ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
1772
2018/7/4 04:50:50 PM

هما من جيلين مختلفين، بلدان مختلفان، يبعد احدهما عن الآخر حوالي 1.100 كلم. ومع ذلك فمصيرهما واحد. سليمان اغلادي ونشوى نصر، غارقان في السياسات التي حولت نهر دجلة والفرات وتلاعبت بمصير هذين النهرين العظيمين.

 

اليوم كلاههما مهدد بالتهجير. في جنوب شرق تركيا، يشاهد اغلادي الكهوف القديمة والتكوينات الصخرية وهي مسقط رأسه تندثر بسبب المياه التي غمرتها مع ارتفاعها بسبب ملء سد إليسو الحكومي المثير للجدل.

Ancient town of Hasankeyf will soon be lost to the world

ومن المقرر ان يبدأ المهندسون في ملء الخزان هذا الشهر. وفي الاشهر المقبلة سيتم غمر المنازل والحدائق التركية التي يعود عمرها الى آلاف السنين.

 

منزل السيد اغلادي مهدد بالفيضان، فيما نصر تحتاج الى الماء اكثر من أي وقت اخر سيما في مستنقعات المياه جنوب البلاد. حياة نصر قريبة من الماء، فالجاموس المقيم داخل مياه القصب وبيوت من القش على ضفاف المياه، حياة مختصرة لها. 

 

الآن، بعد أن بلغت عامها السبعين، يصل الماء الى كوخها الصغير ملوثاً، وتعبر عن ألمها كل يوم لانها مضطرة الى ترك منزلها وراء ظهرها. تقول بحسرة “الجميع هنا يتحدث عن الهجرة، لكن الى أين؟”. نصر كل ما تعرفه، حلب الجاموس وخلاف ذلك لا تعرف شيئاً عن الحياة، لذلك هي تتساءل كيف ستبقى على قيد الحياة في وقت تبحث عن رحمة الله.

 

يقول الناشطون إن سدود نهر دجلة هي مأساة ثقافية قد تكون لها تداعيات جيوسياسية عميقة. وما يضاعفه التغيير المناخي والمخاطرة بتشريد عشرات الآف من الناس، فضلاً عن زعزعة استقرار الدول المجاورة وجيرانها مع احتمالية تعزيز الهجرة بالوقت الذي تكبح فيه اوربا جماح المتدفقين من المهاجرين.

تقول تركيا، إن مشروعها الذي استمر عقوداً لبناء 22 سداً، جاء اليوم لبناء السد الأهم المزمع انجازه نهاية العام الحالي الواقع على طول نهر دجلة والفرات وينتج طاقة كهربائية جبارة مع توفير وظائف عدة. لكن مشروع جنوب شرق الاناضول، اصبح متشابكاً في ظل توترات مريرة بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني المقيمين في الاراضي العراقية شمالاً. 

 

يزعم خبراء الأمن المائي على نحو متزايد، ان نقص الموارد يعطل المجتمعات ويخلق ارضية لتجنيد المتشددين. بعد هزيمة داعش عسكرياً هذا العام، يقول العراق إن الحفاظ النصر العسكري يعتمد على توفير مستقبل اكثر اشراقاً للبلاد. والمياه امر حاسم في هذا الشأن، فأكثر من 80 في المائة من مياه العراق تذهب للزراعة التي كانت توفر سبل العيش لاكثر من ثلث سكان بلد يبلغ عدد سكانه 37 مليون نسمة.

 

وحتى قبل ملء سد إليسو، ذكرت وزارة الموارد المائية في العراق أن التدفقات الداخلية انخفضت هذا العام بنسبة 40٪ وهذا سبب اجتياح الذعر داخل البلاد منذ بداية حزيران الماضي، حيث انخفضت مستويات المياه الى درجة واضحة بحيث اصبح الناس يتسارعون عبر النهر مشياً على الاقدام. وحدت وزارة الزراعة من زراعة الارز والمحاصيل التي تحتاج مياه الري لتقليل الضرر.

 

يقدّر الباحثون ايضاً أن درجات الحرارة في الشرق الاوسط ترتفع بمعدل اسرع بمرتين من المعدل العالمي، وذلك بسبب التأثير المتزايد للظروف الصحراوية، مما قد يجعل مناطق المنطقة غير صالحة للسكن بحلول نهاية هذا القرن. 

 

ومع سد نهر الفرات على نطاق واسع من قبل سوريا وتركيا المجاورتين للعراق، تصارع بغداد في ظل عقود من سوء ادارة المياه الخاصة بها، بالحفاظ قدر الامكان على المياه المتبقية.

 

يقول جاسم الأسدي خبير البيئة في منظمة الطبيعة  العراقية إنه “بحلول عام 2035 سنخسر 11 مليار مكعب من المياه، وهو ما سيجعل من الصعب تلبية الطلب السنوي البالغ 71 مليار متر مكعب بحلول ذلك التاريخ. ومع ارتفاع درجات الحرارة، فإن تأثير السدود سيزداد سوءاً من خلال تضاؤل تساقط الثلوج عند منبع نهر دجلة وارتفاع معدلات التبخر. وأضاف “مستقبل المياه في العراق قاتم للغاية”. 

الوقت ينفد

في بغداد، يتصارع المسؤولون الدبلوماسيون مع ما حدث عقب هزيمة تنظيم داعش والصراع المتزايد على السلطة من جهة، وواشنطن وطهران من جهة اخرى. وتكتفي بغداد بالقول إن تركيا والتغيير المناخي، شكلا هذه الازمة الراهنة. 

 

وتشعر السيدة نصر الى ان الاهوار مجهدة، فالمناطق الزراعية المجاورة في محافظة ميسان تتعرض للجفاف مع تراجع تفرعات نهر دجلة بسبب جفافها وتصحر اكثر من 650 قريةً حتى نهاية الربيع. من بينها قرية العادل، حيث يصف المزارعون ان هذا الجفاف الذي مره على قريتهم هو الاشد فتكاً منذ 30 عاماً فهم بهذه الحالة فقدوا محاصيلهم السنوية العادية.

ويصف الفرطوسي اسباب هجرة الاهالي الى المدن بسبب النقص الكبير في السنوات الاخيرة للماء، متساءلاً بالوقت نفسه ان المدن في حال اكتظاظها اين تذهب الناس؟.

 

في اتجاه النهر، في قرية الخير، اضطر مسؤولها حسين الياسين لاستدعاء قوات الامن لفض نزاع مسلح بسبب المياه، فهو يحاول مع شيوخ محليين مناقشة مستقبل قريتهم بعد نقص المياه آملين أن لا يصلوا الى خيار النزوح.

 

واضطرت المجتمعات الساكنة في الاهوار والبرك المائية الى الفرار في تسعينيات القرن الماضي، حين جفف صدام حسين الاهوار واجتث معارضيه المختبئين هناك، وبعد الاطاحة به عام 2003، كسر السكان المحليون الحواجز وتدفقت المياه مرة اخرى. لكن بناء السدود وانخفاض معدل هطول الامطار وعدم ممارسة الري بشكل صحيح، تقلصت الاهوار بشكل واضح، حيث كانت مساحتها حوالي 15 الف والان 5000 فقط.

 

ولا يعرف شيوخ القرية كيفية تقديم المشورة للناس المتورطين في الزراعة لاسيما بعد اجيال قادمة التي لن يكون امامها خيار سوى التوجه المدن الفقيرة، وهي اماكن معروفة بأنها مناطق تجنيد المسلحين.

يقول الياسين “شعبناء خائف بطريقة لا يفهمها الآخرون، فكيف يمكنهم كسب العيش في المدينة؟، انهم لا يستطيعون العمل سوى مراعاة الجاموس والزراعة، وبالتأكيد لا يستطيعون الصيد الاسماك”.

 العامل الكردي

على بعد 1000 كليومتر الى الشمال من العراق وتحديداً في زواية تنعم بالنعاس جنوب شرق تركيا تتخللها اصوات الطحن، حيث يقوم العمال بتفكيكها، فيما كان في الجهة الاخرى عمال يحاولون نقل نصباً تذكارياً يعود الى القرن الخامس عشر على بعد ميل الى ارض مرتفعة. 

يقول السيد اكلادي الذي يبيع الشاي للسياح في مقهى صغير يطل على البلدة “لقد عشت هنا طوال حياتي، كانت جدتي تعيش في هذا الكهف”. 

 

ما تحاول تركيا بناءه هناك امر مثير للغرابة، فطموح هذا البلد امتص الى حد كبير الصراع الكردي في البلاد. ففي ثمانينات القرن الماضي، كان بناء سد اتاتورك الضخم يعتبر حافزاً لقرار سوريا بالبدء بدعم حزب العمال الكردستاني الذي يستمر في شن حملات عسكرية ضد الدولة التركية.

الماء بوصفه سلعة

حين اُفتتح سد اتاتورك في عام 1992، اثار توتراً دبلوماسياً، حيث قام سليمان ديميريل رئيسها آنذاك، بتحذير جيران البلاد من أنه اذا كان بإستطاعتهم استغلال مواردهم النفطية، فان تركيا لديها الحقوق المماثلة في المياه التي تنبع من اراضيها.

 

اليوم يوجّه المسؤولون نبرة اكثر تصالحية، ويصرون على أن هدفهم هو ضمان تقاسم المياه عبر المنطقة بطريقة عادلة ومعقولة ومثالية. لكن وزير الموارد المائية العراقي حسن الجنابي يتهم انقرة بإستخدام المياه كسلعة يمكن المساومة فيها. ويقول إن “العراق سيبقى ضعيفاً ما دام لا يوجد تفسير مشترك لقانون المياه الدولي”. 

 

وفي الشهر الماضي، تتفاوض البلدان على احدث حلقة في سلسلة من التأخير بملء سد إليسو. وذكر الجنابي في مقابلة سابقة مع قناة السومرية ان بلاده توصلت لاتفاق وهو اتفاقية “عادلة” تفيد بأن تركيا ستفتح المياه بنسبة 75٪ من حجم النهر بينما تبقى النسبة الاخرى لملء السد تدريجياً خلال الاشهر المقبلة.

 

ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح كمية المياه التي ستأخذها السدود للزراعة. وقد تقوضت قدرة العراق على التفاوض بشأن الاضطرابات والحدود التي طغت على بلاده منذ عام 2003 حتى ان الوزير قال “العراق اصبح بلداً ضعيفاً للغاية”. 

 

ليست تركيا وحدها، بل هناك ايران التي تستنزف نهر دجلة. وقال مسؤولون عراقيون إن السدود وعشرات الروافد قطعت اكثر من نصف المياه التي تتدفق للعراق مقارنة بما كان يحصل عليه قبل 20 عاماً.

 

غير أن دورسون يلدز، المسؤول السابق في المياه التركية يرأس الآن اكاديمية الهيدروبولتيك التي تتخذ من انقرة مقراً لها، يرى ان سدود تركيا تفيد جيرانها بالفعل. فدرجات الحرارة الاكثر برودة في تركيا تعني انه يمكن تخزين المياه هناك مما يوفر البلدان الواقعة في اسفل المجرى. 

 

ويقول يلدز “عليك التحكم بالماء، الوقت الذي يحدث فيه التهاطل ليس هو نفس الوقت الذي تحتاج فيه الى المياه على الاراضي، لذا لا ينبغي ان يكون التحكم مصدراً للنزاع بل هو حل”.

 

ويشير تقرير الأمم المتحدة لعام 2015 الى أن التحكم في تدفق المياه من تركيا جاء بـ “عواقب وخيمة” مثل ارتفاع مستويات الملوحة في اتجاه مجرى النهر مما ادى الى إلحاق غلة المحاصيل وإلحاق الضرر بالنظام الايكولوجي. فيما يقول خبراء البيئة العراقيون إن مستويات الملوحة في الاهوار بالعراق كانت تبلغ 200 جرء في المليون، بينما تبلغ الان 1900 جزء في المليون.

 

والحل الحقيقي، أن تتفق كل من أنقرة وبغداد لتحديث ممارسات المياه والزراعة العراقية القديمة واستبدال قنوات الري في العصر السومري بالري بالتنقيط. وتستطيع الحكومة تشجيع المزارعين على الانتقال إلى محاصيل جديدة بدلاً من القمح الذي يستهلك كميات كبيرة من المياه التي يمكن استيرادها بأسعار رخيصة.

 

واقترحت وزارة الجنابي مشروعًا مدته 20 عامًا لتطوير ممارسات مائية مستدامة، بتكلفة تبلغ 184 مليار دولار. لكن العراق، الذي يعاني من ديون بقيمة 71 مليار دولار، وتغرقه سنوات من انخفاض أسعار النفط، لا يستطيع تحملها.

 

وبالنسبة للكثيرين الساكنين على طول نهر دجلة، لا يعد التكيف مع انحسار المياه خيارًا حتى. وفي الجبايش، تناقش السيدة نصر وزوجها ما إذا كانل سيتبعون جيرانهم الذين فروا نحو أهوار إيران سعياً وراء بداية حياة جديدة. "لن نعيش في مدينة، الاهوار هي حياتنا”.


المصدر: فايننشال تايمز

ترجمة: وان نيوز

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي