي سوف تنهض بالدور الرئيسي لتحقيق الهدف، ليضعف الموقف العربي، وتتراجع قدرات النظام العربي في انتزاع حقوق يؤمن بها ويناضل من أجلها.

أردوغان وفر لإسرائيل بتنظيماته المؤدلجة بالداخل العربي من سوريا إلى مصر وليبيا ما تحتاجه في سياق الصراع الحضاري؛ بأن تسبب في وصف الدول العربية كونها بؤر إرهاب وتخلف وتطرف.

كانت دول عربية ومنظمات مثل منظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة دول عدم الانحياز ومنظمة التحرير الفلسطينية قد أحرزت على مدى عقود نجاحات في سياق حشد دول وشعوب العالم لنصرة القضية الفلسطينية.

صار العالم اليوم يرى في ضرب المدن العربية أمرًا مشروعًا، وبسبب ممارسات تلك الجماعات التي يؤويها ويدعمها الرئيس التركي، اختفت مشاعر التضامن والتعاطف مع القضية الإسلامية الأم.

وأصبح ينظر من قبل البعض لممارسات السلطة الإسرائيلية كونها عملًا وتدخلًا مشروعًا ضد إرهابيين يعيشون خارج الزمن وخارج الحضارة.

الحرب التي خاضتها الجماعات التي رعاها ومولها الرئيس التركي بالداخل العربي أحدثت اختلالًا في موازين القوى لصالح إسرائيل، وأضعفت الجيوش العربية التي كانت إمكانية توحدها هي الرادع الوحيد لإسرائيل.

وأدى دعم ميليشيات مذهبية وجماعات إرهابية مسلحة إلى استنزاف قدرات كل القوى على الساحة، وهو ما ولد شعورًا لدى إسرائيل للمرة الأولى في تاريخها بأنها صارت في مأمن من خطورة الطوق السني والعربي معًا.

هدفت إسرائيل لتغيير قناعة كونها المصدر الرئيسي المهدد للأمن القومي العربي، وساعدها أردوغان في خلق تهديدات ربما لا تقل خطورة عن إسرائيل.

وظهر ذلك أكثر وضوحًا من نتائج المأساة السورية التي استنزفت قوى العرب البشرية والحضارية والمادية والإستراتيجية والعسكرية بإسهام رئيسي من أردوغان.

مع إطلاق مئات التنظيمات الظلامية المتوحشة لتنهش في الجسد العربي، شعر العرب أن الصراع في المقام الأول ليس في مواجهة المحتل الإسرائيلي، إنما في مواجهة غازي عثماني يجر خلفه جماعات من العصور الوسطى بأسلحة حديثة.

 

ممارسات تلك التنظيمات المتحالفة مع أردوغان فجرت الداخل العربي بالصراعات المذهبية والطائفية وفككت جيوشًا ومزقت المجتمعات العربية خاصة دول الطوق، وهو ما لم تستطع إسرائيل القيام به منفردة على مدى سنوات طويلة.

توظيف تلك التنظيمات الإرهابية المسلحة في صراعات ضد الدول العربية، وتوجيه ضرباتها للجيوش العربية وليس للجيش الإسرائيلي، أوصل الوضع العربي إلى ما هو عليه، الأمر الذي أتاح لدونالد ترامب القيام بخطوته الأخيرة باعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل.

وعزز المنظور السلبي العربي تجاه تركيا تجاوبها السريع في التعاطي مع إسرائيل سواء من حيث الاعتراف بها، واعتراف أردوغان نفسه بالقدس عاصمة لها في مناسبات عدة.

أو لجهة توطيد العلاقات معها بالتعامل الاقتصادي والتجاري والتعاون العلمي والاستخباري والتدريبات والمناورات العسكرية المشتركة.

عندما يتماهى خطاب أردوغان مؤخرًا مع خطاب الجهاديين في سياق تديين الصراع وتصويره كصراع عقائدي بين مسلمين ويهود، مرددًا روايات حروب آخر الزمان الإسلامية بشأن "اليهود الذين سيختبئون وراء الشجر"، فهو ما تريده إسرائيل وتوظفه لصالحها.

هي التي سعت منذ البداية لإثبات نظريتها ومؤداها عدم إمكانية تعايش مجموعات تنتمي لعدة قوميات وطوائف ضمن ديمقراطية واحدة.

نلمس من ردود نتنياهو على أردوغان مسه هذا الوتر المؤلم، فتركيا فعليًا تغادر كونها واحة للعلمانية والديمقراطية متجهة نحو نموذج دولة دينية تقهر فيها الحريات، والمعنى أن ما تفعله إسرائيل ليس مختلفًا كثيرًا عما يفعله أردوغان في تركيا.

هل يريد أردوغان حقًا التصدي لإرهاب دولة إسرائيل بحسب وصفه؟ كيف سيباشر ذلك وهو يوفر الرعاية والمأوى لإرهابيين إسلاميين يخوضون صراعًا صفريًا ضد مصر ودول عربية أخرى؟

أوهم أردوغان خلال السنوات الأولى للحرب السورية تنظيمات القاعدة والإخوان وحاول ذلك مع داعش كونه المستحق للزعامة الإسلامية، وحشد جميع الفصائل الإسلامية وراءه بزعم قتال الروس ولمواجهة الكفار الملحدين، بحسب أدبيات ومقتضيات تلك المرحلة.

الآن على خلفية الخلافات مع الولايات المتحدة بشأن ملفات تسليم غولين وملف الأكراد والتسويات في سوريا، يظن أن في مقدوره إيهام الأنظمة والشعوب العربية بأنه يتزعم النضال المقدس في هذه المرة ضد واشنطن.

نجم الدين أربكان كان قد وصف رفاقه المتمرددين عليه في حزب الرفاه وعلى رأسهم رجب أردوغان بأنهم انتهازيون ومتعاونون مع السياسة الأميركية، والحقيقة التي رسخت أنهم انتهازيون في جميع الاتجاهات مع أميركا وضدها وضد روسيا ومعها.

لذلك ليس مفاجئًا في القمة التي قال عنها أردوغان "سنحرك كل العالم الإسلامي" ألا تمثل سبعة وثلاثون دولة من أصل سبعة وخمسين نفسها برئيس أو رئيس حكومة، ليظهر الشرخ في العالمين العربي والإسلامي كأوضح ما يكون، ولتصبح مظهرًا آخر من مظاهر تفوق إسرائيل.

يحاول أردوغان استغلال قضية اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل لتغييب الأدوار العربية في القضايا الكبرى التي تهم المسلمين والعرب، ضمن إطار خطته الهادفة لإنهاء دور الجامعة العربية والاعتماد كليًا على كيان إسلامي جامع تحت زعامة تركيا الجديدة.

وهو تحرك لا يخرج عن نمط إستراتيجيته القديمة، حيث يعتبر القضية الفلسطينية وسيلة ضغط تستخدمها أنقرة في علاقاتها مع إسرائيل التي تحاول رسم أيديولوجية عثمانية جديدة في المنطقة.

نستطيع تلخيص أسباب فشال القمة الأخيرة في انتهازية أردوغان وتوظيفه للملف لمصالح أخرى، ولعدم واقعية ما يسعى لحشده من تحالفات، أطرافها على الأرض تمثل خطرًا على الأخرى وعلى مستقبل وجودها.

ولقناعة راسخة حاليًا في الفضاء العربي وربما الإسلامي كله، كون ممارسات ومواقف أردوغان وجماعاته من تيار الإسلام السياسي هي ما منحت إسرائيل الأفضلية.

علاوة على استشعار مخاطر استتباع قضية فلسطين وملفاتها ذات الحساسية الإسلامية العالية لملفات إقليمية قابلة في بعض المراحل للمساومة والابتزاز ومن ثم المقايضة وتقديم تنازلات بشأنها.


المصدر: ميدل ايست اون لاين

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي