ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
470
2018/7/18 09:21:47 AM

في عام 1965، يروي الدكتور -والمعالج النفسي- "مالك بدري" قصة مريضته المغربية التي أُحيلت إليه بقسم الطب النفسي العصبي في المستشفى التعليمية لجامعة الرباط، والتي كانت تشكو من أشياء كالقلق العام ومشاعر بعدم التكيف والاكتئاب على مدار عام لم تلق فيه العناية الطبية اللازمة، وفي إحدى جلسات العلاج الجماعية، يحكي الدكتور "بدري" أنه كان يقوم بتلاوة سورة من القرآن حول غفران الذنوب كتدعيم معنوي لأحد مرضاه، الأمر الذي أبدى نتائج لم يتوقعها مع مريضته. استجابت المريضة للآيات بانفعال غير متوقع، وانهمرت دموعها.

حادثة أدت بالدكتور "بدري" إلى الاهتمام بحالتها ومتابعتها، فيقول: "داومت على تلاوة آيات القرآن -لها- التي تتناول مسألة غفران الله لجميع الذنوب وشرحت لها جميع ذلك في لغة مبسطة، وقد كانت تلك هي بداية لاعتراف عاطفي وتحسن سريع للغاية من خلال تطبيق الوسائل العلاجية السلوكية"

تلك الحادثة التي أثارت -حسب روايته- اهتمام رئيس المعالجين النفسيين بالمشفى، ليعلق الأخير قائلا، إنه، وعلى الرغم من احتفاظه بنسخة من القرآن الكريم في مكتبه، لم يخطر بباله أبدا في أي وقت أن يتخذه كوسيلة علاجية لأيٍّ من مرضاه.

من هنا، كانت حالة السيدة المغربية دافعا يبحث وراءه الدكتور "مالك" حول النموذج العلاجي النفسي للمسلم، في كتابه "مأزق علماء النفس المسلمين" والسؤال حول اعتبارية النظريات العلاجية في علم النفس وكفايتها في ذلك، وكذا حول احتمالية الجمع بينها وبين الدين كوسيلة لتطبيب الروح.

الروح والنفس

في تلاقٍ بين العالمين، يسرد المفكر والرئيس البوسني الراحل "علي عزت بيغوفيتش" مجموعة من الثنائيات التي تتعلق بالسمو النفسي والأداء العقلي، كالثنائية بين الفن والعلم، والثقافة والحضارة، إلخ، ثم يربط الجانب الروحي منها -كالفن والثقافة- بفكرة الدين والروح.

ويستخدم حالة الاتحاد السوفييتي خلال شيوعية "لينين" و"ستالين" كنموذج لتوضيح رؤيته، إذ كانت الشيوعية، التي تُحقّر من شأن الدين، تحارب بأداتها السياسية في ذلك الوقت أصناف الأدب الروسي وتحظر روايات "تولستوي" و"ديستويفسكي" وغيرهما، مما يدل على وجود تأثير متبادل بين ما يصنعه الدين في الروح وما يصنعه الأدب -مثلا- في سمو النفوس.

على هذا النسق، يترابط كثيرا العلاج النفسي مع ما يحققه الدين للنفس من مركزية تدور حولها، ومعانٍ متجاوزة لعالم المادة تقدم له الملاذ الآمن من ضيق المعاناة، فبجانب العلاج الطبي -أو الدوائي- فإن الدين يحمل من التقويم السلوكي ما لا يغتني عنه المُعالِج.

وبالنظر إلى التراث الإسلامي نفسه، فإن التنظير النفسي/السيكولوجي كان يحتل مكانة مشهودة وسابقة من نحو عشرة قرون على يد الحكيم "الترمذي" -مثلا- الذي ألّفَ عدة كتب حول النفس منها "رياضة النفس"، و"أدب النفس"، وهو كتاب تناول فيه رياضة النفس، وقضية اليقين، وصفة القلوب، والهوى، وعواقب الهوى

فيقول: "فمن نوّر الله قلبه بالإيمان قويت معرفته، واستنارت بنور اليقين، فاستقام به قلبُه، واطمأنت به نفسه، وسكنت ووثقت وأيقنت، وأْتمنته على نفسها، فرضيت لها به وكيلًا، وتركت التدبير عليه… فإن وسوس له عدوّ بالرزق والمعايش، لم يضطرب قلبه ولم يتحير؛ لأنه قد عرف ربه معرفة أنه قريب، وأنه لا يغفل ولا ينسى، وأنه رءوف رحيم، وأنه رب غفور رحيم، وأنه عدل"

كما يقدم "ابن حزم الأندلسي" أطروحته النفسية حول الحياة القائمة على محوري الطمع والهم، "فالطمع أصل في كل المظاهر الاجتماعية التي نراها من حب وطموح وحياة مادية وغير ذلك"، فإذا كان الطمع بهذه القوة في حياة الأفراد فمن الطبيعي أن ينشأ عنه الهم، فالناس جميعًا يتفقون في هذه الغاية سواءً في ذلك المتدين ومن لا دين له، والخامل والزاهد والفيلسوف العازف عن اللذات وغيرهم. "فطالب المال يكد في سعيه ليطرد "هم الفقر"، والساعي وراء الشهرة يجري إليها ليطرد "هم الخفاء والخمول"، والراغب في اللذة يطلبها ليطرد "هم الحرمان من اللذة"، وهكذا في كل شيء"

فالسبيل الجوهري لدفع الهم -كما رأى ابن حزم- هو الاتجاه إلى الله تعالى؛ فإنه إذا اتجه الشخص إلى الله تعالى زالت عنه الهموم. ومن الملاحظة "يتبين لنا أن ابن حزم يقترب في بعض نظراته الاجتماعية من رجال المدرسة النفسية، فنظرية "الطمع" تشبه إلى حد كبير ما يقال عن الغرائز وأثرها، بل إن اتخاذ اسم واحد للدوافع في نفس الفرد يقترب من رأي "فرويد" في حصره جميع الطاقات الغريزية في الإنسان تحت اسم "لبيدو" واتخاذه غريزة الجنس متمثلة لكل الطاقات والقوى"

أما طرد الهم فيمكن أن يشمل ما يسمى في علم النفس الاجتماعي "الصراع النفسي والاجتماعي"، وهذان النوعان من الصراع قد يحتوي أحدهما الآخر، وقد يستقل عنه، ولكن في الربط بين طرد الهم وفكرة التوجه إلى الله يقترب ابن حزم من فكرة "الصراع الاجتماعي" الذي يتمثل في توجيه الرغبات الدنيوية نحو غاية مثالية، إذ يرى ابن حزم أن الإنسان المؤمن يستمد قدرته على ضبط النفس من الخوف من الله

لذا، فإن الثقافة الدينية تتسم بالزخم التحليلي والمعرفي تجاه النفوس ومداواتها، كما إن مكان الجنس المبالغ فيه في نظرية "فرويد" -كما يرى "بدري"- هو مكان غير صحيح لأنه "يعتبر بصفة جزئية كرد فعل -بولغ فيه- لعلم الأخلاق الكاثوليكي أو الفكتوري الكابت الذي كان سائدًا في عصر فرويد".

لكن، وعلى الرغم من هذا الزخم، فإن الطبيب النفسي "شهاب الدين هواري" يرى أن المشكلة التي تواجه كثيرًا من المرضى تجاه الحل الديني هو تحميلهم بذكريات الإساءة الروحية في صورة الأب أو المجتمع الذي قد يمارس سلطة دينية بصورة خاطئة.

فيقول: "يمكن تعريف الإساءة الروحية بأنها تقديم صورة مشوهة عن الروحانية من السلطة الأبوية، وسوء استغلال السلطة الدينية لتحقيق مكاسب خاصة، سواء كانت هذه المكاسب مادية أو معنوية، وسواء تمت هذه الإساءة بوعي أو بدون وعي"[29]، كمن ينصح أحدًا بأسلوب فظ، فهو يريد الخير لكنه يؤذيه بشكل لا واعي.

كما أن الكثير ممن فقدوا الروحانية "ووجدوا أنفسهم بلا هوية ولا رابطة تصلهم بالسماء لديهم في الغالب جرح عميق في علاقتهم بالله، هذا الجرح نجم في كثيرٍ من الأحيان عن علاقتهم بالله كما عُرِف لهم وقُدِّم إليهم لا كما أخبر هو نفسه"

 لذا، فإن العلاج الجدلي السلوكي، كمدرسة متقدمة في العلاج النفسي، تهدف إلى ربط المريض النفسي بروحانية متجاوزة لعالمه المادي، وتشرح له حاجته لقوة تفوقه وتحتويه، وهو ما يمكن ربطه هنا بالدين في منظومة العلاج الإيمانية، ولكن بعد تنقية التصورات الفكرية لدى المريض عنه إن كان الأمر في حاجة لذلك

ويرتبط ذلك بالدراسة التي أجراها الباحثان "خوسيه مانويل" و"أليكساندرا فليشمان" حول نسب الانتحار مقارنة بالأديان، فكانت "نسبة الانتحار في الدول الإسلامية تكاد تقترب من الصفر، وسبب ذلك أن الدين الإسلامي يُحرم الانتحار بشدة". وعلى هذا كانت توصياتهم للحَدِّ من الظاهرة متمركزة حول التحذير من الإقدام على الانتحار، وتعهد من لديهم ميول للانتحار بمزيد الاهتمام والرعاية النفسية، ووضع عقوبات صارمة لِمَنْ يحاولُ الانتحار. "وهي نفس خلاصة ما تناول به الإسلام مسألة الانتحار من 1400 عام"

فاستبطان الإيمان في العلاج، واستقدام لفظة "البلاء" لما لها من مدلول ديني، تضع للإنسان منفذًا آخر مفارق للدنيا -أو معنى بتعبير "فرانكل"- ليفتح له مساحة من الشعور والتصبّروالأمل في الجزاء على تلك المعاناة، إلى جانب العلاج المعرفي والسلوكي الذي يبحث فيما وراء الأزمة لعلاجها.

فهل يمكننا اعتبار الأمرين -العلاج النفسي والدين- على صلة وثيقة تساعد الإنسان على تجاوز أزماته؟ وهل يمكن تضمين الدين كحل دائم في استيعاب المريض وخلق مساحة من الاطمئنان حسب حاجته لها؟ تلك هي الأسئلة التي يمتلك المعالجون إجابتها وكيفية تطبيقها على أرض الواقع.

 

المصدر:الجزيرة نت

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي