مروة شبنام أروج
حجم الخط :
عدد القراءات
444
2018/8/1 09:37:04 PM

أعتقد أن أبرز جانب جذب الانتباه خلال قمة ترامب – بوتين التي استضافتها هلسنكي يوم الإثنين الماضي كان القلق الذي تسببت به داخل أروقة التحالف الأطلسي. وقد قرأت تحليلا يتناول القمة قال فيه كاتب أمريكي "كنا نخشى أن يقدم ترامب تنازلات لبوتين بخصوص القوات الأمريكية في القرم أو سوريا أو أوروبا الشرقية، لكننا أخطأنا، فالرجل ذهب وأعطاه أمريكا نفسها!".

 

اعتقل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) هذا الأسبوع 12 عميلا روسيا بتهمة التدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، غير أن ترامب قال خلال القمة إن روسيا ليس لها علاقة بالانتخابات الأمريكية، وهو ما أصاب الديمقراطيين بالجنون. وأما قوله إن واشنطن تتحمل جزءا من مسؤولية تدهور العلاقات مع روسيا فقد أصابت الجمهوريين كذلك بخيبة الأمل لأنهم كانوا يأملون في أن ينجح في جعل بوتين يتراجع ولو خطوة إلى الوراء.

 

إن الوضع بالنسبة لحلفاء الناتو، لا سيما الدول الأوروبية، يعتبر أكثر إقلاقا. فعلى سبيل المثال، قال وزير الخارجية البولندي الأسبق راديك سيكروسكي في تغريدة على تويتر: "حسنا، لو أطلق بوتين، بصفته حليفا لأمريكا، حربا هجينة أو شن هجوما نوويا على بولندا، كيف لنا أن نصدق أن الرئيس الأمريكي سيهدد روسيا بهجوم نووي مضاد؟" فهذه الكلمات التي قالها مسؤول من بولندا التي انضمت إلى حلف الناتو بعد تأسيسه بخمسين عاما (1999) تعكس روح الحرب الباردة. فالتوازن بين تهديد الاستهداف النووي الذي أطلقه الاتحاد السوفيتي ضد أمريكا وحلفائها والتهديد الأمريكي بالرد نوويا على ذلك التهديد كان قد شكل نظام دوليا ثنائي القطب عقب الحرب العالمية الثانية. وبانهيار روسيا الشيوعية لم يختف التهديد الروسي بالنسبة للغرب في الحقبة التي حملت اسم "حقبة ما بعد الحرب الباردة"، حتى وإن كنا قد شهدنا خطوات نحو تعاون بين واشنطن وموسكو في عدة قضايا في مطلع الألفية الثالثة سواء في عهد بوش أو خلفه أوباما، كما أن دول أوروبا لم تقلق أبدا حتى يومنا هذا من أنها لن تجد الدعم الأمريكي عندما تحتاج إليه.

 

لا ريب أن التصرفات التي يتعامل بها ترامب مع حلفائه بالناتو لها نصيب كبير من المساهمة في ظهور هذا القلق. فالحلفاء الأوروبيون يقولون صراحة، وإن كان بشكل مبالغ فيه" إن "أمريكا تحت حكم ترامب صارت تعامل أصدقاءها القدامى كأعداء وأعداءها كأصدقاء". وكان الرئيس الأمريكي قد زاد من حدة خطابه لحلفاء الناتو الذين انتقدهم منذ دخوله البيت الأبيض بشأن النفقات الدفاعية، بيد أنه – في الحقيقة – أخرج السر الذي كان يخفيه خلال قمة الحلف في بروكسل الأسبوع الماضي؛ إذ قال إن عجز الميزان التجاري لبلاده في علاقتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي يبلغ 151 مليار دولار، ولهذا فهو يعتقد، إن صح التعبير، أن الولايات المتحدة قد "خُدعت"، وهو يقول باختصار "نحميكم ونحمل حلف الناتو على ظهورنا وكذلك فإننا نتابع معاملتكم لنا بصفتنا بلهاء، لا يمكن أن يستمر هذا الحال".

 

يرى ترامب أن عجز الميزان التجاري الخارجي لبلاده يبلغ 811 مليار دولار سنويا، وهو السبب الرئيس لتراجع قوة أمريكا التي كانت عليها في السابق. ولسد هذا العجز فإنه فرض تعريفات جمركية إضافية على شركائه التجاريين مثل الصين والاتحاد الأوروبي ودول نافتا، بل إنه حوّل الإمر إلى حرب تجارية بفرضه تعريفات إضافية على 1300 منتج تستورده الولايات المتحدة من الصين التي تستحوذ بمفردها على نصيب الأسد من عجز الميزان التجاري الخارجي الأمريكي (375 مليار دولار). وقد برزت مؤخرا في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي أعلنت مطلع العام الجاري عبارة جاء بها أن "الولايات المتحدة ستعتبر أي صديق أو عدو يضر باقتصادها تهديدا يحدق بمصالحها". وقد أكد ترامب بالتعريفات الجمركية التي فرضها على واردات الحديد والصلب كيف أنه عازم على تنفيذ سياسة "أمريكا أولا".

 

تأتي ألمانيا في مقدمة البلدان التي يستهدفها ترامب الذي يبدو مصمما على إعادة ترتيب أوراق علاقة واشنطن بالاتحاد الأوروبي. ولا شك أن الدافع الاقتصادي هو سبب الهجوم اللفظي الذي شنه ترامب على برلين التي اتهمها، قبيل لقائه بوتين، باستيراد الغاز الروسي، والذي بدا وكأنه انتقاد موجه للاتحاد الأوروبي. وقد أبلغ خلال زيارته لندن، التي وصلها قادما من بروكسل، حكومة تريزا ماي، الراغبة في توقيع اتفاقية تجارة حرة شاملة عقب الانفصال بشكل ناعم عن الاتحاد الأوروبي، بأنها إن لم تخط خطوات جادة بشأن الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، فإن عليها أن تنسى احتمالية توقيع اتفاقية تجارة حرة مع بلاده، وها هو يبدأ العمل عبر أصدقائه الغربيين الذين حققوا ثروات طائلة من وراء الولايات المتحدة التي يريد إعادة تعزيز قدراتها اعتقادا منه بأن العولمة أوهنت قواها.

 

لا خلاف على أن ترامب، الذي انسحب ببلاده في مايو/أيار من الاتفاق النووي الموقع مع ايران، قد أسعد أصدقاءه مثل إسرائيل والإمارات والسعودية بهذه الخطوة، لكن من الواضح أن كون الذين استفادوا من الاتفاق الموقع في عهد سلفه أوباما بزيادة حجم التبادل التجاري مع طهران، هم دول الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتها فرنسا، قد أشعره بمزيد من الضجر. وكان ترامب قد انتقد شروط الاتفاق، أكثر من الاتفاق ذاته، فهل يفكر الرجل بتوقيع اتفاق جديد بشروط أكثر صرامة، كما فعل مع كوريا الشمالية؟ وإذا كان يفكر بذلك، هل سيستطيع إقناع إسرائيل ودول الخليج؟ أو هل ستوافق إيران على اتفاق كهذا؟ لا ندري حاليا.

 

لكن لا ريب في أن إدارة ترامب ستواصل فعل ما بوسعها في كل رقعة من رقاع "طاولة الشطرنج"، وفي مقدمتها الشرق الأوسط، لوضع الصين في "خانة اليك"، لمَ لا وبكين تلبي الجزء الأكبر من احتياجاتها من مصادر الطاقة من إيران والخليج العربي ومنطقة مضيق باب المندب، ذلك أنه – أي ترامب - يعتبر العملاق الصناعي الصيني هو أكبر تهديد يحدق ببلاده. هذا فضلا عن أن الرئيس الأمريكي غاضب، لهذا السبب، على الدول الأوروبي التي ترحب بمحاولات الصين لتنفيذ مشروع طريق يربط بكين بلندن بشكل دائم. ولهذا يمكن أن نعتبر أن من أبرز أسباب تقرب ترامب لبوتين هو رغبته في عزل الصين. فعلى سبيل المثال، كان ترامب قد صرح بأنه ينتظر دعم بوتين للاتفاق الذي سيتم التوصل إليه مع كوريا الشمالية. ونفهم من ذلك أنه يريد، بهذه الخطوة ومثيلاتها، تقوية روسيا في المناطق التي تسيطر عليها الصين، وبالتالي إضعاف الصين من الناحية الجيوسياسية.

 

وسنرى ماذا ستفعل الصين التي فضلت متابعة كل هذه التطورات بشكل صامت حتى هذه اللحظة. فهل الصين حقا قوة عظمى قادرة على تهديد الولايات المتحدة؟ أم أنها نمر مصنوع من الورق؟ ويبدو أننا سنجد جوابا على هذا السؤال الغامض إن عاجلا أو آجلا.

 

ومن ناحية أخرى، هل سيستطيع حلف الناتو، الذي كان قد أسس من أجل "المحافظة على الولايات المتحدة في الداخل، وروسيا في الخارج، وألمانيا في الأسفل" من وجهة النظر الأوروبية، الصمود في ظل هذه الأوضاع في الوقت الذي تبتعد فيه أمريكا عن أوروبا وتتقرب إلى روسيا التي لم تعد تهديدا كما كانت في السابق وصعدت فيه ألمانيا إلى الأعلى؟ أي بعدما ابتعد عن الهدف الرئيس لتأسيسه؟ أم ستعاد صياغة مبادئ الحلف بانضمام حلفاء من خارجه مثل إسرائيل؟ هذا ما سنراه قريبا.

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي