ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
1404
2018/3/26 03:39:55 PM

ينتقل الكُتُبيّ عبد السلام عبد الكريم بهدوء بين رفوف المكتبة القادرية، واغطية القماش الحريري ينزلق من قاعات العرض الزجاجية كاشفاً بعض أجمل عناوين الكتب القديمة. 

 

العديد من هذه النسخ عبارة عن نسخ القرآن الكريم، فمنها مخطوطٌ بخط اليد، ويبلغ طول صفحاتها متر واحد، أهداها الى المكتبة أمير هندي من تاج محل قبل مئات السنين. 

 

يقول عبد الكريم “هنا لدينا كل شيء مميز ونادر”. وكشف عبد الكريم خلال حديثه الطويل آية قرآنية منقوشة بشكل متشابك ومتداخل مع زهورٍ ملونة ومزخرفة بأوراق ذهبية. هذه التحفة النادرة، هدية من والدة سلطان تركي يدعى عبد العزيز. 

وفي نهاية كل آية، زهرة او نجمة سداسية النهايات، والعديد من الصور المختلفة. ويوضح عبد الكريم، ان العديد من خبراء الخط والرموز والعلامات يأتون لدراسة هذه الكتب من ناحية الخط، مبيناً ان هذه الصور غامضة للغاية ولا احد يفهم تماماً اهميتها. 

 

تقع المكتبة في احدى اركان مجمع المساجد الواسع الجميل الذي يضم ضريح الشيخ عبد القادر الكيلاني، وهو عالم فارسي من القرن الحادي عشر عاشر معظم حياته في بغداد وأسس الجامعة القادرية الصوفية.

إخفاء الكتب

واحدى اكثر المعروضات روعة هو كتاب متهرئ يعود الى القرن الثالث عشر، نجا من عمليات النهب التي شهدتها بغداد عام 1258 على يد المغولي هولاكو، حفيد جنكيز خان الذي خلّفت دكتاتوريته 800 الف قتيل. 

 

ويشرح عبد الكريم “حين جاء المغول الى بغداد عام 1258، أحرقوا المكتبات والقوا العديد من الكتب في نهر دجلة، حتى النهر تحول الى اللون الأسود من الحبر، إلا هذا الكتاب الذي يحتوي على تفسيرات للقرآن والتعاليم الإسلامية، تم إنقاذها من النهر في ذلك اليوم”. 

ونجا هذا الكتاب مرة اخرى الى جانب مجموعة من الكتب، حين انتشر الدمار الواسع ونُهبت مكتبات بغداد في عام 2003 بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق.   

 

وتم تدمير عشرات المكتبات، في بغداد وحدها، وفقدت العديد من مجموعات الكتب القيمة ولاسيما الارشيف، وفقاً للدكتور سعد اسكندر المدير العام لمكتبة العراق الوطنية الذي وصف ما حدث بالكارثة الوطنية التي تفوق الخيال. 

 

وجلس بجانب مقبرة الكيلاني منذ عام 1974، حيث كان يرحب بالزوار ويجيب على الأسئلة ويتلقى طلبات الصلاة عبر الهاتف من المحبين في جميع انحاء العالم. ويضيف “جاء الامريكيون الى هنا وتحدثوا الينا وشرحنا لهم اننا مجرد فقراء، وهذا ضريحنا واشياءنا الدينية، وطلبنا منهم ان يذهبوا بعيداً”.

 

وبينما كانت المكتبات الاخرى تتعرض للنهب والحرق، قضى عبد المجيد محمد رئيس مكتبة القادرية يوماً كاملاً مع موظفيه يدقون بعناية الجدران ليضعوا اثمن المخطوطات في القبو قائلاً “انتهيت في الساعة العاشرة مساءً وعندما غادرنا، كانت الشوارع مهجورة تماماً لان الوقت كان متأخراً الجميع مرعوبين فلم تكن هناك سيارات اجرة لذلك بقينا في الضريح”. 

ونجا المجمع بالكامل الذي تحيطه الجواجز الأسمنتية العالية وعناصر من الشرطة العسكرية من هجوم بسيارة ملغومة عام 2007 بأقل قدر من الضرر وعدد قليل نسبياً من الضحايا المدنيين رغم وجوده في المدينة الصاخبة.

"نحن مانزال هنا"

تعرض المجمع القادري مرة اخرى الى تهديد في عام 2014، حين القى زعيم تنظيم داعش ابو بكر البغدادي خطاباً اشار فيه الى ان مسلحيه سيقومون بهدم الأضرحة المقدسة في النجف وكربلاء وعبد القادر الكيلاني في بغداد. 

 

ويقول الشيخ عبد الرحمن الذي يتحدث بالقرب من قبر الكيلاني لاستقبال مجموعة من الحجاج الباكستانيين “لن نشعر بالرضا عندما لمّح داعش الى استهدافنا، لكننا لم نكن قلقين لاننا نتمتع بالايمان القوي بالله”.

 

ويزور هذا المعبد الكثير من العراقيين من السنة والشيعة، فضلاً عن قصده من دول بعيدة مثل باكستان وموريتانيا، فضلاً عن حديث شيوخ المجمع القادري عن استقبالهم بشكل منتظم للزوار المسيحيين والهندوس والبوذيين الذين يأتون الى هنا كل عام”.

 

ومع ذلك، فان قلة من هؤلاء الحجاج المعاصرين يلاحظون المكتبة التي يقول موظفوها انها موجودة منذ ما يقرب من 1000 عام. وعلى الرغم من ان مخطوطات الكيلاني الخاصة شكلت اساس المجموعة الأصلية. وتعتمد المكتبة على الايرادات من الاراضي والممتلكات التي تملكها في مكان قريب بالاضافة الى التبرعات.

وعلى مر القرون، تبرع المصلون للكيلاني بالكتب لرفد المكتبة، فضلاً عن الهدايا التي لاتزال مستمرة حتى يومنا هذا. وفي خزانة مقفلة خاصة بالقرب من المدخل يوجد قرآن ذو جلاد ذهبي مزخرف بهدوء هدية من محب في سوريا قدمه الى المكتبة قبل 10 سنوات.

 

وعلى الرغم من أن العديد من الكتب هي الأكثر تبجيلاً في المكتبة هي نسخ تاريخية من القرآن الكرين، إلا انه يحمل العديد من النصوص والمخطوطات العلمية القيمة، فضلاً عن كتب مختصة باللغة العربية يعود عمرها الى اكثر من 95 عاماً. 

 

يقول عبد الكريم “نحن نعتني بالكتب بعناية شديدة لانها قيمة ويجب الحفاظ عليها، ويأتي الخبراء هنا في كثير من الأحيان لتطعيم الكتب ومنعها من التدهور، فهم يستخدمون عقاقير وادوية خاصة لمخطوطاتنا القديمة التي يبلغ عددها 1950 مخطوطة”.

تفاؤل هادئ

مجموعات صغيرة من الطلاب الذين يدرسون في مدرسة المسجد يأخذون دورساً عن الدراسات الاسلامية والخط العرابي على طاولات مزينة بعروض زهرية ملونة. وتقول نورا طالبة الدكتوراه في لندن إنها قضت شهرا واحد كل عام لدراسة المخطوطات. 

 لكن المكاتب الموجودة في المكتبة القادرية غالباً ما تكون فارغة، وقد تضاءل العديد من الطلاب والباحثين واساتذة الجامعات مع ارتفاع حالات البحث على الانترنت. 

يقول عبد الكريم “كان لدينا الكثير من الطلاب الذين يدرسون للحصول على الماجستير والدكتوراه، ويقومون بحفص جميع النصوص القيمة، لكي يتمكنوا من دراسة النسخ والحفاظ عليها، لكن اليوم ومع ارتفاع استخدام الانترنت، لا يأتي الى هنا إلا مجموعة قليلة من الطلاب”.


المصدر: MEE

ترجمة: وان نيوز

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي