احمد علاء
حجم الخط :
عدد القراءات
750
2018/6/18 03:24:57 PM

قنوات مياهها العذبة اشبه بالعسل الذي يكتسح المدينة، اطلقوا عليها أسم مدينة البندقية في الشرق، ذو ممرات ضيقة انيقة محاطة بشط العرب الذي يدخل المدينة. تقول الاساطير، ان سندباد البحر قد شرع من هنا في رحلته عبر شواطئ البصرة. 

 

ونظراً لتاريخها وموقعها الغني، ينبغي ان تزدهر البصرة اليوم. انها عاصمة لاكثر من 2 مليون نسمة، موطن الميناء الوحيد في العراق والبوابة الرئيسية لايران. انها العاصمة التي توفر للعراق اكثر من 200 مليار برميل من الاحتياطات، فهي تشكل نسبة 80 من ثروات البلاد النفطية. 

 

الممرات المائية لم يتبق منها شيء، اصبحت مبللة بالقمامة وتبرز مستنقعاً مشوباً برائحة الصرف الصحي. التنزه على ضفاف شط العرب يقدم القليل من اللمحات للممرات المائية التي صارت متهالكة التي تطفو عليها السفن المتعفنة، رغم ان شركات الطاقة المتعددة الجنسيات احتشدت هنا منذ عقود لكن البطالة آخذة بالازدياد.

 

على الرغم من عدم تعرضها لخطر تنظيم داعش، إلا ان البصرة لاتزال شاهدة على ندوب الحرب التي لحقت بالعراق وهي الأكثر وضوحاً، الضعف الدائم للدولة، الفصائل والقبائل تتصارع وتعمل بموجب قوانين خاصة بها، الفساد الجشع المتجذر وتجارة المخدرات المزدهرة بها.

 

ومع استياء العراقيين من الحكومة في اعلى المستويات على الاطلاق، فإن اماكن مثل البصرة هي اختبار ما اذا كان بإمكان العراق العودة الى المسرح العالمي كدولة عاملة او العودة الى المزيج السام من الطائفية والفساد الذي حفّز ارتفاع الجرائم والمتشددين في المقام الاول. 

 

البصرة المدينة الاصغر بقليل من واشنطن، تعتبر واحدة من اهم مراكز المنطقة، تأسست في عام 636 على طول الممر المائي الذي يبلغ طوله 120 ميلاً، وانتهت بالانضمام الى نهري دجلة والفرات، واصبحت محطة اساسية للمسافرين العالميين، مثل العالم ابن بطوطة في القرن الرابع عشر. 

 

جبار الساعدي، رئيس مجلس أمن المدينة يقول “ماضي البصرة افضل من حاضرها، بالنسبة الى جميع اولئك الذين زاروا البصرة في السبعينيات حتى في الثمانينيات قبل الحرب العراقية الايرانية”. 

 

في الحرب التي قادتها الولايات المتحدة على العراق عام 2003، ادرك الامريكيون والبريطانيون مدى قيمة البصرة الاستراتيجية، فهي اول مدينة قاموا بغزوها وفي وقت لاحق، دفعوا بإعتبارها محور العراق في عهد ما بعد صدام حسين.

 

قاتلت القوات البريطانية الفصائل الشيعية المسلحة المسماة “جيش المهدي”، ونقلت الملف الامني الى السلطات العراقية في عام 2007، وبعد عام من ذلك، اطاحت القوات الامنية برجال تلك الفصيل المسلح.

 

ومع استعادة النظام، تم تجديد شباب البصرة، جاءت الشركات النفط الكبيرة للعمل، مع مشاريع عملاقة واقتراحات بأن البصرة ستكون عاصمة لناطحات السحاب، وستتجاوز الحركة العمرانية في البصرة مدينة دبي، لكن كله هذا انتهى في عام 2014 حين ظهر تنظيم داعش في حرب خاطفة جر بها العراقيون الى الموت رغم ان التنظيم لم يظهر ويسيطر في البصرة نفسها، لكن تأثيرها كان واضحاً عليها. 

 

 وقال بن لاندو رئيس تحرير “oil report” إن “القوات كانت هناك واحتاجت بغداد التعزيزات انذاك، مما سبب فراغاً امنياً في البصرة”. ومع عدم وجود الرقابة المشددة، عادت الفصائل المسلحة الى الظهور لتنطلق موجة من عمليات الخطف والسرقة والاتجار بالمخدرات. 

 

وانضمت القبائل المتناحرة في المحافظة الى النزاعات، وشاركوا في تهريب النفط خلال ايام صدام على الرغم من أن التهريب كان اقل. وكان رجال القبائل في كثير من الاحيان يعملون بشركات النفط لحماية الفريق لان انابيب النفط تمر عبر مناطقهم الزراعية التي يعتبروها خاصة بهم.

الآن، رجال القبائل الذين غالباً ما يكونون مدججين بالسلاح يتقاتلون فيما بينهم بحسب يعرب المحمودي، رئيس لجنة حل النزاعات القبلية في البصرة الذي يقول “المبالغ التي يجنيها هؤلاء خيالية، فضلاً عن دفع شركات النفط لهم”.

 

ومع تركيز الحكومة على تطوير النفط والغاز، فان الاراضي الزراعية الشهيرة في الاقليم دمرت حتى وإن كان سكان البصرة هم السبب. فقد تحولت المياه في المدينة الى مالحة نتيجة سنوات سوء ادارة المياه والاستخدام المفرط في الحفريات والتنقيب الذي سمح للمياه المالحة من الخليج الفارسي بغزو شط العرب.

 

وتقوم ام عمار التي تعمل بائعة في متجر لبيع الملابس وهي تشتكي من ملوحة المياه “ما هو الصالح الذي فعلته الحكومة لنا؟، نمتلك النفط والميناء، لكن هل يمكننا الاستحمام بماء عذب هنا؟”. وتضيف ام عمار “الدول المجاورة دمرت مياهنا العذبة، اذهب الى شط العرب لن تجد سمكة فيه، فضلاً عن القمامة التي لاتزال متجمعة”. 

 

وما أن بدأت بالحديث عن النقص الكبير في الكهرباء، حتى انطفأت اضواء النيون في متجرها، لتبدأ المحركات لتوليد الكهرباء بالعمل. وتختتم ام عمار حديثها بألم “البصرة تلتف حولها السرقة” وقالتها باللهجة العراقية الدارجة هناك “البصرة بيها بوك”. 


المصدر: لوس انجلوس تايمز

ترجمة وتحرير: أحمد علاء

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي