د.عثمان محمد غريب
حجم الخط :
عدد القراءات
174
2018/8/1 10:12:45 AM

إنَّ الكتابَ المقدَّسَ الموجودَ بينَ أيدينا يَحمِلُ في طَيِّاتِهِ أُمُورا أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع، وفيه ما يمسُّ الأنبياءَ والملوكَ الصَّالحين.

 

ومن الشخصيات المثيرة في الكتاب المقدس داودُ بنُ سليمانَ – عليهما السلام – وهو من منظور الكتاب المقدس مَلِكٌ مِنَ الملوكِ وليسَ نبيًا مِنَ الأنبياء، ونَسَبَتْ إليه أسفارُهُ مِنَ الظلم ما نَسَبَتْ.

 

وداود عليه السلام من منظور القرآن الكريم فهو نبيٌ من الصالحين الأوابين، آتاه الله الملكَ والنبوةَ و والزَّبورَ والحكمةَ وفصلَ الخِطاب، وعلَّمَهُ مما يشاء، وسخَّر معه الجبالَ يسبحن بالعشي والإشراق، والطيرَ محشورةً، كلٌّ له أوَّاب، وَأَلانَ له الحديدَ وشدَّ له ملكَه، وَفَضَّلَهُ هو وابنَه على كثيرٍ مِن عباده المؤمنين، وإن له عند الله للحسنى وحسن مآبٍ.

 

وقد ورد اسمُهُ في القُرآنِ ستَّ عشرةَ مرَّةً في تسعِ سُوَرٍ، وهي: سورةُ البقرة، وسورةُ النساء، وسورةُ المائدة، وسورةُ الأنعام، وسورةُ الإسراء، وسورةُ الأنبياء، وسورةُ النمل، وسورةُ سبأ، وسورةُ ص، كُلُّها في مَقام الثَّناء والمدح والتَّبجيل والتَّكريم.

 

أما داودُ في التوراة فله شأنٌ آخَر عما هو عليه في الذكر الحكيم.

 

ورغم أنَّ مَمْلَكَةَ اليهودِ لَمْ تَقُمْ إلاَّ على يدِ داودَ وَرُغمَ أنَّها بَلَغَتْ أَوْجَهَا في عهدِهِ وعهدِ ابنه سليمان، وَرُغْمَ أنَّ اليهودَ يفتخرون بما بَلَغَتْهُ هذه المملكةُ مِن رقيٍ يجعلونها المثلَ الأعلى للدولة التي ينبغي أن تقوم على الأرض، رغم ذلك كله تقوم التوراةُ بتصوير داود -عليه السلام- بصورةٍ حقيرةٍ مُزرِيَةٍ، فهو كاذبٌ مخادعٌ أفَّاكٌ كذَّابٌ، وهو قاطعُ طريقٍ، وهو مَلِكٌ جَبَّارٌ يٌهلِكُ الحَرثَ والنَّسلَ، ويَضَعُ أطفالَ الفلسطينيين ونساءَهم ومواشيَهم تَحتَ مناشيرَ ونوارجِ حديدٍ وفؤوسٍ حديدٍ، ويَضَعُهُم في أُتُونِ الآجر ويُحرِقُهم بالنَّار أحياءً، ويَخطف امرأةَ قائدِهِ أوريا الحِثِّي فَيَزنيِ بها ويتآمرُ على زوجها حتى يُقتَلَ بيد أعدائه.(1)

 

ومما نَسَبَ إليه سفر صموئيل الأول مِنَ الظُّلمِ تقديمُه لأغربِ مهرٍ دوَّنه التاريخ.

 

وإليكم مختصر ما دوّنَهُ هذا السفرُ حولَ مَهرِ داود لابنة شاول الملك:

 

شاول الملك (طالوت في القرآن) أحبَّ داود جِدًّا، وَجَعَلَهُ حاملَ سلاحه، ولكنه دبّ الحسَدُ في قلبه، إذ رآه يَنْجَحُ في كلِّ عملٍ تمتد إليه يداهُ، وَصَارَ يتمجَّدُ أكثرَ منه.

 

ولمَّا قَتَلَ داودُ جلياتٍ (أي جالوت كما في القرآن) وقَتَلَ كثيرًا من الفلسطينيين، استقبلت النساءُ شاولَ وداود، بعضُهم يُغَنِّينَ لهما، والأخرياتُ يَضرِبنَ بالدف ويرددن: ضَرَبَ شَاوُلُ أُلُوفَهُ وَداود رِبْوَاتِهِ (أي عشرات الألوف)، وهذا مما أثار حفيظة شاول وزاد من حقده على داود، وجعله يترقبه ويكيد لقتله، وقال «أَعْطَيْنَ داود رِبْوَاتٍ أي عشرات الألوف، وَأَمَّا أَنَا فَأَعْطَيْنَنِي الأُلُوفَ!

ولما أَحَبَّتْ ميكالُ – ابنة الملكِ شاول – داودَ، استغلَّ شاولُ هذا الحبَّ واشترطَ على داودَ أن يُقَدِّمَ لابنته مَهرًا، هو أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع!

 

اشترط شاولُ عليه أن يقوم بقتل 100 فلسطيني ويقطغ غُلَفَهُمْ (والغُلْفَةُ هي الْجِلْدَةُ الَّتِي تَكُونُ بِرَأْسِ الْعُضْوِ التَّنَاسُلِيِّ) وَيُقَدِّمَهَا مَهرًا لابنته، وَكَانَ شَاوُلُ يَتَفَكَّرُ أَنْ يُوقِعَ داودَ بِيَدِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ حتى يقتلوه فيتخلَّص منه.

 

فَحَسُنَ الْكَلاَمُ فِي عَيْنَيْ داود أَنْ يُصَاهِرَ الْمَلِكَ، فقَامَ داود وَذَهَبَ هُوَ وَرِجَالُهُ وَأغار على مجموعة من الفلسطينيين فجأة، وقَتَلَ مِنهم مِئَتَيْ رَجُل، وَأَتَى داود بِغُلَفِهِمْ إلى شاول الْمَلِكِ فزوَّجَهُ شَاوُلُ ابْنَتَهُ مِيكَالَ.(2)

 

———————-

 

(1) ينظر سيرة داود: الكتاب المقدس: أسفار صموئيل الأول والثاني والملوك وأخبار الأيام، وينظر: كتاب: (الله والأنبياء في التوراة والعهد القديم –دراسة مقارنة)- د.محمد علي البار-دار القلم-دمشق والدار الشامية-بيروت،ط1-1410هـ- 1990: ص345 وما بعدها.

 

(2) الكتاب المقدس: سفر صموئيل الأول: الإصحاح 18:1-30.

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي