ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
676
2018/6/30 04:33:35 PM

حتى لوقت قريب، كان العراق أخطر بلد في العالم، اعمال العنف والقتل على الهوية الطائفية على اوجها قبل 12 عاماً، كان يُقتل في اليوم الواحد قرابة 100 شخص.

 

الشباب كانوا عرضة للقتل بشكل خاص، كانت جثثهم تحمل ندوباً إثر التعذيب، دليل على بصمات قاتليهم، فضلاً عن جثثٍ مشوهة لا يمكن التعرف عليها. ناهيك عن جلد آخرين والمحصلة كلهم قتلى مرميون في الطرقات.

 

لاتزال هذه الذكريات الرهيبة حاضرة في أذهان العراقيين. فحتى عام 2014 كانت الجماعة الارهابية داعش التي استولت على الموصل بسرعة هائلة تتقدم نحو بغداد، ناشرين اشرطة الفيديو التي توضح مذابحهم وترويعهم للناس فيما المقاومة كانت ضدهم محبطة.

 

من المستغرب ان يقوم الناس في بغداد بالتأقلم ببطء مع انحسار العنف سريعاً منذ استعادة الموصل وهزيمة داعش قبل عام. يعاني العراق الان من اعمال عنف اقل من اي وقت مضى. ومع ذلك، ربما تكون البلاد قد وصلت الى نهاية فترة 40 عاماً من الحروب الاهلية.

 

بالحديث مع الناس في بغداد، اذهلني كيف ان الخوف من العنف تراجع ببطء اكثر من الواقع. فإنني اكن احتراماً عظيماً لغريزة البقاء على قيد الحياة العراقية واعرف ان التشاؤم الدائم بشأن المستقبل كان رهاناً في العراق، منذ ان تولى صدام حسين السلطة وهو في كامل قوته. وبعد ذلك بوقت قصير، بدأت الحرب الايرانية العراقية في عام 1980. 

 

قال لي صديق ذات مرة “لا يمكن ان يثبت اي عراقي انه مصاب بجنون العظمة لانه في بلد يخاف من اي شيء حوله”. وتتباطأ عادات التحمس والشك ببطء في الريف وبالقرب من التاجي، معقل المسلحين السنة في شمالي بغداد. هذا الاسبوع، التقينا بمزارعٍ قال “اعرف اشخاصاً من هناك لم يخرجوا الى بغداد منذ اكثر من 10 سنوات، لانهم ببساطة خائفون من ان يتم القبض عليهم عند نقاط التفتيش الحكومية”. وبعد العودة من التاجي، طلب مني شخص في السيارة ان اخلع حزام الامام الذي ارتديه، ففي العراق لا يلبس اي شخص عراقي على الاطلاق حزام الامام ومن يرتديه يعرفون على الفور انه اجنبي!.

 

كنت أعلم ان هناك قلقاً مستمراً بشأن سلامة المرء، فمع تدهور الوضع الامني بعد عام 2003، كنت اقود سيارتي في بغداد، لكن حين تدهورت الاوضاع كان الامر يتطلب الخروج بسيارتين مع جهاز المناداة باليد.

 

كنا نستمر بأخذ الاحتياطات لفترة طويلة حين نصل الى بغداد، لا أحد يريد ان يعرف الطريقة الصعبة التي نجريها من احترازات مفرطة وسط غياب الامن. ومع ذلك، فان الثقة بدأت تعود ببطء الى بغداد، وهناك عدد قليل من الرافعات في الافق والمطاعم فاتحة ابوابها على مدار الساعة ومحال الملابس ومراكز التسوق تستقبل الناس افواجاً افواجا. 

 

لم تعد قاذفات داعش تصل بغداد بعد ان فقدت قواعدها حول العاصمة. حتى قيل ان مسلحي داعش يحاولون عبور الحدود السورية ويشقون طريقهم نحو بغداد، لكنهم يتوقفون في الصحراء قبل ان يدخلوا البلاد، وفقاً لمسؤول امني. 

 

داعش صار اضعف واكثر سهولة من المخبرين وحتى لو نجح بضرب قاذفة واحدة، لن تكون هناك عودة الى الهجمات المتعددة منذ بضع سنوات.

 

تحسين الوضع الامني، يعني أن الناس سيركزون على اشياء اكثر اهمية من الجانب الامني وهي لا حصر لها في بغداد. جئنا لاول مرة للعراق عام 1977 قبل كل ما حدث تقريباً. لم يتغير مظهر المدينة كثيراً منذ ذلك الوقت بسبب وجود عدد قليل من المباني الكبيرة الجديدة، وبدلاً من ذلك، تم صب الموارد في حروب صدام فضلاً عن التي سرقها المسؤولون عن إعادة الاعمار. 

 

ونتيجة لذلك، فإن البنية التحتية التي بنيت لنحو مليوني شخص في بغداد، تستخدم اليوم لأربعة أضعاف. كما أن المدينة بها أسوأ الاختناقات المرورية في العالم. 

 

ارتفعت عائدات النفط بسبب زيادة الانتاج وارتفعت اسعار الاسواق العالمية، لكن هذا لا يكفي للقيام بالكثير من العمل لاكثر من 40 سنة من الاهمال.

 

يقول مظهر محمد صالح، المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء حيدر العبادي “لدى العراق ما بين 400 الى 420 الف شاب يدخلون سوق العمل كل عام، وهناك عدد قليل من الوظائف لهم”. 

 

ويبلغ عدد موظفي الحكومة العراقية نحو 4.5 مليون شخص، ولا تستطيع الحكومة استيعاب المزيد، واكثر من 6.5 مليون في القطاع الخاص التي غالباً ما تكون متأرجحة في العمل.

 

هناك اعداد كبيرة من الشباب العاطل عن العمل او العاطلون عن العمل، وعدد قليل من النساء يتم رؤيتهن في الشوارع. 

 

في مدينة الصدر، حيث معقل الطبقة الشيعية العاملة العظيمة المحاصرة في بغداد، يقول سكانها المحليون انه حتى بين اولئك الذين يستطيعون تحمل تكاليف الزواج، فان معدل الطلاق يرتفع لان الازواج عاطلين عن العمل ولا يستطيعون إعالة اسرهم. وأفضل الوظائف هي في الجيش والشرطة حيث يستلم الضابط ثلاثة اضعاف ما يكسبه المعلم.

 

الدافع الى الفرار من العراق ومشاكله هو امر غامر بالنسبة لكثيرين، على الرغم من الاحباط بسبب عدم وجود فرص عمل. 

 

في منطقة الكرادة، التقيت بالشاب رامي الذي كان يرتدي تي شيرت ازرق اللون عليه شعار “اختار الانسحاب”. هذا القميص مخصص لحملة الاستفتاء البريطانية التي اجريت عام 2016، ولربما الافراط الهائل في عرض المملكة المتحدة، انتهى بهذا الـ “تي شيرت” ببيعه في بغداد حيث كان لشعاره تأثيراً مختلفاً. 

 

سألت رامي ما اذا كان يعرف معنى الكلمات التي على قميصه، رغم انه لم يتحدث الانكليزية كثيراً، قال انه يعني مغادرة العراق!. بينما اصل العبارة المكتوبة على القميص تعني الدعوة الى انسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوربي.

 

استطيع ان ارى السبب وراء رغبة رامي في الخروج من العراق بشكل خاص، فمتجره القريب من موقع احدى أسوأ الفظائع التي ارتكبتها داعش في بغداد حين فجر مسلحوها قنبلة اودت بحياة 323 شخصاً على الأقل.

 

لم يلق معظم القتلى حتفهم بسبب الانفجار لكنهم حوصروا بسبب النيران في مراكز التسوق القريبة التي لم يكن لديها مخارج للطوارئ. المنطقة اليوم تبدو كئيبة ونصفها فارغة مع اغلاق العديد من المتاجر. 

 

من المستحيل اليوم استبعاد هذه الذكريات المروعة، ولم يمر سوى عام على هزيمة داعش والدولة العراقية ضعيفة والانتخابات العامة غير محسومة. لكن على الرغم من كل هذه الفظائع الماضية، فإن الحياة في بغداد تعود إلى شكل من أشكال الحياة الطبيعية التي لا يكون فيها البقاء على قيد الحياة هو الشغل الوحيد.


المصدر: الاندبندنت

مقال رأي للكاتب باترك كوكبرن

ترجمة وتحرير: أحمد علاء

 

 

 

 

 
جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي