احمد بدر
حجم الخط :
عدد القراءات
428
2018/4/12 10:33:13 AM

سيناريو معاد، ومكرر، وممل، لا تخجل الولايات المتحدة من استعادته بتفاصيله، كلما صارت في مأزق، وكلما أصبح قادتها أمام موقف حرج داخليا وخارجيا.

الآن تبحث أمريكا في دفاترها القديمة عن مخرج لأزمة، ورطتها فيها أذرعها الإرهابية داخل سوريا، التي ادعت أن الجيش العربي السوري أطلق السلاح الكيماوي على المدنيين في الغوطة الشرقية، والتي مثلت أفلاما ومشاهدا، ثبت للعالم كله زيفها، وبالطبع لن تجد الدولة الداعمة لهؤلاء إلا سيناريو العراق لتكرره هنا.

والأمر بسيط… ليس على دونالد ترامب إلا أن يفتح درج مكتبه الأيمن، ويتناول منه ملف الحرب الأمريكية في العراق، ويقرأ الشطر الخاص بتلفيق تهمة امتلاك الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين، وحشد وتحزيب دول العالم، ثم تحريك الجيوش، ليموت مئات الآلاف من البشر، حفظا لماء وجه القيادة الأمريكية.

وليس على ترامب أن يقلق، لأن كثير من دول العالم الكبرى — كالعادة — ستتواطأ معه حرصا على مصالحها المشتركة مع بلاده، رغم أن قادة هذه الدول — أحيانا — تضطر إلى التخلي عنه في منتصف الطريق، حرصا على مصالحها الخاصة، الاقتصادية أو الانتخابية.

جميعنا نذكر الدبلوماسي البرازيلي خوسيه بستاني، إنه أول مدير عام لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية، وأكثرهم شعورا بالذنب، بسبب اعتقاده بأنه كان بإمكانه المساعدة في تجنب ما يصفه بـ"الغزو عديم الجدوى للعراق وتداعياته الرهيبة".

بستاني، انتهت فترة ولايته الثانية في المنظمة، التي تأسست عام 1997، بطريقة مثيرة للجدل، في مارس/آذار عام 2002، بعد اقتراح تقدمت به الولايات المتحدة ووافقت عليه 48 دولة عضوا بالمنظمة، بينما رفض الاقتراح 7 دول وتحفظت عليه 43 دولة، على الرغم من أنه قبل إقالته بـ 11 شهرا، كان قد أعيد انتخابه بالإجماع لرئاسة المنظمة.

يكشف بستاني، البالغ من العمر 71 عاما، في أحد حوارته الصحفية، أن السر وراء إقالته كان اتفاقه مع العراق وليبيا على الانضمام لمعاهدة حظر أسلحة الدمار الشامل، وموافقة العراق وقتها كانت تعني أن يبدأ التفتيش هناك بحلول نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 2002.

يقول خوسيه بستاني: "الأمريكيون كانوا غاضبين.. إذا سمح لمفتشي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بالدخول إلى العراق، لما وجدوا أسلحة كيميائية، وهو ما كان سيضعف حجة الغزو.. الأمريكان أرادوا غزو العراق، لكن التفتيش كان يتعارض مع مصالحهم".

هذه شهادة رجل أشرف بنفسه على مرحلة هامة من تاريخ النزاعات الأمريكية مع العالم لتدمير الشرق الأوسط، الذي بدأ بالعراق، حيث اتهمت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا نظام صدام حسين، بامتلاك مخزونات من أسلحة الدمار الشامل، واستخدموا ذلك كذريعة لغزوه عام 2003، ثم اتضح — من التحقيقات — لاحقا أن هذه الادعاءات لم تكن صحيحة، ولم يكن لدى صدام حسين أسلحة دمار.

الآن، تعيد أمريكا اللعبة المكررة، تدفع رجالها — من الإرهابيين المخلصين — داخل سوريا إلى تمثيل وافتعال أزمات، ثم التثبت بهذه الأزمات أمام مجلس الأمن والأمم المتحدة، وتدعو الدول — التي تشاركها الوليمة دائما — إلى تحرك عسكري سريع ضد الدولة السورية، وهي تدرك أنه سيكون تحركا غير قانوني، ولا يتوافق مع أي معايير أخلاقية دولية.

"نيكي هيلي" مندوبة ترامب إلى الأمم المتحدة، تتقمص دور مزدوجي الشخصية في الأفلام الرديئة، فإذا اقتربت منها الكاميرا من جهة اليمين، تجدها تتحدث بأدب جم عن الضحايا وضرورة بدء تحقيق أممي في ادعاءات استخدام الدولة السورية للأسلحة الكيماوية ضد المدنيين، وإذا دنت من وجهها من الجهة اليسرى، يرتفع حاجب الشر، وتزمجر مهددة بضربة عسكرية أمريكية خاطفة دون انتظار نتائج التحقيقات، ضاربة مثلا نموذجيا للبلطجة الأمريكية في أبهى صورها.

خلال حوار أجريته منذ أسابيع، مع عضو مجلس الشعب السوري، الدكتور جمال الزعبي، قال لي إن أمريكا تنزعج بشدة كلما أحرز الجيش العربي السوري تقدما في مناطق نفوذ التنظيمات الإرهابية، وعناصر المعارضة المسلحة كما يحلو للأمريكان أن يسموهم، حتى أنها تتحرك بتخبط غير طبيعي، ما يدفعها لكشف طبيعة علاقاتها مع هذه التنظيمات، وأنها المدافع الأساسي عن تواجدهم في مناطق بعينها.

الزعبي تحدث عن طبيعة الخدمات التي تقدمها الولايات المتحدة للدواعش داخل سوريا، من خلال حادث قصف قوات الجيش السوري في دير الزور، والتي اتضح لاحقا أنها كانت على وشك الاصطدام بتحرك لمقاتلي تنظيم داعش الإرهابي، أي أن الدواعش كانوا في خطر، لولا تحرك الولايات المتحدة بطائراتها، لتمهيد الطريق لهم ليقلبوا الأية، ويبدأوا هجوما على القوات المتمركزة في دير الزور.

الآن تسعى الولايات المتحدة — بدعم من إسرائيل وفرنسا وبريطانيا — إلى تكرار نفس السيناريو الذي حدث في العراق، فيبدأ الحديث عن الترسانة السورية من الأسلحة الكيماوية، التي تأكد العالم كله من أنها تم القضاء عليها منذ عدة سنوات، وتحديدا عام 2014، من خلال منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، ثم تأتي مرحلة استخدامها ضد المدنيين العزل الأبرياء، لينتهي الأمر بغزو شامل.

الغزو الشامل، حسب المحلل السياسي أحمد عبدالفتاح، يكفل للجميع أغراضا هامة، تستفيد أمريكا وفرنسا وبريطانيا بوقف موجات النزوح الجماعي للمهاجرين السوريين إلى أراضيهم، وإعادة غير المرغوب فيهم، وتستفيد أمريكا وحدها بالمناطق النفطية التي تسيطر عليها القوات الحليفة لأمريكا، وهي قوات سوريا الديمقراطية، وتفوز إسرائيل بالقضاء على أبرز جبهات الرفض.

ولكن — والحديث لعبدالفتاح — هناك أزمة كبيرة تواجه أمريكا، لم تكن موجودة في السيناريو العراقي، وهي:

أولا: أن الجيش السوري ما زال متضافرا وغير مشتت مثل ما حدث للجيش العراقي عند بداية الغزو الأمريكي عام 2003، أي أن المعركة ستكون طويلة وقوية، خاصة أن الجيش العربي السوري يسلح نفسه ويتطور، ولعل تصدي قوات الدفاع الجوي السورية للصواريخ الإسرائيلية أمس كان مثالا لما سيواجهونه.

وثانيا: أن روسيا لها تواجد سياسي وعسكري ومعنوي ودبلوماسي قوي داخل سوريا، وداخل مجلس الأمن أيضا، أي أن المعركة لن تكون سهلة، ولا يمكن تصويرها باعتبارها مجموعة دول تقصف منشآت، كما ستحاول أمريكا أن تقول، بل الواقع أن كبريات دول العالم سوف تحارب بعضها، ولكن ساحة المعركة ستكون سوريا، وهذا أمر لا يبشر بالخير للجميع، وخاصة أمريكا، التي شبع شعبها من موت أبنائه في الخارج، لأسباب دائما يرونها واهية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي