ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
564
2018/4/19 02:43:02 PM

كانت الكاتبة والناشطة الشهيرة هيلين كيلر صماء عمياء، ولم تكن في طفولتها تدرك أي شيء عن الدنيا، وكانت معلمتها تكتب لها أسماء بعض الأشياء على يديها، بطريقة يفهمها المكفوفون، وبدلاً من أن تنطق لها اسم الشيء، كانت تجعلها تلمسه وتعبر عنه بالكتابة، لأنها لا تسمع ولا تتكلم.

لفترة طويلة، ظلت محاولات المعلمة في تعليم هيلين كيف تدرك وتكتب فاشلةً، حتى جاء يوم وذهبت كيلر مع معلمتها لتملأ إبريقاً بالمياه من بئر، فانسكبت المياه على يديها، فانفعلت وقبضت على يدَي معلمتها، وحركت أناملها لتكتب لها "water - ماء" بالطريقة التي طالما علمتها إياها المعلمة.

في كتابها "قصة حياتي العجيبة"، تقول هيلين عن هذا الموقف: أيقظت تلك الكلمة الحية (WATER) روحي، ومنحتها النور والأمل والسرور وحررتها، لقد غادرت مكان البئر بشغف شديد للتعلم، وقد أصبح لكل شيء اسم، وكل اسم من هذه الأسماء ولّد فكرة جديدة.

العبارة الأخيرة من كلام هيلين، تأخذنا إلى النظرية التي تقول إن اللغة هي التي تصنع تفكيرنا، أي أنها ليست فقط وسيلة للتعبير، وإنما صانعة لما يدور بداخلنا، وإن ما نتكلم به هو تفكيرنا نفسه، حتى ونحن نفكر في صمت، نتكلم بلغتنا داخل أذهاننا، وإن إنساناً بلا لغة هو كائن بلا إدراك.

وبالتالي، فإن تفكيرنا وتمايزنا كأشخاص ومجموعات ومجتمعات يتوقف على ما نكلم به الناس أو نكلم به أنفسنا. فكيف يحدث ذلك؟ وما صحته من الناحية التشريحية والعصبية؟ وما تأثيره على سعادتنا وتعاستنا، وعلى نجاحنا وفشلنا؟

اللغة وعلاقتها بالتفكير

للغة ارتباط وثيق بالتفكير، فمن الناحية التشريحية نلحظ العلاقة القوية بين الفهم ومركزَي اللغة في الدماغ، فإذا تأثر المركزان تأثر الفهم.

يخبرنا توماس سكوفل في كتابه "علم اللغة النفسي" أن مركزَي اللغة في دماغ الإنسان هما (wernicke، broca) ويوجدان فوق الأذن اليسرى.

وإذا ما تأثر الدماغ بجلطة أو حادث اصطدام شديد أو غيرهما، بالقرب من المركزين أو فيهما، فقد يصاب الإنسان بما يعرف بـ"حبسة ورنيك - aphasia wernicke"، ويصل المصاب إلى عدم القدرة على فهم الأشياء، فيتكلم بشكل يبدو طبيعياً متماسكاً، ولكنه كلام غير متزن، ويبدو صاحبه وكأنه شارد تائه، ولا يقصد ما يقول.

وقد يصاب بما يعرف بـ"حبسة بروكا – broca aphasia". حينذاك تجد لدى الشخص بطئاً شديداً وتردداً قبل الكلام وثقلاً في اللسان، إذ يستخدم الأسماء بدلاً من الأفعال، ولا يستطيع الربط بين الجمل، بسبب بطء فهمه للأشياء أيضاً، إلا أن فهمه في هذه الحالة "رغم تأثره" لا يقارن بما يحدث عند الإصابة بـ"حبسة ورنيك" التي يقل فيها الفهم بدرجة أكبر بكثير، يقول سكوفل.

نحن نفكر بأفواهنا: كيف ذلك؟

الأفكار هي كلمات ومصطلحات تتردد في أذهاننا، وبالتالي فإن مصطلحات شخص أو مجتمع ما، تعبر عن الطريق الذي يمشي فيه، وعن الحياة التي يحياها أو يريد أن يحياها، وذلك ما يراه المفكر "الروماني – الفرنسي" أحد رواد الحركة الدادائية "تريستان تزارا"، الذي يقول: "إن التفكير صُنع في الفم -Thought is made in the mouth".

لكل كلمة في ذهن الإنسان ما يسمى بـ"logogen – لوجوجن"، وهي معلومات مخزنة ومتراكمة في الدماغ عن الكلمة، تقود إلى فهمنا للفظها. وترتبط "اللوجوجنات" بخلايا عصبية خاصة داخل شبكة ضخمة من الخلايا العصبية بالمخ، بحسب توماس سكوفل.

وإذا ما تم تنشيط تلك "اللوجوجنات" بأي طريقة (كسماع الكلمة أو قراءتها أو نطقها)، فإنها تعمل بالتوافق وبالتوازي مع لوجوجنات وخلايا عصبية أخرى لكي يتحقق الفهم.

وكلما كانت الكلمة كثيرة التكرار، حمل لها المخ أزنِدة (كزِناد البندقية) أكثر حساسية، فتنشط الكلمة وتنطلق بشكل سريع ومتكرر، على عكس الكلمات القليلة التكرار، والتي تحتاج إلى عتبات تنشيط عصبية عالية، وتأخذ وقتاً حتى نتفاعل معها، يقول الخبير في علم نفس اللغة.

ويؤكد سكوفل أن الأمر ينطبق على العبارات والجمل والنصوص، فكلما زاد استخدامنا لها، وفقاً لفهم معين، أصبح استرجاعها سهلاً، وبات هذا الفهم وهذه المعاني متجذرة في تفكيرنا.

بناءً على ما سبق، فإن المصطلحات اللغوية قادرة على أن تسبب تخلفاً أو تقدماً، نجاحاً أو فشلاً، سعادة أو تعاسة، بحسب "اللوجوجنات" التي يحملها هذا الشخص أو هذا المجتمع للكلمة. بل يصبح المجتمع الذي يحمل مصطلحات خاصة به وحدة، ذا خصوصية فكرية، عناوينها هذه المصطلحات. وهذه الخصوصية قد تسبب سعادته أو تعاسته، لأنها أصبحت تمثل جزءًا من تفكيره.

تقول رواندا بايرن في كتابها "السر – the secret" إن كل ما نفكر فيه نجذبه إلينا، فإذا كان تفكيرنا يتركز في التخلص من أمور سلبية فسيزداد الحال سوءاً، ولكن إذا كان تفكيرنا ينصب حول التركيز في أمور إيجابية، دون السماح للأفكار السلبية أن تداهمنا، فإن حالنا سيتحسن، وذلك بسبب قانون الجذب، الذي تعمل عقولنا وفقاً له؛ فالإنسان هو ما يحمل من أفكار، والأفكار الإيجابية تجذب إليها مزيداً من الأفكار الإيجابية، والعكس صحيح.

وتنقل بايرن عن ليزا نيكولس، إحدى رائدات التنمية البشرية، أن قانون الجذب لا يميز بين ما نريده وما نرفضه، ولكنه لا يفهم سوى جذب الشيء الشبيه بالكلمات التي تملأ حيز تفكيرنا فقط، فإذا كان تركيزنا على "مقاومة الفقر" فسنجلب لأنفسنا مزيداً من الفقر، وإذا كان تركيزنا على عدم الرسوب في الامتحان فسنجلب الفشل إلى أنفسنا.

أما إذا ملأنا عقولنا بـ"الثراء" وطردنا من تفكيرنا المصطلحات المعاكسة له فستجذب "الثراء" لأنفسنا، وإذا عشنا ذهنياً في النجاح، وحجبنا عن عقولنا أي شيء سواه فستجذب النجاح؛ فبقاء الكلمات السلبية في تفكيرنا، حتى ولو كنا نقاومها، سيجعل أثرها موجوداً في حياتنا، والعكس.

وكيف حال مصطلحاتنا العربية؟

لوجوجنات الألفاظ قد تختلف من زمن إلى آخر داخل البلد الواحد، ومن ثقافة إلى أخرى في الزمن نفسه. وفي السطور التالية نستعرض بعض هذه المصطلحات:

-كلمة "تمثال" في الحضارات القديمة كانت تشير إلى "إله"، كتماثيل أوزوريس وحورس وحابي في مصر، وزيوس وهرمس عند الإغريق، ومع ظهور الديانات الإبراهيمية وشيوعها في الشرق الأوسط وأوروبا أصبحت كلمة "تمثال" تشير إلى الكفر، وفي عصر النهضة أصبحت مرتبطة بالإبداع والفن، ولا يزال العالم يخلد مايكل أنجلو وليوناردو دافنشي، وفي عالمنا العربي يحظى محمود مختار وفتحي محمد قباوة، وغيرهما بكثير من التبجيل.

- "فنان/ة" كلمة كانت مرتبطة بشخص منبوذ وغير مقدر اجتماعياً في عالمنا العربي، خلال بدايات النصف الأول من القرن العشرين. ومن المعروف أن المحاكم المصرية لم تكن تقبل بشهادة الفنانين حتى ثورة يوليو 1952، وفقاً لمبدأ قانوني يقول: "الزمار والطبال وكل من يشتغل في اللهو لا يصح الاستماع إلى شهادته"، بحسب ما ذكر الكاتب والناقد الشهير رجاء النقاش.

وبعد ذلك، أصبح الفنان يكرم على أعلى المستويات في الدولة، وبات الكثيرون ينظرون إليه نظرة تبجيل أو إعجاب.

-"سياسة" كلمة لم تكن دارجة على لسان العرب حتى الغزو المغولي، بحسب ما ذكر المؤرخ الشهير تقي الدين المقريزي، في  كتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار"، إذ أوضح أن دولة المماليك استخدمت "الياسا"، وهي مجموعة التعاليم التي وضعها جنكيز خان لإدارة دولته، ثم حرّف العرب الكلمة إلى "سياسة"، وحينها كان رجال الدين يهاجمون الكلمة واستخدامها ويعتبرونها ضرباً من الكفر، لأنها ترمز إلى الحكم بما يخالف الشريعة، ولكن مع الوقت أصبحت أمراً واقعاً وتستخدم بأريحية حتى من قبل رجال الدين الإسلامي.

كلمات تختلف من ثقافة إلى أخرى

-"الثأر" كلمة ذات خصوصية شديدة في مجتمعنا العربي، ولها لوجوجنات شديدة النشاط داخل العقول العربية، وبسببها تراق دماء الآلاف بمعزل عن احترام القانون.

يقول المفكر المصري سلامة موسى في كتابه "دراسات سيكولوجية"، إن كلمات مثل الدم والعِرض والثأر قد أصبحت أسلوباً للاغتيال والقتل في صعيد مصر، وكان يمكن لهذه الجرائم أن تقل بل تزول "إذا ما توقف الناس عن ترديد مثل هذه الكلمات".

علماً أن محافظة أسيوط المصرية وحدها، شهدت سقوط 11 ألفاً و140 شخصاً، بين قتيل وجريح، خلال 20 عاماً فقط، بحسب إحصائية لمصلحة الأمن العام بوزارة الداخلية المصرية، أكدت أيضاً أن في تلك المحافظة وحدها 120 خصومة ثأرية.

وورث العرب عن أجدادهم عبارات مثل: "الثأر نقطة دم لا تتعفن ولا تسوس"، "الآخذ بثأر أبيه بعد أربعين سنة مستعجل". ويتداولون قصصاً كقصة قيس بن الخطيم، الشاعر العربي القديم، الذي يفتخر بأخذه بالثأر من قاتل أبيه، ويتلذذ بطعنته له:

طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر     لها نفذ لولا الشعاع أضاءها

ملكى بها كفي فانهرب فتقها         يرى قائما من خلفها ما وراءها

-كلمة "الشرف" ترتبط في أذهان الكثيرين بالعفة الجنسية فقط، رغم معانيها واستخداماتها المختلفة في اللغة العربية أو اللغات الأخرى، ويوظف البعض أشعاراً كالتي قالها المتنبي (لا يَسلمُ الشرفُ الرفيع من الأذى ... حتى يُراق على جوانبه الدم) لقتل من ينتهك هذا الشرف.

وبسبب ذلك، راجت "جرائم الشرف"، التي يرتكبها أهل السيدة أو الفتاة بحقها، بزعم تطهير أنفسهم من الدنس الذي طالهم منها، نتيجة سلوكها الجنسي المنحرف، رغم أن إحصاءات أكدت أن الكثيرات من الفتيات قتلن دون بينة أو دليل على ارتكابهن أية جريمة جنسية.

في الأردن ارتفع هذا النوع من الجرائم بنسبة 52% خلال عام 2016. وفي سوريا ارتفع عام 2016 بمعدل 4 أضعاف عما كان عليه قبل عام 2011، بحسب إحصاءات غير رسمية.

وفي مصر قدمت النائبة هالة أبوالسعد، عام 2016، بياناً عاجلاً إلى البرلمان، قالت فيه إن مصر من أكثر الدول التى تتزايد فيها "جرائم الشرف"، رغم أن الإحصاءات أكدت أن 60 % من هذه الجرائم، وقعت بتأثير سوء ظن الجاني، وأن ضحيته كانت بريئة.

وفي العراق تعددت التقارير والتحقيقات التي تؤكد أن جرائم الشرف في ارتفاع، إلا أن الجهات الرسمية تعوق إعداد إحصاءات رسمية بخصوص هذا الشأن، وتسجل النساء اللواتي يُقتلن على أيدي ذويهن، على أنهن توفين نتيجة أسباب أخرى.

- "القانون" كلمة تبدو محترمة، ولكنها منبوذة بين الكثيرين في مجتمعاتنا العربية، على عكس مجتمعات أخرى، وما يدل على ذلك تراجع الدول العربية على مؤشر احترام القانون وغياب بعضها عنه، على مدار سنوات مختلفة، وآخرها مؤشر "2017-2018"، الذي جاءت فيه مصر، أكبر الدول العربية من حيث عدد السكان، في المركز 110، من أصل 113 دولة يرصدها المؤشر حول العالم، لكن الإمارات العربية حصلت على ترتيب متقدم نسبياً باحتلالها المركز 32.

في النهاية، نحن مضطرون لاستلهام وصية سلامة موسى إلى من سماهم المفكرين والأدباء والعلماء، لاختراع كلمات جديدة تحمل شحنات اجتماعية تعبر عن النهضة والتمدن والفكر، وتجعل شعوبنا تحيا الحياة العصرية، وتكتسب وجهة نظر جديدة للإنسان والمجتمع والكون.

كلام سلامة هذا رافق كتابه "دراسات سيكولوجية" عام 1956، لكنه ربما لو كان موجوداً اليوم لوجه كلامه لصناع الإعلام الذي بات أقوى تأثيراً من أي عصر مضى.


المصدر: رصيف 22

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي