ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
233
2018/5/24 10:08:00 AM

اختار العراقيون ممثليهم في البرلمان في ظل انقسامات سياسية نتيجة تعدد الطوائف والإثنيات والقوميات ونزاعات وصراعات إقليمية ودولية في المنطقة على النفوذ، وفي ظل توافق سياسي هش في بلد خارج من حرب طاحنة ضد تنظيم «داعش» مازالت آثار عودته ممكنة.

أبرز ما سجلته الانتخابات البرلمانية العراقية، التي لا تشبه سابقاتها يمكن تلخيصه بالآتي:

٭ اختفاء الكتل الكبيرة المتشكلة على أساس طائفي (شيعي - سني) وقومي (عربي - كردي). ومجلس النواب المنتخب سيتكون من عدد مضاعف من الكتل، لكن بأوزان أدنى، فالكتلة الشيعية الكبرى (الائتلاف الوطني) ليس مرجحا أن تعاود الظهور بعد الانشقاقات العديدة التي ضربتها، والكتلة السنية انشطرت هي الأخرى، وتوزعت جماعاتها ما بين قوائم طائفية صغيرة، أو ذهب بعض زعمائها إلى «ائتلاف الوطنية» بزعامة إياد علاوي. الأكراد الذين أظهروا في الماضي تجانسا أفضل من سواهم تفتتت وحدتهم، ولم يعد التحالف الكردستاني مظلتهم الموحدة. صار لكل حزب قائمة سيكون تمثيلها ضعيفا داخل البرلمان المقبل، وستسعى للالتحاق بالكتل الشيعية أو السنية لتضمن دورا في الحكومة المقبلة.

٭ مقتدى الصدر الذي حل مع تحالف «سائرون» أول في الانتخابات بات دستوريا يمسك بخيوط اللعبة السياسية، ويحتاج الصدر الذي يعارض النفوذ الإيراني والأميركي إلى موافقة الكتل الأخرى لاختيار رئيس الوزراء. إلا أن الولايات المتحدة وإيران ألقتا بثقلهما لتقرير ماهية التحالفات التي ستحدد عراب الحكومة المقبلة.

٭ نسبة المقاطعة أو العزوف التي كانت من سمات كل العمليات الانتخابية السابقة، ارتفعت هذه المرة بدرجة لافتة، فقد هبطت نسبة المشاركة من 60% في انتخابات 2014 إلى أقل من 50%، ويرجع ذلك في جزء منه إلى عدم قدرة الكثير من النازحين العودة إلى مناطقهم، وقرار بعض الناخبين في بعض المحافظات العراقية ذات الأغلبية الشيعية لزوم منازلهم وعدم الإدلاء بأصواتهم. وهو ما كان متوقعا ومثل عقوبة من الشعب للقوى المتنفذة، وبخاصة قوى الإسلام السياسي، التي شعر الجمهور الذي ادعت تمثيله بأنها قد خذلته بعد 15 عاما من توليها السلطة.

الانتخابات البرلمانية في العراق لم تلق إقبالا. وهو دليل قاطع على اعتراض الناس العاديين على النخب التي تستأثر بالحكم والسلطة، ويأسها من القدرة على التغيير عبر الصناديق. ولكن على رغم ضعف الإقبال على الاقتراع، تبدلت خريطة القوى. لذلك، كثرت الاعتراضات على النتائج التي تأخر إعلانها. وعلت أصوات المعترضين هذه المرة مطالبين بإلغاء الاستحقاق والعودة مجددا إلى انتخابات أكثر شفافية. لكن هؤلاء أنفسهم يخوضون في المقابل مساعي محمومة من أجل تشكيل التكتل الأكبر الذي سيكلف تأليف الحكومة الجديدة. فللمرة الأولى ليست هناك كتلة كبيرة أو كتلتان تحوزان العدد المطلوب من النواب وهو أكثرية أعضاء المجلس، أي ما يتجاوز نصفهم بواحد (165 نائبا) أو أكثر. وليس هناك ما يشير إلى نجاح كبير سيحققه الجنرال قاسم سليماني الذي أوفدته طهران إلى بغداد في تدارك تداعيات تراجع أقرب حلفائها، أو في بناء تحالف واسع يقطع الطريق على دور مقتدى الصدر في تحديد شكل الحكومة المقبلة.

تقدم تيار «سائرون» الذي قاده الصدر هز كرسي سليماني في بغداد. لكنه لا يعني أن إيران باتت «خارجا» كما نادى وينادي كثير من القوى العراقية. صحيح أن نوري المالكي حليفها الأول تراجع كثيرا أمام خصميه اللدودين حيدر العبادي والسيد مقتدى. لكن الصحيح أن تحالف «الفتح»  حقق نتائج أفضل من «دولة القانون» وجاء في المرتبة الثانية. والصحيح أيضا أن كل الحكومات التي أدارت البلاد بعد الغزو الأميركي في العام 2013 كانت وليدة تفاهم بين واشنطن وطهران. بل كانت للأخيرة الكلمة الفصل في التجديد للمالكي ولاية ثانية في العام 2010، متجاوزة إياد علاوي صاحب الكتلة الأولى في انتخابات ذلك العام. والسؤال هل ستتمكن القوى السياسية من وقف مثل هذا التدخل اليوم؟ وهل سيتمكن الصدر وشركاؤه من بناء تحالف تكون له الأكثرية ويكون قادرا على التحرك بعيدا عن نفوذ إيران والولايات المتحدة؟

واضح أن واشنطن ترغب في بقاء العبادي على رأس الحكومة بالتحالف مع التيار الصدري وقوى أخرى بعيدة من محور إيران. لكن هذه ستكون حاضرة ولا يمكن تجاهل قدرة مناصريها وميليشياتها ونفوذهم. فهل يفرض هذا الحضور نفسه في ترسيخ سياسة «النأي بالنفس» التي يرددها العبادي كلما احتدم الصراع بين واشنطن وطهران؟ وهل يعود الجميع إلى صيغة المحاصصة بقيام حكومة شاملة لكل القوى على اختلاف توجهاتها؟ دفعت الاحتجاجات الشعبية في السنتين الأخيرتين معظم القوى والأحزاب الدينية إلى تبديل شعاراتها، وخلع عباءتها، علما أن قوى في «سائرون» لا يروق لها التجديد للعبادي الذي تأخذ عليه عجزه عن تحقيق الإصلاحات والخروج من أسر التدخلات الخارجية.

وعلى الرغم من أن احتمال قيام الصدر بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة بات واردا بعد فوز تحالفه (54 مقعدا)، متقدما على قائمة «الفتح» بزعامة هادي العامري (47 مقعدا)، وائتلاف «النصر» بزعامة العبادي (42 مقعدا)، فإن استبعاد الصدر ليس مستحيلا، لأنه عقب كل انتخابات تشريعية تدخل الكتل الفائزة في مفاوضات طويلة لتشكيل حكومة غالبية، تؤدي الى عدم قدرة الكتلة الأولى الفائزة في الانتخابات التشريعية على تشكيل حكومة بفعل تحالفات بين الكتل البرلمانية. لذا، من الممكن قانونيا ودستوريا بالشكل النظري استبعاد «سائرون» من التشكيلة الحكومية، على غرار ما حصل في العام 2010 بتشكيل تحالف برلماني يجمع العدد الأكبر من المقاعد البرلمانية، ويسمي رئيس مجلس الوزراء.

وعدم رغبة الصدر في العمل مع «الفتح» و«دولة القانون»، سيدفع بإيران إلى ممارسة ضغوط لضمان حصولها على مقعد حول الطاولة، وقد يترجم ذلك في شكل حكومة توافقية مع جميع الأطراف المعنية، من دون معارضة برلمانية رسمية. وثمة من يشير إلى عجز الصدر عن تثبيت حكمه، نظرا إلى حجم كتلته المحدود بعيدا من «سائرون»، وإمكانية فرطها لاحقا، الأمر الذي يسهّل الطريق أمام حيدر العبادي كي يكون بيضة القبان، ومنه رئيس الحكومة، خصوصا أنه لا يزال يملك الأفضلية بين الأسماء المرشحة لرئاسة الوزراء.

لن تتشكل الحكومة العراقية بسهولة، وتغريدة الصدر الشهيرة التي جمع بها أطراف تحالف محتمل مع العبادي وعلاوي وبارزاني والحكيم وآخرين، لن تكون كافية لإعلان مثل هذا التحالف، تماما كمساعي قاسم سليماني لجمع المالكي والعامري في تحالف برئاسة الأخير. صعوبة القضية وتعقيدها لا يتعلقان بنتائج الانتخابات فقط، بل بطبيعة المرحلة التي يمر بها العراق وخطورتها. يمكن القول إن الانتخابات أفرزت خريطة معقدة جدا، ويبدو أن تشكيل الحكومة العراقية لن يتم من دون توافقات إقليمية ودولية، فإيران الممسكة بكثير من خيوط اللعبة في العراق تبقى عاملا مهما في هذا المشهد. أما أميركيا، فإن الموقف يبدو صعبا في الاختيار بين التحالفين اللذين حلا في المركز الأول والثاني وينظران إلى السياسة الأميركية على أنها مصدر الشر والمتسبب في كل الأزمات ليس عراقيا فحسب بل وإقليميا. كل هذه التقاطعات ستلقي بظلالها الكثيفة على عملية تشكيل الحكومة وقد تتسبب في تأخير تشكيلها وخارج الأطر الدستورية التي حددها الدستور العراقي

المصدر:جريدة الانباء الكويتية

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي