احمد علاء
حجم الخط :
عدد القراءات
850
2018/4/26 12:41:18 PM

ستجري الانتخابات البرلمانية العراقية لعام 2018 التي ستجد في الوقت نفسه، الاستمرارية والتغيير في جو مثير للانقسام. الانتخابات ستجري في ظل دمار خلفه النزاع ضد داعش والانقسامات الخطيرة داخل البيت الشيعي الحاكم. ونتيجة لذلك، فإن تصويت الناخبين في 12 آيار، سيكون بمثابة اختبار لمزاج البلاد عقب سنوات قليلة من الاضطراب. 

 

وباستثناءات قليلة، سيهيمن على الائتلافات الانتخابية نفس اللاعبين الذين ترأسوا الساحة السياسية منذ انتخابات 2006. وبينما تبقى الوجوه على حالها، يمكن حدوث تغييرات كبيرة في تشكيلات الائتلافات - وأبرزها هو تجزئة القوة المهيمنة في المشهد السياسي  الشيعي.

الائتلاف الشيعي

في عام 2014، تنافست الأحزاب الشيعية على المقاعد البرلمانية من بثلاث قوائم وهي، ائتلاف دولة القانون بزعامة حزب الدعوة بقيادة نوري المالكي الذي انضم اليه منظمة بدر والمجلس الاعلى الاسلامي وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر. 

 

وبعد عدة محاولات فاشلة من قبل الفرقاء، فإن انتخابات 2018 ستكون مزدحمة بخمس تحالفات شيعية، تحالف النصر بقيادة رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، وائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وتحالف الفتح بقيادة امين عام منظمة بدر هادي العامري، وتحالف الحكمة بقيادة عمار الحكيم، ومزيج من المرشحين العلمانيين والشيوعيين والاسلاميين بقائمة انتخابية يرعاها مقتدى الصدر. 

 

وهناك مفاجآت في هذا التشكيل الجديد، والأهم من ذلك انقسام حزب الدعوة الى كيانين انتخابيين هما “ائتلاف النصر” و “ائتلاف دولة القانون”. 

 

وكان حزب الدعوة الحاكم الفعلي للعراق منذ عام 2005، عيّن العبادي في عام 2014 رئيساً للوزراء، بعد صراع على السلطة مع سلفه نوري المالكي. وتسببت هذه الانقسامات المستمرة بين الطرفين المنشقين في الحزب الى الخروج بقائمتين انتخابيتن منفصلتين. 

 

ونتيجة لذلك، شكّل المالكي والعبادي تحالفان منفصلان، لا يحمل اي منهما اسم حزب الدعوة، وكان على مرشحي الحزب الاختيار بين الاثنين، لذلك فضّل الحزب الابتعاد عن الانتخابات تلافياً للخلاف بين المرشحين الاثنين، وهذا يعد انتكاسة كبيرة للحزب، فيما يرى بعض الاعضاء ان يكون هناك اصراراً على توحيد الحزب بعد الانتخابات. وقد يكون هذا املاً عتيقاً فالعديد من الشيعة لن يندموا على رؤية حزب الدعوة وهو يضعف، ويتخلى عن قبضته للسلطة.

 

المجلس الاعلى الأسلامي هو الآخر تعرض الى انقسامٍ واضح. فلعقود من الزمن، كان المجلس الاعلى منافسًا بارزًا لحزب الدعوة، لكنه ضعف بشكل كبير على مر السنين. وفي عام 2012، انفصلت منظمة بدر الذراع العسكري للمجلس الاعلى، لتنضم في عام 2014 الى ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي. 

 

التوترات تكمن بين الوريث الشاب عمار الحكيم وقيادته للمجلس الاعلى حينذاك، والصقور القدماء للحزب، حتى وصل الحال في تموز من العام 2017، الى خروج الحكيم من المجلس الاعلى بسبب الضغوط الهائلة من الجيل الاكبر منه سناً، فراح مشكلاً تيار الحكمة، فيما توحد التقليديون للمجلس الاعلى مع القوى السابقة  - منظمة بدر - تحت مظلة ائتلاف الفتح. 

 

ويعدّ تحالف الفتح ذات الغالبية من فصائل الحشد الشعبي، نتاج جيد بالانتخابات، مستفيداً من شعبيته في القتال ضد داعش وتحريره الاراضي وتأمينه اطراف بغداد، فضلاً عن تقديمه مئات الشهداء منذ عام 2014. ومن المتوقع ان يرسم الناخبون بعيداً عن الائتلافات الشيعية ويلعبوا دوراً حاسماً في تشكيل الحكومة الجديدة. 

 

مقتدى الصدر، الذي أعدّ مفاجأة كبرى، حين قاد حملته لمكافحة الفساد والداعي بالوقت نفسه الى (اقتلاع) السياسيين الفاسدين غير الفعالين واستنكار الطائفية، كانت رسالته الشعبوية تتصاعد وتحظى بصدى واسع بين العراقيين الذين سئموا من السياسيين الذين يخدمون مصالحهم فقط. 

 

وفي ائتلافٍ غير محتملٍ، شكّلت الحركة الصدرية تحالفاً نادراً مع الحزب الشيوعي، وتأتي هذه الشراكة بعد عامين من التنسيق بين الصدريين والشيوعيين في تنظيم مظاهرات مناهضة للفساد والطائفية في المدن الكبرى. 

 

ظهر الصدر، مثل الشيوعيين، صوتاً قوياً ضد الوضع السياسي الراهن، وانضمت اليه مجموعات سنية علمانية صغيرة، مما منح قائمة الصدر الانتخابية طابعاً عابراً للاديان وهو الأكثر وضوحاً من القوائم الأخرى. 

 

ماذا يعني هذا التكوين من الفرقاء من حيث الأصوات؟. في عام 2014، حصلت الائتلافات الشيعية على 155 مقعداً برلمانياً. دولة القانون وحدها حازت على 92 مقعداً والمجلس الاعلى على 29 مقعداً والصدريين 28 مقعداً بالاضافة الى ستة حلفاء آخرين. كان هذا أقل من العدد المطلوب لتحقيق الاغلبية، لذلك احتاجوا دعم الاكراد للوصول الى الاغلبية. 

 

وفي الانتخابات القادمة، سيتم تشتيت التصويت الشيعي بين خمسة بدلاً من ثلاثة ائتلافات، ولا يتوقع احداً الفوز بأي منها بعددٍ كبير. ويتوقع مراقبون ان تكون قوائم النصر ودولة القانون والفتح ان تحقق نتائج متشابهة تقريباً، مما يؤدي هذا الحال الى مساومات بين المنافسين الشيعة، وهذا سيجعلهم اكثر اعتماداً على دعم الائتلافات السنية والكردية في تشكيل الاغلبية. 

المنافسون السنة

لطالما كانت القيادة السنية التقليدية مقسمة - اكثر من نظرائهم الشيعة - وتواجه تحديات غير مسبوقة. 

 

المحافظات السنية التي تضررت بشدة على يد داعش تشعر بأنها مهجورة من قبل سياسييها. واثارت عمليات الاغاثة من النازحين واعادة الاعمار ما بعد داعش اتهامات بالاستغلال. لكن الزعامات السنية في قائمتين اساسيتين. 

 

أسامة النجيفي، احد نواب رئيس الجمهورية الثلاثة، شكّل ائتلافه مع شقيقه اثيل النجيفي، محافظ الموصل السابق، اللذان سيخوضان ائتلافاً في الانتخابات بالموصل وغيرها من المحافظات التي يهيمن عليها السنة، لكنهما لا يتمتعان بالقاعدة الجماهيرية.

 

سليم الجبوري، رئيس البرلمان العراقي وصالح المطلك النائب السابق لرئيس الوزراء، انضما الى ائتلاف اياد علاوي. واصبح ائتلاف الاخير - تحالف الوطنية - مع شعاره المناهض للطائفية، ملاذاً للسنة البارزين كما هو الحال في عام 2010 حين فازوا بمجموع مقاعد البرلمان. اما السنة الآخرون البارزون بمن فيهم رجل الدين عبد اللطيف حميد، فقد عبروا الانقسام الطائفي وانضموا الى ائتلاف العبادي. 

 

ادى عدم الرضا بين السياسيين التقليديين، لاسيما في الموصل والانبار الى فراغ في القيادة، لذلك يتم ملؤه من قبل القادمين الجدد من الجماعات القبلية والمدنية. وقد ظهرت تحالفات خاصة في المحافظات السنية.

الاحزاب الكردية

عقب تفكك الاتحاد الوطني، نما حزب التغيير الكردي فضلاً عن ظهور احزاب منشقة لذلك لم يعد الاكراد يمثلون جبهة واحدة. 

 

كان الأكراد - على عكس السنة المشتتين على الدوام - هم الثقل الحاسم في التوازن السياسي العراقي، وهو أمر حاسم في تعيين رؤساء وزراء جدد. في حين بقي الحزب الديمقراطي الكردستاني على حاله، بينما يعاني الاتحاد الوطني الكردستاني من صراع داخلي وانشقاقات، مما أدى إلى نشوء عدد من الأحزاب الصغيرة، أبرزها حركة  التغيير، ومؤخراً، حزب الديمقراطي والعدالة بقيادة برهم صالح، وهو مسؤول كبير سابق في الاتحاد الوطني الكردستاني.

 

وإذا ما عاد الأكراد إلى جبهتهم الموحدة بعد الانتخابات من أجل الحفاظ على مصالحهم في المفاوضات مع الحكومة الاتحادية، سوف يستأنفوا دورهم في تشكيل حكومة جديدة.

ما بعد الانتخابات

الانتخابات البرلمانية العراقية تتعلق بإختيار رئيس للوزراء، فضلاً عن انتخاب اعضاء برلمان، وهذا ما يحدث في عملية التفاوض، وهنا تدخل عملية “لي الأذرع” بعد كل انتخابات، وبشكل اساسي في البيت الشيعي.

 

هناك عدة سيناريوهات ممكنة، اعتمادًا على عدد من المتغيرات ومنها، عدد الأصوات التي يتلقاها القادة الافراد، وقدرة ايران على إقناع التحالفات الشيعية والضغط عليها، وهذا يتوقف على قدرة الجماعات الكردية على تشكيل جبهة واحدة لتوفير عامل التأرجح وهي مدخلات قد تمتلكها امريكا.

 

سيستفيد الايرانيون من نفوذهم  لتوحيد الائتلافات التي يقودها الشيعة. والسيناريو الأكثر طموحاً بعد الانتخابات سيضم ما لا يقل عن اربعة تحالفات، وهو عدد كبير لتحقيق الاغلبية البرلمانية، بحيث يتطلب دعماً ضئيلاً من السنة والاكراد لتحقيق اغلبية عامة بالبرلمان.

 

في عام 2014، لم يكن من الصعب على ايران إقناع الائتلافات الشيعية الثلاثة تجاوز اختلافاتها وتوحيدها تحت راية “التحالف الوطني”. بينما في عام 2018، وعلى الرغم من التنافس بين المالكي والعامري، يجب ان يكون من السهل إقناع الائتلافين “دولة القانون” و “الفتح” وكلاهما له علاقات وثيقة مع ايران لتشكيل الحكومة.

 

تحالف الحكمة بقيادة الحكيم ربما هو الأضعف، وقد لا يكون لديه خيار سوى الأنضمام مع تحالفات كبيرة. والأقل احتمالاً، ان ينضم الحكمة لتحالف العبادي، والاقل من ذلك ان ينضم الى تحالف مقتدى الصدر، لكن هذا ضعيف جداً بسبب وجود الشيوعيين مع الصدر. 

 

واذا كانت ايران غير قادرة على التوافق بين العبادي والمالكي والعامري، في تحالف كبير، فستكون النتيجة معسكرين شيعيين قويين، احدهما يرأسه العبادي والآخر المالكي والعامري لاسيما ان الثلاثة يطمحون الى رئاسة الوزراء.

 

وربما يكون الصدر العامل الأهم في تحديد المعسكر الأقوى، لتمتعه بفرصة تشكيل تحالف حاكم. وعلاةً على ذلك، سيحتاج المعسكر الى استمالة عدد كبير من السنة والاكراد لتشكيل اغلبية برلمانية، والاحتمالات ستكون على مصراعيها. 

 

الأكراد، الذين لعبوا دوراً حاسماً في اختيار رئيس الوزراء في عامي 2010 و2014، مازال بإمكانهم التأثير على الاختيار. وقد يتسبب هذا في نشر اخبار سيئة لعدة اطراف. 

 

الغضب من العبادي بسبب موقفه المتشدد عقب الاستفتاء الفاشل، والخوف من تدخل الحزب الديمقراطي للاراضي يسيطر عليها الاكراد والتجارب المريرة مع المالكي على مدى ثمان سنوات، قد يدفع الاكراد الى تفضيل مرشح جديد. 

 

وفي المقابل، يرى السنة ان العبادي الاقل طائفية والاكثر تصالحية واستجابة لاحتياجات السنة، المرشح الأكثر حظاً لدعم السنة ضد المالكي والعامري.

 

واذا سلمنا جدلاً وتحققت نفس نتائج الانتخابات السابقة، فهناك امران ثابتان هما: المرشح لرئاسة الوزراء سيكون من التحالفات الشيعية حصراً. ويجب ان يحظى بمقبولية ايران والولايات المتحدة. وهذا النمط كان معمولاً به في انتخابات 2010 و2014 حين بدا أن ايران والولايات المتحدة متفقتين ضمنياً على رئيس الوزراء السابق. 

 

العديد من التطورات بمثابة حوافز لايران لرؤية حليف قوي لها في بغداد، وينظر الى التوترات المتزايدة مع الولايات المتحدة ووجود قوات امريكية في العراق على انها تهديد وجودي من قبل ايران. 

 

وبالمثل، فإن العلاقة الدافئة بين السعودية وبغداد مؤخراً يمكنها ان تقوض النفوذ الايراني. لان مشاركة ايران في سوريا وطموحها في انشاء طريق ممتد من العراق حتى البحر المتوسط، يدفعها الى تعميق العلاقات مع حكومة قوية في بغداد، اذ تحتاج ايران الى حليف قوي في بغداد لتأمين مصالحها الاقتصادية. 

 

وفي المقابل، يبدو ان الموقف الامريكي الحالي في العراق يركز على محاربة الارهاب اكثر من تركيزه على بناء تحالف طويل الامد، وهذا سؤال مفتوح بشأن مدى النفوذ الامريكي الذي ترغب فيه واشنطن بتحقيقه بعد انتخابات آيار، مقارنةً بوجودها ونفوذها في عامي 2010 و2014. 

 

وهنا، حاول رئيس الوزراء العراقي إتباع سياسة التوازن بين واشنطن وطهران على مدى السنوات الاربع الماضي، معلناً مراراً ان العراق يجب الا يصبح ساحة حروب بالوكالة بين هذين البلدين. ويمكن لنتائج انتخابات آيار ان تقود العراق الى اتجاهين: الاستمرار في الطريق المحايد المتمثل بـ “العبادي”، او اتباع سياسات اكثر نحو الشرق!.


المصدر: Atlantic Council 

ترجمة وتحرير: أحمد علاء

 

 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي