ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
589
2018/3/27 03:07:50 PM

فتحت هزيمة داعش فصلاً جديداً للعراق في الملحمة الجيوسياسية الكثيفة والمعقدة بالفعل في الشرق الأوسط، مما وفر فرصة مهمة لحل التوترات الطائفية واعادة بناء الدولة والمجتمع العراقي مرة أخرى. إن تخفيف التهديد الجهادي المتطرف هو نصر واضح ورائع لكنه محفوف بالمخاطر التي قد تؤدي الى عودة صراع دموي طويل. 

 

ومع الاستيلاء السريع على شمال العراق والنجاحات الاستراتيجية عبر الحدود في سوريا، اثبتت الجماعات الشيعية المسلحة التي تتلقى دعماً من ايران انهم يمثلون فعلياً تشكيل الحقائق الجيوستراتيجية الجديدة. 

 

لقد وضعت هذه المعارك الجهاديين الوهابيين العالميين ضد المقاتلين الشيعة العابرين للحدود الوطنية في اماكن مثل سوريا والعراق التي تمثل عولمة طائفية دينية في مناطق اشتعال النيران في جميع انحاء الشرق الاوسط. 

 

وتؤدي هذه النزاعات المسلحة الى تفاقم التحديات في المنطقة المحفوفة اصلاً بتصاعد خطير في الخطاب الطائفي والعنف، وتسليط الضوء على اهمية التخفيف الطائفي في اي خطوة مثمرة نحو اعادة بناء العراق وتخفيض التوترات الاقليمية بين المملكة العربية السعودية والعراق وايران.

 

إن دور آية الله العظمى علي السيستاني الموقر في العراق، الذي يتمتع بنفوذ كبير في السياسة العراقية، سيكون حاسماً في عملية بناء السلام هذه. ومع ذلك، هناك الكثير الذي يمكن القيام به كقوة معتدلة إلا اذا امكن احراز تقدم جاد في حوار الاديان بين السنة والشيعة وحل النزاع بين ايران والمملكة العربية السعودية في السياق الاقليمي الاوسع.

ما بعد داعش 

العراق قطعة اساسية في لغز الطائفية الاقليمية. كان ذلك بعد الاطاحة الامريكية لصدام حسين عام 2003، التي جلبت السلطة الى حكومة يقودها الشيعة في العالم العربي فقط، وادى ذلك الى قلب الجغرافيا السياسية الطائفية في الشرق الأوسط.

 

على المستوى الاقليمي، عطل توازن القوى مع تولي الشيعة العراقيين الحكم في العالم العربي الذي تهيمن عليه النخب السنية. كما مكّن ايران والعراق من اقامة علاقات وثيقة، مما عزز محور المقاومة ونفوذ ايران الجيوسياسي. هذه التطورات تثير في الكثير من الاحيان المخاوف السعودية التي تبدو مرعوبة من “الهلال الشيعي”. 

 

على الصعيد المحلي داخل العراق، مر عقد على بناء الدولة الفاسدة الذي جاء نتيجة التراخي الامريكي، مما ادى الى ارتفاع التوترات السنية الشيعية المدمرة والاهمال، وغيرها من المجموعات الهامشية التي غمرت العراقيين. 

 

ظهور داعش وتمكينه جزئياً على الدولة العراقية لحظة ذوبان الجيش العراقي في مواجهة التمرد الداعشي، ادى الى التطرف بين السنة العراقيين وخلق درجة من التعاطف مع داعش في البداية. 

 

إلا ان الانتصار على داعش في العراق قد خلق معضلات فريدة خاصة بمكافحة الطائفية. ففي بداية توسع داعش، غيّرت الفتوى الحاسمة من السيستاني المعادلة على الارض بشكل جذري. ومنذ ذلك الحين، تدرّب مئات الالاف من العراقيين بما في ذلك عشرات الالاف من السنة والمسيحيين والايزيديين وخدموا في قوات الدفاع الشعبي (الحشد الشعبي)، مما يدل على قوة التعبئة فعالة للغاية للتسلسل الهرمي للشعية المرجعية. 

 

ورغم أن فتوى السيستاني ساعدت بلا شك في تعزيز جبهة التوافق، الا انه كان يهتم باضفاء الشرعية على قوات الأمن ويشرح موقفه المحافظ والمتوازن تجاه الجبهة. لذلك قوات الدفاع الشعبي هي منظمة شاملة تعمل ضمنها فصائل متعددة.

 

التشكيل الخاص لفصائل الحشد الشعبي كمشروع عسكري، تم دمجه بالقوات الامنية والمؤسسة العسكرية العراقي، وهذا ما يؤدي الى انشاء قوة فاعلة جديدة ستقلب الحسابات السياسية وتوازن القوى داخل البلاد. فقد اعلن الحشد الشعبي عن ائتلافه الانتخابي للتنافس في انتخابات آيار القادم، ومن المرجح ان يحقق نتائج جيدة في استطلاعات الرأي. 

 

وعلى الرغم من انه لا يسمح لحزب او جبهة الترشح، الا ان المرشحين المنتمين لحركات مثل هادي العامري الذي استقال من منصبه، تمكن من تحديد وضعه بوضوح. 

 

وهكذا يبدو ان استراتيجية الدفاع الشعبي هي تأسيس وجود قوي في البرلمان ووضع نفسها كقوة سياسية مشروعة لها صوت في الحكومة مع الحفاظ على جناحها العسكري. ويبقى ان نرى ما اذا كان لديهم القدرة على الحكم، كما حاربوا في ساحة المعركة. 

 

السؤال المفتوح هو، ما سيؤثر على سياسيات الحشد الشعبي فيما بعد الحرب على الديناميكيات الطائفية الداخلية؟. في حين ان اعادة دمج القوات الشعبية (الحشد الشعبي) داخل الدولة امر حاسم بالنسبة لاستقرار العراق الداخلي، فضلاً عن انخراط جهات سنية في الحشد لتغيير واقع السياسة العراقية. 

 

 آية الله السيستاني والنجف، ربما يلعبان دوراً حاسماً في التوفيق والدفع بإتجاه ضم الاصوات السنية والمهمشة الاخرى، لتخفيف التأثير الايراني في السياسة العراقية، ومع ذلك، فان رجال الدين الشيعة يعملون كقوة معتدلة، وسيعتمدون بشكل كبير على اتجاه الجغرافية السياسية والاقليمية والعلاقات الاوسع بين الدول في الشرق الاوسط.

المعادلة الاقليمية

وبينما كان هناك مؤخراً حضور سعودي محدود في العراق تمثّل بتبادل الزيارات الثنائية، لكن لاتزال هناك قيود هيكلية خطيرة على اي علاقات ذات مغزى طويلة الامد بين الدولتين. والاهم من ذلك، ان تفاقم الخصومة الايرانية - السعودية المشحونة اصلاً،  لن تؤدي الا الى دفع العراق اكثر نحو ايران لان الشيعة لا يثقون بالمملكة السعودية. 

 

ويربط معظم العراقيين بين الجماعات الاسلامية الارهابية التي اشعلت الصراع الاخير في البلاد والعودة الى المعتقدات الوهابية المشتركة بين السعودية وداعش التي اعتبرت الشيعة كفاراً وغير مسلمين. 

 

حالات الاعدام المتواصلة بحق الشيعة في السعودية حاضرة حتى اليوم، فآية الله نمر النمر في عام 2016، انتقد الحرب على اليمن، وناهض القمع العنيف في البحرين، وكذلك الاجراءات السعودية التمييزية التي طال امدها ضد الاقلية الشيعية كانت نهاية الاعدام بحجج واهية. مما خلق صورة سامة عن هذه البلاد وتحديداً بالشارع الشيعي. وبطبيعة الحال فان المؤسسة الدينية الشيعية في العراق وايران التي تتجاوز سلطتها حدود الوطنية، ترى الوهابية تهديدا خطيرا وتعمل كحاجز لها.

 

بالتالي، فان عدم الثقة العالية في المملكة السعودية من قبل الشيعة العراقيين، يعوق اي تواصل ذي مغزى يقومون به تجاه البلاد، وأي سياسة لموازنة العراق وايران لن ينجح ما لم يتم اتخاذ خطوات جادة نحو التصعيد الطائفي في المنطقة. 

 

وفي هذا المسعى ، سيكون دور آية الله السيستاني في النجف أمراً حاسماً لأنه يمتلك سجل حافل في تعزيز العلاقات الأفضل بين الشيعة والسنة، وهو شخصية معتدلة موثوقة يمكن أن تسود في العناصر المتشددة في العراق التي قد تعارض انفراجاً. .

 

وبالمثل ، بالنظر إلى الإصلاحات التي يجريها محمد بن سلمان في المملكة العربية السعودية ، قد يكون هذا الوقت مناسبًا لدفع المؤسسة الدينية للتصالح مع الشيعة.


المصدر: NATIONAL INTEREST

ترجمة: وان نيوز

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي