ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
515
2018/3/12 06:32:09 PM

عبر التاريخ، اعتمدت حركات كثيرة في بداياتها على معتقدات غيبية، إما لإضفاء المشروعية على حركتها ودعوتها، أو لاستقطاب الأنصار والأتباع، أو لسحب البساط من تحت أرجل المخالفين، أو لبث الرعب في صفوف الخصوم والأعداء.

فدولة العباسيين في بداياتها أقامت دعوتها على أحاديث الرايات السود، والدولة الموحدية أقامها زعيمها ابن تومرت على أحاديث المهدي. لكن بعد أن تمكنت تلك الدول، وبسطت سيطرتها ونفوذها، تخلت تلك الحركات عن الدعوات والأحاديث المذكورة، ولاحقاً، زالت دولها ليعلم الناس أنها ليست المعنية بتلك الأحاديث والمعتقدات.

العودة إلى الغيب

تنظيم داعش استخدم في بداياته أيضاً هذا النوع من الخطابات، فادّعى أن بعض الأحاديث تنطبق عليه وأنه هو مَن سيحقق بعض النبوءات مثل عودة الخلافة على منهاج النبوة، وأطلق من ذلك شعارات بغرض التأثير على الناس واستقطابهم.

ولم يكن اسم مجلته "دابق" التي أطلق عددها الأول، في يوليو 2014، مركز الحياة للإعلام، الذراع الإعلامي للتنظيم المعني بالدعاية في الغرب، ولا اسم وكالة "أعماق" الإخبارية، التي انطلقت في أغسطس 2014، لتقوم بمهمة وكالة الأنباء الرسمية للتنظيم، عبثيان. فقد انطلق التنظيم في تسمية أذرعه الإعلامية، من حديث نبوي جاء فيه: "لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابِقَ، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ...".

وبقي التنظيم يروّج لمعركة دابق، ويقنع أتباعه أنه هو مَن سيخوضها، وأن جنوده هم المقصودون في ذلك الحديث، إلى أن أخرجته منها بسهولة عملية "درع الفرات" التي شنتها تركيا داخل الأراضي السورية.

ويقول الباحث المغربي في الجماعات الجهادية الأستاذ عبد الغني مزوز لرصيف22: "لطالما اعتبرت بعض الجماعات الجهادية أحاديث الفتن والملاحم مصدراً من مصادر شرعيتها ودليلاً على وجاهة أطروحاتها، فجهيمان العتيبي الذي اعتصم وجماعته في الحرم المكي في بداية الثمانينيات من القرن الماضي قدّم نفسه باعتباره المهدي المنتظر، كما احتفت القاعدة بأحاديث ‘الرايات السود التي تأتي من خراسان’، وشكل أبو الحسن المحضار في اليمن جماعة ‘جيش عدن أبين’ مستلهماً الاسم من الأحاديث التي تتحدث عن خروج ‘جيش من عدن أبين ينصر الله ورسوله’".

ويضيف أن تنظيم داعش "أمعن في توظيف أحاديث الفتن والملاحم في خطابه الجهادي فنجد أنه استمات من أجل السيطرة على منطقة دابق في سوريا لارتباطها بأحاديث الفتن والملاحم، وتأكيداً على جدارته بالخلافة التي سيقاتل جيشها جيش الروم هناك".

وبعد توسّع رقعة الأراضي التي سيطر عليها التنظيم في كل من العراق وسوريا، خفت هذا الخطاب وحلّ مكانه خطاب تمكين "الدولة". إلا أنه مع توالي الضربات التي تعرّض لها وهزائمه المتتابعة وانكماشه مؤخراً، عاد التنظيم ليروّج مجدداً للمعتقدات الغيبية منطلقاً من أحاديث الفتن والملاحم وأحاديث ظهور المهدي.

فقد لجأت مجلة النبأ الناطقة باسمه، منذ 23 نوفمبر 2017 وحتى 23 فبراير 2018، إلى نشر سلسلة حلقات عن أحاديث الفتن وظهور المهدي، لرفع معنويات جنود التنظيم وتثبيتهم.

أحاديث الفتن والملاحم

في 23 نوفمبر 2017، تحدثت مجلة النبأ (العدد 107) عن بعض ضوابط التعامل مع أحديث الفتن والملاحم، وضرورة الإيمان بالغيب الذي لا يكتمل إيمان المرء إلا به، وتصديق النصوص الواردة في ذلك على ظاهرها، والإيمان بها حتى وإن لم تكن قطعية أو متواترة، أو على الأقل عدم ردها وتكذيبها، والابتعاد عن التفسيرات والتأويلات الفاسدة.

ومما جاء في الحلقة الأولى من السلسلة المذكورة: "لا شك أن من أصول أهل الإيمان أن يؤمنوا بكل ما جاءنا من النبي، عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك ما ورد في الكتاب والسنة، من أحاديث الفتن والملاحم".

داعش يعمل على إيهام أتباعه بأن المرحلة القادمة هي مرحلة خلافة المهدي، وأن ما لم يحققوه بقيادة أبي بكر البغدادي، سيحققونه قطعاً بقيادة المهدي

وتحدثت المجلة نفسها في العدد 109 الصادر في السابع من ديسمبر، عن علامات الساعة ومما جاء في الحلقة الثالثة من السلسلة: "أحاديث الفتن والملاحم، تندرج في إطار العلم بالساعة، لما توضحه من علامات على قرب موعدها، ومن العلم بدلائل النبوة، لما فيها من أدلة واضحة على صدقه عليه الصلاة والسلام، في ما يبلغه عن ربه تعالى، بل وجعلها بعض علماء السلف باباً من أبواب الاعتقاد التي يعلّمونها للمسلمين... بل ليس من المستبعد اعتبار الفتن والملاحم علماً مستقلاً بذاته".

وجاء في العدد 110 الصادر في 14 ديسمبر 2017 أن الاستعداد لقيام الساعة من أولى أولويات المؤمن، ولهذا كان الأنبياء ينذرون أقوامهم بقيام الساعة، ونقرأ في الحلقة الرابعة من السلسلة: "أما من حيث ارتباط هذه الأخبار بقيام الساعة، فإن السؤال عن موعدها من أكبر الأسئلة التي تشغل أذهان الناس، ويسعون جهدهم لتحصيل الإجابات عن ذلك من أنبيائهم".

يعلّق الباحث الأردني في الجماعات الجهادية مروان شحادة على استعمال داعش لأحاديث الفتن والملاحم بالقول لرصيف22: "يستخدم التنظيم أحاديث الفتن والملاحم، رغم أن بعضها ضعيف السند، لكي يجذب عاطفة الشباب وأتباعه على اعتبار أنه الجماعة الوحيدة التي تمثل الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، وهذا الاستخدام ليس جديداً، بل هو حاضر لدى شريحة واسعة منهم، على مستوى الأفراد والقيادات والشرعيين، وربما ساهمت هذه الأحاديث فضلاً عن مفهوم الخلافة في عملية الاستقطاب والتجنيد لكثير من الشباب سابقاً، وما زال يستخدمه كأحد أهم تلك الروافد في التجنيد".

خصصت المجلة الحلقة السادسة (العدد 114، 11 يناير 2018) لخروج المهدي، وقالت إن عقيدة خروجه من عقائد أهل السنّة وأضافت: "أما مَن زعم أن أحاديث المهدي هي من وضع الرافضة، أو أنها من أحاديثهم، فهذا مردود عليه، بأن هذه الأخبار منثورة في كتب السنة ودواوينها".

وأضافت: "رغم أن البخاري ومسلم لم يخرجا أياً من الأحاديث التي تنص على اسم المهدي في صحيحيهما، فهذا لا يعني بحال تضعيف أو تكذيب هذه الأحاديث كما قال بعض مَن ضلّ في هذا الباب".

وحثت الحلقة السابعة (العدد 117، الأول من فبراير 2018) على ضرورة الحديث عن المهدي لرفع الالتباس حوله، ومما جاء فيها: "مَن يراجع مواقف أئمة السنة من هذه القضية يجد أنها لم تأخذ حيّزاً كبيراً من كلامهم، ويلحظ فقراً في التصنيف في هذا الباب... الناس يتمنون خروج المهدي ليرفع الله به هذا الظلم، بل يترقبون ذلك، اعتماداً على التلازم بين فشو الظلم، وإخراج الله تعالى له... سيكون حكمه موافقاً لمنهاج النبوة... ويؤتي دولته من الغنى ما لم ير مثله... القوم الذين يكونون معه... يقاتلون وهم ظاهرون... فإن أظهر الله عبده المهدي، حين مشيئته سبحانه، فإنهم يبايعونه ويطيعونه... وينصرونه في دعوته للخير... ويقاتلون معه أهل الشرك... فما هو إلا إمام من أئمة المسلمين".

وأتت الحلقة الثامنة (العدد 120، 23 فبراير 2018) لتعرض بإسهاب أمثلة لادعاءات المهدوية في أزمنة وأمكنة مختلفة، واصفة إياها بالادعاءات الباطلة والدعوات البدعية.

لم تذكر المجلة أن الحلقة الثامنة هي الأخيرة، ومن خلال سياق السلسلة يبدو أن الحلقات ستستمر، لخدمة الفكرة والرسالة التي يريدها التنظيم.

من البغدادي إلى المهدي

باستعماله هذه الورقة وهو يحتضر، يريد تنظيم داعش إيهام أتباعه وجنوده وأنصاره بأن المرحلة القادمة هي مرحلة خلافة المهدي، وأن ما لم يحققوه بقيادة أبي بكر البغدادي، سيحققونه قطعاً بقيادة المهدي.

ويقول الصحافي المغربي المهتم بالجماعات الإسلامية عبد الفتاح الحيداوي لرصيف22 إن "المهدي لا يظهر إلا مع غياب الخليفة، وهذا ما يحاول داعش قوله. وظهور المهدي يعني أن هناك معركة عظيمة ستقع، وهي وشيكة القرب، وبهذا يحاولون استجماع قوتهم المشتتة الآن، من أجل الملحمة الكبرى. ويصوّرون المشهد لأتباعهم على أساس أن الروم اجتمعت لمحاربة المسلمين، وذلك حتى يبقى المخيال الجهادي مرتبطاً بالماضي، ومرتبطاً بفكرة أن الشهادة في هذه المعركة الأخيرة لا تعادلها شهادة".

بدوره، يقول الشيخ المغربي حسن الكتاني، وهو رئيس الرابطة العالمية للاحتساب وعضو رابطة علماء المغرب العربي، ومعتقل سابق في ما يعرف بالسلفية الجهادية، لرصيف22: "الظاهر أنهم فقدوا جميع الأوراق وجميع المبررات، واستنفذوا جميع النصوص، فهم يحاولون الآن، تثبيت أتباعهم بعد هزائمهم المتتالية".

ويُرجع الباحث عبد الغني مزوز تركيز التنظيم مؤخراً على أحاديث المهدي إلى حاجته لمواساة أتباعه وإرجاع ثقتهم بالخليفة البغدادي، ولتبرير حالة الضعف والانهيار التي عصفت بوجوده في مختلف الأقطار.

ويذكّر بأن التنظيم في عز سيطرته وتمكنه كان يروّج لأحاديث "فتح روما" و"ضرب الجزية" و "عودة السبي" تناغماً مع حال القوة والنفوذ التي كان يعيشها، بينما اليوم نجده يحتفي بأحاديث المهدي التي توافق ما يكابده من الضعف والأفول.

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي