ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
444
2018/4/17 03:15:22 PM

انتظر كثيرون من العرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن ينفّذ وعوده بإسقاط الصواريخ الأمريكية التي انهالت على سوريا، مع صواريخ بريطانية وفرنسية، صباح 14 أبريل. لكن الدب أو القيصر، كما يسمّونه، اكتفى بدعوة مجلس الأمن إلى عقد جلسة طارئة، فألقت مندوبة واشنطن المتغطرسة وابلاً من التهديدات على مسمع نظيرها الروسي.

الحقيقة أن كثيرين من العرب بالغوا في الإعجاب ببوتين كزعيم قوى، لكنهم معذورون، فقد عملت آلة إعلامية روسية ضخمة على خداعهم وخلق تصور غير صحيح عن قوة روسيا.

كيف ارتدى بوتين قناع القوة؟

يجيب الإعلامي المصري عمرو عبد الحميد، الذي كان مراسلاً لقناة الجزيرة في موسكو حين تولى بوتين مقاليد الحكم، بأن الرئيس الروسي أثبت قوته حين تولى الحكم عام 2000، وبالتحديد بعدما كسب بالعنف الشديد حرب الشيشان الثانية.

يؤكد عبد الحميد لرصيف22 أنه "لو انفصلت الشيشان لتبعتها جمهوريات أخرى ولأصبح الاتحاد الروسي مهدداً بمصير الاتحاد السوفييتي السابق، لكن حسم بوتين لعب دوراً كبيراً في الحفاظ على وحدة روسيا كدولة".

أدى ذلك إلى التفاف الروس حول "الزعيم القوي" الذي يحمي وحدة البلاد ويستطيع تحدي الغرب معيداً إحياء تطلعاتهم القومية التوسعية الموروثة من مرحلة روسيا القيصرية.

ويشير الإعلامي المصري الذي التقى بوتين مرات عدة إلى أن "الإعلام بكل تأكيد ساعد في ترسيخ صورة بوتين كزعيم قوي، وليس الإعلام الروسي فقط مَن لعب هذا الدور، بل الإعلام الغربي أيضاً"، مضيفاً: "انظروا كم مرة اختارت مجلة التايم بوتين رجل العام".

ماكينة بوتين الإعلامية الضخمة

خلق النظام الروسي ماكينة إعلامية ضخمة، تتضمّن محطات تلفزة موجّهة إلى الخارج، وآلاف الحسابات بكل اللغات على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك لنشر الخطابات والتصريحات والصور ومقاطع الفيديو التي تظهر بوتين زعيماً قوياً، وإمبراطوراً يهدد الغرب، ويقهر الإرهاب.

في يوليو 2017، أفاد الرئيس الروسي بأن هناك نحو خمسة آلاف حساب على مواقع التواصل الاجتماعي تحمل اسمه، مضيفاً أنه لا يدير أي حساب منها، وليس له علاقة بها. لكن بعض الباحثين في هذه الحسابات يقولون إنها لم تنشأ عبثاً وإن هناك جهات ومنظمات مختصة تدير معظمها وتستهدف تلميع صورة بوتين، ونشر الخوف بين خصومه.

وفي أكتوبر 2017، كشف موقع فيسبوك أن حسابات تابعة لروسيا نشرت مواد سياسية، وصلت إلى 10 ملايين شخص في الولايات المتحدة، واستهدفت نشر الخلاف بين الأمريكيين، قبيل انتخاباتهم الرئاسية الأخيرة.

من جانبه، أعلن مؤسس فيسبوك مارك زوكربيرغ في الرابع من أبريل 2018 بعض تفاصيل عمل الحسابات الوهمية التي تلمّع صورة بوتين وتروّج له في الانتخابات الروسية وتتدخل في الأحداث السياسية الجارية في أمريكا وأوروبا.

وأكد زوكربيرغ إقفال 270 صفحة كانت تديرها "وكالة أبحاث الإنترنت" في موسكو، وأعلن أن "الجديد هو إقفال صفحاتهم التي تتوجه إلى أشخاص يعيشون في روسيا"، معيداً التذكير باكتشاف أن هذه الوكالة شغلت مئات الحسابات في أمريكا عام 2016 للتدخل في انتخاباتها ولنشر "محتوى مثير للخلافات"، وبإقفال 30 ألف حساب وهمي قبيل الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2017.

استغلال بوتين لضعف منافسيه

اكتسب بوتين جزءاً من قوته من ضعف الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما وحلفائه الأوروبيين في الرد على ضم روسيا لشبه جزيرة القرم. وفي ديسمبر الماضي، وافقت إدارة دونالد ترامب على خطة لتوفير أسلحة فتاكة لأوكرانيا، كان يمتنع أوباما عن توفيرها، بسبب قلقه من رد فعل بوتين، وفقاً لصحيفة واشنطن بوست.

في عام 2007، استغل بوتين زيارة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل للكرملين، ليحضر لها كلبه والمصوّر كي يلتقط بعض الصور التي تظهر سيدة برلين في حالة من القلق والخوف، فيما يظهر هو أمام العالم ثابتاً وغير مكترث.

 

عام 2007، استغل بوتين زيارة ميركل للكرملين، ليحضر كلبه ويلتقط مصوّره لها صوراً تظهرها وهي قلقة، فيما يظهر هو أمام العالم ثابتاً وغير مكترث. كان بوتين يعلم أن لديها مخاوف من الكلاب

تؤكد ميركل، وفقاً لصحيفة دي فيلت الألمانية، أن الواقعة على ما يبدو كانت مدبرة، لأن بوتين كان يعلم أن  لديها مخاوف من الكلاب بسبب تعرّضها للعض في الماضي.

هل بوتين حقاً قوي؟

يؤكد الإعلامي عمرو عبد الحميد لرصيف22 أن بوتين بلا شك لديه نقاط ضعف، مشيراً إلى أن نقطة ضعفه الأكبر هي أن شعبيته حالياً أقل منها في بداية حكمه، لأنه لم يعد يروق لقطاع عريض من الجيل الجديد بسبب تصدره المشهد في البلاد طوال 18 عاماً.

شهدت روسيا ثماني تظاهرات شارك فيها الآلاف في أكثر من 20 مدينة روسية في وقت واحد منذ 26 مارس 2017 وحتى أبريل 2018، وخرجوا ضد بوتين شخصياً وضد نظامه على خلفية تدهور الاقتصاد وتفشي الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان. لكن التظاهرات الأكبر كانت بين عامي 2011 و2013.

طرد بوتين من الـ"كي جي بي"

تتغنى بعض وسائل الإعلام العربية بأن بوتين "ثعلب" جهاز الاستخبارات السوفييتية (كي جي بي)، معتبرة أن عمله في هذا الجهاز الأمني لمدة 15 عاماً دلالة على قوة شخصيته، لكنها تتجاهل حقيقة أنه فشل في المهمة التي كُلّف بها في ألمانيا الشرقية.

في الفترة التي شهدت سقوط جدار برلين، كان بوتين يعمل في ألمانيا الشرقية منذ عام 1985، وجرى طرده من الـ"كي جي بي" بسبب فشله، وانتقل بعدها للعمل في جامعة لينينغراد.

ونشرت صحيفة واشنطن بوست دراسة أجرتها أجهزة استخبارات أوروبية وأمريكية، تنقل عن ضابط متقاعد من الـ"كي جي بي" أن "بوتين لم يكن واحداً من عناصر المؤسسة، لكنه كان جاسوساً، وجاسوساً فاشلاً وغير بارع وتم طرده بعد سقوط جدار برلين".

جيش بوتين ليس قوياً كما نتصور

خصص بوتين ونظامه قسماً من دعايتهم من أجل الدعاية للأسلحة الروسية والمبالغة في قدراتها، وتخويف العالم من قوتها التدميرية ولرسم صورة ذهنية قوية لدى الآخرين تخيفهم من الجيش الذي يقوده بوتين، لكن إذا رصدنا الحوادث التي تعرّضت لها الأسلحة الروسية خلال الشهور الماضية فقط، سنكتشف حدوث كوارث في صفوف العسكريين.

في مارس الماضي، أعلنت روسيا تحطم طائرة نقل روسية من طراز "أن-26"، أثناء هبوطها في مطار حميميم بسوريا، ولقي 26 راكباً وستة أشخاص من أفراد طاقمها حتفهم.

في فبراير الماضي، أعلنت موسكو سقوط مقاتلة من طراز "سوخوي 25" والتي يطلقون عليها لقب فخر الصناعة الروسية، وأحدثت هذه الحادثة تغيراً كبيراً في حسابات العسكريين الروس في سوريا لأنها سقطت بصاروخ مضاد للطائرات.

في أكتوبر الماضي، تحطمت مقاتلة روسية من نوع "سوخوي 24"، ولقي أفراد طاقمها مصرعهم، وذلك في قاعدة حميميم. وفي ديسمبر 2016، لقي 92 عسكرياً وصحافياً روسياً، بينهم عشرات من المغنين والعازفين والراقصين في الفرقة الموسيقية العسكرية، حتفهم بسبب سقوط طائرتهم في البحر الأسود أثناء توجهها إلى سوريا.

لا تنحصر مشكلات الجيش الروسي في سلاح جوه. الوضع السيئ وصل إلى حاملة الطائرات الروسية "الأميرال كوزنتسوف" التي ظهرت في حالة مزرية عندما أبحرت إلى سوريا، والدخان يتصاعد منها وكأنها تحترق.

وكانت مقاتلة روسية من طراز "سوخوي - 33" قد انزلقت من على سطح حاملة الطائرات المذكورة خلال عملية هبوط على ظهرها عام 2016، بعد انتهاء مهمتها القتالية في سوريا.

يؤكد البروفيسور الروسي المقيم في النرويج بافل باييف، وهو باحث في شؤون روسيا العسكرية والسياسية في معهد بروكينغز الأمريكي، لرصيف22 أن بوتين ليس زعيماً قوياً، بل هو ضعيف وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط حيث تنتشر قواته.

يقول باييف رداً على سؤال "هل بوتين قوي؟": "لا، لا أعتقد أن بوتين قوي، وعلى وجه الخصوص في الشرق الأوسط، حيث ينتشر جيشه بشكل كبير، والدليل هو الغارة المدمرة التي نفذها الجيش الأمريكي في فبراير الماضي على كتيبة من القوات الموالية للأسد، وكان من بين القتلى العديد من المرتزقة الروس، لقد أظهر هذا الهجوم العديد من نقاط الضعف في الوجود الروسي بسوريا".

يتابع باييف: "في الواقع، على الرغم من كل القوات التي تم نشرها في سوريا، لا يستطيع بوتين توجيه ضربة قوية مماثلة لما فعلته واشنطن في فبراير الماضي".

وقلل باييف من رد فعل بوتين على الضربة العسكرية الأمريكية في سوريا صباح 14 أبريل، وقال: "رد روسيا سيكون محدوداً للغاية، وربما رمزياً، وربما لن يكون موجوداً على الإطلاق".

الاقتصاد يكبّل يدي بوتين

يُجمع الخبراء على أن نقطة ضعف الرئيس الروسي الأبرز هي اقتصاد بلاده الفقير والبنية التحتية المدمرة، فلم يتجاوز متوسط معدل النمو السنوي في روسيا 1.2% في الفترة من 2008 إلى 2017، وفقاً لمنظمة "بروجيكت سنديكيت" للأبحاث.

يؤكد الباحث الروسي بافل باييف لرصيف22 أن الاقتصاد بكل تأكيد هو المصدر الرئيسي لضعف الرئيس الروسي، مضيفاً أنه ليس لديه أية خطة ولا وسيلة لضمان أي تحسن في الأداء الاقتصادي خلال الفترة المقبلة.

خنقت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الاقتصاد الروسي بفرض العقوبات الاقتصادية على موسكو منذ عام 2014 بسبب أزمة القرم، ما تسبب في تهاوي العملة وارتفاع التضخم والبطالة وخسائر فادحة في أربعة قطاعات هي الصناعات العسكرية التي تمثل 20% من الناتج المحلي والقطاعات المالية والمصرفية والشحن والطاقة.

ومنعت العقوبات التي تواصل واشنطن فرضها على روسيا دخول أية استثمارات غربية أو منح أو قروض إلى موسكو، لذا اتجه بوتين إلى تأميم عدد من البنوك التي تعثرت. كما طالت العقوبات رجال الأعمال الروس المقربين من بوتين، ولم يستطع حمايتهم.

تهاوى الناتج المحلي لروسيا من 2.063 تريليون دولار في عام 2014 إلى 1.365 تريليون دولار في عام 2015، و1.283 تريليون في 2016، وفي 2017 وصل إلى 1.46 تريليون دولار.

يعتمد بوتين في حكمه بشكل كبير على إيرادات إمدادات الغاز إلى أوروبا وتركيا، والتي بلغت 193.9 مليار متر مكعب، لذا لم يتجرأ على التصعيد في أية أزمة ضد أوروبا، حتى في ظل استمرار فرض العقوبات، ولم يواصل معادة نظيره التركي رجب طيب أردوغان بعد إسقاط أنقرة مقاتلة روسية، بل وافق على بيعها أحدث منظومة دفاع جوي "أس 400".

بوتين ممثل بارع

تؤكد الخبيرة الألمانية في لغة الجسد مونيكا ماتشينغ أن تحليل خطوات بوتين أثناء السير تثبت أن هناك قدراً كبيراً من التمثيل فيها، وتضيف أنه يتعمد أن ينفخ نفسه كي يوحي بالقوة، ولديه رعشه خفيفة في الكتف الأيسر تثبت أنه يريد أن يتحرك بشكل أكبر لكنه مجبر على الثبات كي يطبّق ما يوصَف له.


المصدر: رصيف 22

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي