سلمان رشيد محمد الهلالي
حجم الخط :
عدد القراءات
157
2018/6/2 10:59:06 AM

قليلون من ابناء هذا الجيل الجديد يعرفون ان هناك ظاهرة كانت منتشرة عند اجدادهم وربما ابائهم اسدل الستار عنها مؤخرا وتلاشت تدريجيا في الستينات والسبعينات ولم يبقى منها الا شذرات هنا وهناك وهى ظاهرة (الفطارية) . والفطارية اصطلاح شعبي عراقي يعني التصرف والسلوك غير العقلاني او التعليق والكلام الساذج غير المحسوب العواقب والذي يتميز بالطرافة . والفطارية تنقسم الى قسمين : فعل او سلوك غريب غير طبيعي وكلام او تعليق طريف . وليس كلام او تعليق فقط - كما هو شائع – والفطارية كلمة مشتقة من (الفطرة) الحسنة والسليقة . فيما يطرح البعض رايا بانه مشتق من العجين او الخبز غير المختمر الذي يطلق عليه الفطير , كما يطلق العراقيون على الرقي غير الناضج تسمية الفطير , والدلالة ازحيت لوصف الانسان غير الناضج او غير العاقل ويتصرف على الفطرة . واعتقد ان الفطارية تبلورت في المجتمع العراقي نتيجة لصدمة الحضارة او الحداثة التي انتابت المجتمع بعد تاسيس الدولة عام 1921 والتناشز الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي سبق ان ذكره الدكتور علي الوردي كاحد الاقانيم الثلاث في تفسير الشخصية العراقية . وقد بين رحمه الله بان التغيير والتطور الاجتماعي في العراق لم يكن يسير على وتيرة واحدة , فهناك تطور في مجال معين وتاخر في مجال اخر , ويبدو ان هذا التناشز جعل الكثير من العراقيين يتصرفون وفق سلوك متناقض من الفطرة من جانب والتصرف المدني من جانب اخر , مما افرز عندهم نوعا من السلوكيات الطريفة والمضحكة (تتجلى بصعوبة استيعاب الواقع الجديد وتفسيره ). ويبدو ان هذا الراي يفسر لنا السبب الذي يقول ان كلمة (الفطير) كانت تطلق في البدء على (البغادة) الاصليين او اهل بغداد المتحضرين , لان التناشز الاجتماعي قد تبلور في بادىء الامر عندهم , بسبب الريادة في تلقى مظاهرالحضارة وصدمة الحداثة , وبالطبع انتشر لاحقا عند الالوية والمحافظات الاقرب لها في بادىء الامر مثل الحلة والكوت وديالى والانبار وصلاح الدين , التي توصف بانها محافظات فاقدة للهوية وتعاني من التناشز الاجتماعي بافراط , لانها متقدمة جوانب اجتماعية عديدة ومتاخرة في اخرى , حتى ان لهجتها وسلوكها يجمع التناقض بين بيئة الجنوب والشمال من جهة او بين بيئة بغداد من جهة اخرى . وقد علق الاستاذ والباحث كاظم القاضي على هذا الموضوع بالقول (الحلة والكوت من المدن العراقية التي يكثر فيها النبط ولعل التناشز الثقافي بينهم وبين الاعراب اوحى بهذه الصفة (الفطارة) او (التغافل)) . 
والفطارية هو سلوك وتعليق طريف غير عقلاني يختلف عن مفهوم (الخبال) والرعونة الرائج ايضا عند كثير من العراقيين , والذي يعني التصرف العنيد والتعليق غير العقلاني الذي يكون بوعي واصرار ويفرز عواقب وخيمة وليس عفوي كما هو عند الفطير. 
المفارقة ان اول عراقي وصف نفسه (فطير) – حسب علمي على الاقل - هو الشاعر محمد مهدي الجواهري في مذكراته (الجزء الاول) , وذلك في معرض وصف سلوكه الساذج ابان تعينه موظفا في البلاط الملكي في عهد الملك فيصل الاول ,وكيف انه كان يجلس مع الملك وضيوفه الكبار من الاعيان والاشراف دون سبب , والملك ينظر اليه تلميحا بالخروج وهو لم يحرك ساكنا . واما الشاعر احمد الصافي النجفي فقد تعرض الى موقف محرج من احد (الفطر) في بغداد , فبعد ان اخذ ينشر قصائده البديعة في مدينته النجف , واصبح اسمه لامعا في تلك الاوساط الادبية , عزم على السفر الى بغداد من اجل اثبات قدرته وترسيخ اسمه ,وتوقع ان يكون الترحيب به لافتا وكبيرا , فوصل الى بغداد وجلس في احدى المقاهي بالعلاوي فاقترب منه احد الرجال وقال له : الاخ من النجف ؟. ففرح الصافي وتوقع ان يعرفه كشاعر , فقال مستبشرا نعم من النجف , فقال الرجل (بروح ابوك شلون اسعار المطايا عدكم؟!!!) فاصيب الصافي بصدمة وعاد الى النجف بنفس السيارة .
يذكر جعفر الخليلي في كتابه (هكذا عرفتهم) ان اكثر المناطق عندهم فطارية سابقا هم اهل الحلة , وذكر ن البعض يقول ان سبب ذلك هو اكلهم للباقلاء (الباكلة) (الباجلة بلهجة اهل الجنوب) . وطبعا نحن لانعرف كيف ان الباقلاء تورث الفطارية ؟ ولانعرف ايضا لماذا اهل الحلة يغضبون ويصابون بالتوتر والحنق سابقا عند ذكر الباقلاء ؟ وقد عثرت على قصيدة لجلال الحنفي تعبر عن اهدائه لمسبحة من الباقلاء للسيد هادي كمال الدين مؤلف كتاب (فقهاء الفيحاء) الذي امتعض منها بشدة . وذكر الخليلي بهذا المجال قصصا عدة حول ظاهرة الفطارية عند اهل الحلة منها : ان السيد مهدي القزويني كان يسكن الحلة وصادف ان زعل عليهم لقضية معينة وانتقل للسكن في كربلاء , فجاء وفدا من الحلة بلغ عددهم المئات , واعتذروا للسيد واصروا على نقله على رؤوسهم من كربلاء للحلة - وهى طبعا مسافة طويلة تقارب الخمسين كيلو متر – وفعلا حملوه على رؤوسهم وساروا به , الا انه رفض هذا السلوك وطلب منهم انزاله وقال انه غير زعلان وتوسل بهم , الا انهم ان احد الاشخاص من اهل الحلة قال له (مولانا انت ليش ماتقبل؟ ياما اكو ناس انكس منك وشلناهم على روسنا!!!) فقال السيد رجعوني لكربلاء !!. 
وقال الخليلي ايضا : ان رجلا من الحلة عنده ثور ابيض وثور اصفر يحرث بهما الارض , وكان الابيض يراوغ بالعمل ويعبث , فيما كان الاصفر يعمل بانتظام , الا ان الرجل الحلاوي كان يضرب الثور الاصفر ويترك الابيض , وعندما قيل له لماذا تفعل ذلك ؟ قال لان الاصفر يغمزلوا !!!
وطبعا هناك الالاف من القصص التي يذكرها العراقيون حول ظاهرة الفطارية الموجودة سابقا في مدنهم وعشائرهم , الا انها للاسف اخذت بالانقراض والنسيان , ليس بسبب وفاة اغلب الناس الذين عاصروها فحسب , بل لان الكثير منهم اصبح يتحرج من ذكر تلك القصص او التعليقات الساذجة , وخاصة من قبل ابنائهم من هذا الجيل الجديد الذي يحمل تضخما كبيرا من النرجسية والكبرياء الفارغة . كما ان الصراع والتنافس المذهبي والقومي والاثني يجعل ادراج تلك القصص وذكرها بمثابة نقطة ضعف , او موقف لايصب في صالح العشيرة او الطائفة او الاثنية وغيرها , قد يستغلها الاعداء المفترضين او الاخر المخالف بالهوية والتوجه لصالحه في اقصاء وتشويه والنيل من تلك الهوية وركائزها وتضامنها العضوي . وسنقوم بذكر بعض تلك المواقف والتعليقات والقصص التي تدل على الفطارية عند العراقيين منها :
ان اثنين من تجار النصر (وهى ناحية في محافظة الناصرية) ذهبا الى بغداد من اجل شراء البضائع من جهة وزيارة الامام الكاظم من جهة اخرى , الا انهما صادفا بيتا من كبيرا يتكون من طابقين وخلفه نخلة عالية جدا , فتراهنوا على ان هذه النخلة هل هى مزروعة بالطابق الاول ام الثاني ؟ فاتفقوا على سؤال صاحب البيت فطرقوا الباب ظهرا وقالوا له عمي هاي النخلة مزروعة بالقاط الاول لو الثاني؟!!! (كان اهل الجنوب يطلقون تسمية القاط على الطابق) فاصيب صاحب البيت بالهيستريا وحدثت بينهم مشاجرة وقالوا له : احترم نفسك انت ماتعرفنه ؟ احنا تجار النصر!! .
والثانية : هى ان اثنين من اهل ناحية النصر ذهبا الى بغداد من اجل زيارة الامام الكاظم , ويبدو ان هذه الزيارة الاولى لهما لانهما لايعرفان مكانه تحديدا , وصادف مرورهما في الاعظمية ووجدا مقام الامام الاعظم ابو حنيفة النعمان بن ثابت على ضفة نهر دجلة والذي لايفصله عن مرقد الكاظم سوى جسرا خشبيا انذاك تحول الى جسرا حديديا في الخمسينات , اطلق عليه (جسر الائمة) . فدخلا الى مرقد الامام الاعظم (الذي يطلق عليه اغلب العراقيون تسمية المعظم) الا انهم تحيروا بعد ان وجدوا المرقد فارغا تماما من الناس , عدا رجل دين اعمى يرتدي الطربوش الاحمر يجلس بقربهما , كما انهم يعرفون جيدا ان مراقد ائمة الشيعة مزدحمة بالزوار ,فاخذوا يتكلمون فيما بينهم بصوت عال دون مراعاة لرجل الدين السني الجلس بقربهم (اكلك اشو هذا خالي ؟ خاف هذا مو الكاظم ؟ هذا المعظم) فاجابه الاخر بفطارية (اكول ليش متروس ذروك ؟؟ غير يكولون حمام الكاظم ياكل بالكاظم ويذرك على المعظم !!!) (الذروك كلمة شعبية عراقية تعني فضلات الطيور) , فسمعهما الرجل الاعمى واصابه غضب شديد , واراد ان يضربهما بالعصى الا انه اعمى ولم يرى مكانهما جيدا , فاخذ يضرب يمينا وشمالا وهو يسبهما ويلعنهما ويصرخ باعلى صوته (هتلية ... سفلية ), فما كان منهما الا ان ولى هاربين بسرعة !! وبالطبع ان كثير من العراقيين سوف يمتعضون من هكذا قصص فيها اشارات قد تفسر طائفيا , ولكننا كنا سابقا نسمع هذه القصص دون الوعي او الاهتمام بتلك الاشارات , فالمجتمع كان يتناقلها على الفطرة الحسنة , كما ان الكثير من هذه القصص والنوادر ايضا موجود في الجانب الشيعي , ومنها ان جماعة من الشطرة ذهبوا لزيارة مرقد الامام علي في النجف وصادف ان وجدوا - ولاول مرة - نافورة حمراء فاعتقدوا ان هذا مرق احمر للثواب , فاشتروا صمون واخذوا يغطونه بماء النافورة الاحمر وياكلونه !!! 
واخرى ان صديقا لنا من الشطرة قال انه جلب ابيه للطبيب في شارع السعدون المزدحم - ويبدو ان والده يرى بغداد لاول مرة - وارادوا العبور الا ان السيارات لم تترك لهم مجال فتعجب الاب من كثرة السيارات وقال (ايباه هذا عرس من ؟؟!!) لانه اعتقد ان هذا موكب لسيارات احدى الاعراس .
واما اهل الرمادي فعندهم ايضا تعليقات طريفة ولكنها خطيرة لانهم يطلقونها امام صدام حسين الذي - وكما يبدو - يغض النظر عنها لانهم من اتباعه ومواليه وقاعدة سلطتة الاجتماعية والمذهبية , منها ان شيخا من اهل الرمادي قال لصدام في احدى اللقاءات (سيدي انت وين ماتروح احنه معاك تروح للجنة احنة معاك تروح لجهنم احنه معاك !!) فضحك صدام وقال (لا ان شاء الله كلنه بالجنة !!) وطبعا لو كان هذا الشيخ من اهل الجنوب لااعدم فورا .
واخرى ان شيخا من الرمادي قال لصدام حسين مادحا (سيدي انت بحرب ايران كنت زين بس بهاي الحرب مو زين !!) يقصد هزيمته المنكره وتصرفه الاهوج بحرب الكويت عام 1991 . 
ومن نوادرهم ايضا ان رجلا من اهل الرمادي يطوف بالكعبة وسمع الاذان فسال رجلا بجانبه (ماكو جامع قريب !!) .
ومنها ان رجلا من الرمادي زار النجف وسال عن مرقد الامام علي فقيل له هذا امام الشيعة علي , وبعدها زار كربلاء وسال عن ماهية مرقدي الامامين الحسين واخيه العباس فقيل له بان هذين امامي الشيعة الحسين والعباس فقال متعجبا (عفية الشيعة ماخذين وين الامام الزين !!) . وقريب لهذه القصة ايضا ان رجلا من الرمادي صادف وجوده في كربلاء وسال عن مرقد الامام الحسين فقيل له هذا الحسين ابن الامام علي , وسال عن المرقد الثاني فقيل له هذا العباس ابن الامام علي فقال (هاي الخلفة الزينة خو مو خلفتي !!)(الخلفة تعني شعبيا بالعراقي الذرية)
وطبعا لاتخلو النساء في العراق من العديد من التصرفات والمواقف والتعليقات التي تدل على الفطارية , التي ايضا لايمكن حصرها والاحاطة بها , منها ان امرأة من بني ركاب من الناصرية ارادت ان تسال عن محلنا , وصادف ان كان المحل بجوارنا للكماليات النسائية واضعا دمى كبيرة وعليها شعر مستعار وترتدي ملابس عصرية للبيع فقامت المرأة وسالت الدمية (خية وين دكان سيد رشيد !!) . واعادت السؤال مرات عدة دون جواب !! وقد ذكرت المرأة هذه القصة لابنها الذي نقلها لي شخصيا . وقريب لهذا النمط ايضا ان امرأة من اهل بغداد وجدت صورتها في احدى المرايا الكبيرة في سوق الشورجة فتعجبت وقالت (هاي المرية وين شايفتها ؟؟!!) . واما خالتي فقد روت لنا انها راجعت احد الاطباء مع زوجها اثناء عمله في الكويت في الستينات وصادف ان قام الدكتور بتشغيل التلفزيون وظهر فيه رجلا يتكلم , فقامت خالتي بتغطية راسها بالعباءة تحرجا من الرجل الذي في التلفزيون !! وقصة اخرى ايضا هى نموذج للمضحك المبكي : ان بنت توفت امها وجاءت للجيران وقالت لاام البيت (خالة امي ماتت تعاي صرخي عليها !!) .
ومما حدثني به احد موظفي الصحة في الناصرية ان بدويا ممن اعتاد السكن في الخيم ادخل المستشفى واجريت له احد العمليات الجراحية , وصادف ان اخذ الجو بالمطر الشديد فاصيب الرجل بالهيستريا وقال : ان السطح سيقع علينا وطالب باخراجه للساحة فورا , وفعلا قام الممرضون باخراجه للساحة تحت المطر !!
ومن الاجابات التي تدل على الفطارية في الناصرية ايضا ماذكره لي احد الزملاء في الدراسة انه راى جيرانه وهو يركض مسرعا , فسالته خير خو ماكو شي ؟ فاجاب : لا ماكو شي ابوي مات !! 
واما الكبت الجنسي والحرمان العاطفي فله نصيب ايضا من مواقف وتعليقات الفطارية عند العراقيين . فقد اراد بعض الخبثاء الضحك والنصب على احد الاشخاص الارامل الذين يعانون من الكبت والحرمان , فاشاعوا فيما بينهم بالقرية ان الحكومة ستقوم بتوزيع (بنات اجنبيات) في الكمية (التي يطلق عليها اهل بغداد تسمية الحصة التموينية) ويبدو ان الرجل غير مصدق للامر ويخشى من النصب والضحك عليه من جانب , ومن جانب اخر يدفعه الكبت والحرمان للتاكد والسؤال خوفا من ان تفوته البنات الجميلات , وبما ان حصتهم التموينية كانت عندنا في الوكالة , فجاءني ذات يوم وهو خجل ومتردد وسالني بصوت خافت (سيد صدك يكولون الحكومة راح توزع بنات بالكمية؟؟!!) فاطلقت للاسف ضحكة كبيرة جدا خجل منها الرجل , وتوسل بي ان لااذكر ذلك للاخرين وخاصة اهل قريته الشياطين واقسمت له على ذلك , وحتى الان - ورغم وفاته قبل فترة - الا انني لم اذكرها لهم .
وقريب لهذا الموضوع ان جماعة من المدينة في الستينات اشاعوا ان الحكومة تشتري السلاحف بسعر درهم للسلحفاة الواحدة (الركة بالعراقي) وذلك من اجل تصديره للخارج , وان فلان هو المتعهد الذي اتفقوا معه على النصب والضحك, فسمع ذلك اثنين من اهل المدينة (الفطر) فاخذوا الليل كله يجمعون ويصيدون السلاحف , وجاؤا بها الى الرجل المفترض شرائها بالاكياس وعددها بالمئات , فقال لهم ان الحكومة تريد عزل الاناث عن الذكور , فقاموا باليل التالي وهم بفرزون الاناث عن الذكور وسط ضحك الاهالي !!
واما اهل الريف الوافدين للمدينة فكان لهم النصيب الاكبر من تلك الفطارية والمواقف الغريبة , منها ان اثنين من اهل الريف جاءوا للمدينة وقد سمعوا سابقا بوجود العصير , فاشترى كل واحد منهم بطل شربت يافا المركز واخذوا بالشراب وهم في العودة لقريتهم حتى فقدوا الوعي !!
واما جيراننا المهاجرين من الريف الى المدينة فقد اشتروا تلفزيون في عقد الثمانينات وكان يظهر احدى المسلسلات الكوميدية , فما كان منهم في اليوم التالي الا واطفئوا التلفزيون مبكرا وناموا , والسبب هو اعتقادهم ان هذه الحلقة مكررة وعلقوا قائلين (لان ضحكنا لهم كام يعيدونها كل يوم !!) واما جيراننا الاخر فقد كان تلفزيونهم مشوشا ومتقطع الصورة , فقام صديقهم بوضع يده على سطح التلفزيون ووجده حارا جدا , فقال هذا هو السبب انه حامي , وطلب ثلجا ووضعه فوق التلفزيون وذاب الثلج وانطفا التلفزيون كليا !!
واما احد المهاجرين فقد كان يعاني من التاتاة والتي تسمى عندنا محليا (يوجوج) فقلنا له ان الناس تضحك عليك لانك توجوج, فقال (والله ماووووووووووووووجوج!!) فاغرقنا انفسنا بالضحك وشعر المسكين بالاحراج وترك المسير معنا .
ومنها ايضا ان احد الفلاحين كان مسافرا وراى ارضا زراعية خصبة فقال : (كون هاي الكاع لسيد عيسى وانا فلاح بها !!) والسيد عيسى السيد حسين هو ابن عم السيد عبد المهدي السيد حسن المنتفكي النائب والوزير في العهد الملكي وكان من كبار الملاكين للاراضي الزراعية .
ولشيوخ العشاير حصة من التعليقات الفطيرة والظريفة ومنها ماذكره علي الوردي في كتابه (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) من ان شيخ شمر زار عشيرة المشاهدة في شمال بغداد وسالهم هل تغزون ؟ باعتبار ان من اهم سمات الشجاعة عند القبائل البدوية هو غزو القبائل المجاورة , فاجابوا بالنفي , فقال لهم اغزو الاكطع منكم !!!
وذكر الوردي ايضا ان هناك صراعا تاريخيا بين مدينتي عانة وراوة في محافظة الانبار , والذي لايفصل بينهم سوى نهر الفرات , وانه تمظهر من خلال سلوكيات طريفة منها ان عانيا قرأ عبارة في كتاب تقول (قال الراوي) فامتعض من ذلك وشطبها وكتب بدلا عنها (قال العاني!!) . كما انهم وجدوا راويا وهو يقوم بنقل المياه ليلا من نصف شط الفرات المقابل لعانة الى نصفهم الاخر !!
وفي قضية الحلال والحرام توجد مواقف عديدة من الفطارية عند الناس . فمثلا كانت قرب قرية السادة ال بو هلالة عشيرة معروفة باللصوصية ليلا , وصادف ان كان من ضمن هذه العشيرة رجلا متدينا ويخشى الله , الا انه من جانب اخر كاقرانه يقوم بالسطو ليلا , فلجا الى حيلة شرعية مبتكرة وهى تبديل النقود المسروقة او الاموال الحرام بعملة اخرى حلال من السادة البو هلالة , وكان خالي السيد عبد الحسن السيد كاظم يغرق بالضحك عندما ياتي ابن هذا اللص ويقول له (سيد ابوي يسلم عليك ويكول بدل هذا الدرهم بدرهم ثاني !!)
ومن المواقف الفطارية الاخرى ان رجلا حكيما وهادئا من بني ركاب يدعى (علكم الجاملي) سرقت منه بندقية , عرف لاحقا ان جماعة يسكنون مع عشيرة المياح هم من سرقها فتتبعهم من ناحية النصر حتى وصل الى مدينة الحي ووجد الشيخ بلاسم الياسين شيخ المياح وهو يتمشى مزهوا بارضه الزراعية وبيده عصا طويلة , وتحيط به الحوشية والكلطاء والاتباع , فرمى علكم نفسه عليه للسلام واراد تقبيله , الا ان بلاسم رفض ذلك ونهره وضربه بالعصا فقال له (يامحفوظ هاي انت كل واحد يسلم عليك تضربه بالخيزرانه ؟؟!!) . وبعد ان حصل علكم على بندقيته عاد الى مدينته وصادف بطريقه ان مر بمدينة الرفاعي مقر شيوخ بني ركاب ودخل ديوان الشيخ هلامة الركابي فراى الاهتمام به والاحترام الكبير والتقدير له فقال له بسخرية (اظنك هليمة !!) بالتصغير . فتحمل الشخ هلامة الموقف وكانه لم يسمعه .
واما في المسار السياسي فقد كان هناك ايضا تعليقات وسلوكيات تدل على فطارية المجتمع العراقي سابقا , منها ان احد الرفاق في حزب البعث الحاكم سال الحضور المجتمعين - وجلهم من الاميين والكسبة - لماذا اهداف الحزب ثلاثة ؟؟ فاجابه احدهم بسرعة (لان الجدر مايكعد الا على تلاثة!!)
واما الاخوة الكورد فقد كان لهم نصيب كبير ايضا من الفطارية بسبب التناشز الاجتماعي الذي عانوا منه كاغلبية العراقيين , وقد وصفوا بانهم (فطر) بدرجة عالية جدا , ويبدو ان النظام البعثي القومي العنصري الحاكم قد استغل هذه النقطة فروج لمئات من القصص والنكت والمواقف التي كان القصد منها النيل من الكورد واظهارهم بمظهر المغفلين او البليدين , بل روج لقصص اظهر فيها الكورد بمظهر (الدياثة) وعديمي الاحساس والغيرة على اعراضهم . وقد انتشرت تلك القصص في نهاية عقد الثمانينات من القرن العشرين الماضي , واذا عرفنا ان عملية قصف مدينة حلبجة بالكيمياوي في عام 1988 وبعدها عمليات الانفال التي دمرت المئات من القرى الكوردية , وقتلت الالاف في مقابر جماعية , لعرفنا ماهو القصد من وراء تلك النكات وترويجها . وطبعا سوف لانذكر تلك النكت والمواقف التي روج لها النظام البعثي الحاكم ومخابراته العنصرية , لانها ملفقة وكاذبة وغير صحيحة بالمطلق , الا انني ساذكر حدثين حقيقين يدلان على الفطارية , الاول رايته بعيني في الاقسام الداخلية بالجامعة وهو ان اثنين من الطلبة الكورد يغسلون البنطلون مع الحزام , وعندما سالتهما عن السبب , اجاب احدهم (ان السرعة افضل!!) . والثاني مااكده احد الاصدقاء المعاصرين للحدث والموقف الحقيقي وهو ان احد الجنود الكورد ابان الحرب العراقية الايرانية في عقد الثمانينات طلبوا منه ان يكون مبعوثا لنقل احد الشهداء من قتلى الحرب لاهله في الجنوب , وقالوا له انك ستصل ليلا ويجب بالتالي ان تذكر لهما الخبر بدبلوماسية وهدوء حتى لاتكون عندهم صدمة بسبب هذا النبا المحزن. وفعلا وصل الجندي الكوردي ليلا وطرق الباب وخرج له اب الشهيد وقال له بلغة دبلوماسية (عمي ابنكم كم مرة يجيكم بالشهر؟؟) فقال له الرجل (والله مرة بالشهر) فقال له الكوردي ( عمي بعد يجيكم من تيزي !!) .
اعتقد ان هذا الفصل الاجتماعي من تاريخ العراق يستحق التدوين والنشر خشية الاندثار والنسيان , وكنا نتمنى على الجيل السابق تدوين تلك المواقف الطريفة عند العراقيين والتي للاسف في طريقها للنسيان , لانها تعكس نمطا سلوكيا ونفسيا محددا اخذ بالانقراض , ولم يبقى منه الاشذرات هنا وهناك . ونختم هذا المنشور بالموقف الفطير الذي حصل معي , فعند قدومي الى بغداد للدراسة الجامعية في السنة الاولى كانت اسير معاحد الاصدقاء المتمرس بالمغامرات والعلاقات العاطفية , وكانت تسير امامنا امرأة طروب وغانية وترتدي الملابس الضيقة والقصيرة جدا , فقال صديقي (هذا المرأة تعمل بالملاهي) فقلت له بفطارية وماذا تعمل ؟؟ فغضب صديقي وقال (توزع جاي!!!)

المصدر: الحوار المتمدن 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي