ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
196
2018/8/15 06:01:22 PM

لم يكن الإعلان عن الإصابة البليغة التي تعرض لها زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي يوم الاثنين الماضي، الأول من نوعه. فمنذ بداية الهجوم الكبير على مناطق التنظيم في 2015 وبداية انكماش "داعش" بفعل ضربات التحالف الدولي والقوات العراقية، أذيعت مرات لا تحصى أنباء عن إصابة البغدادي أو مقتله في قصف جوي أو في هجمات مختلفة.

لم تثبت صحة أي من هذه الأنباء على الرغم من إشارات عدة عن جروح خطرة لحقت به. الرواية الأخيرة تتحدث عن موت الرجل "سريرياً" بعدما تعرض مكان داخل الأراضي السورية كان قادة "داعش" يعقدون فيه اجتماعاً لهم في يونيو (حزيران) الماضي، إلى غارة من القوة الجوية العراقية. وطورت مصادر عدة الخبر وصولاً إلى تأكيد الوفاة وظهور الخلافات بين قياديي التنظيم حول وراثة المنصب الذي شغر بمقتل البغدادي وصولاً إلى تحديد محور الصراع الداخلي بقبول أو رفض تولي شخص يدعى أبو عثمان التونسي زعامة التنظيم واعتراض مسؤولي التنظيم العراقيين على التونسي.

التحالف الدولي امتنع عن تأكيد أو نفي النبأ مكتفياً بالقول إنه أخذ علماً بالتقارير التي تتحدث عن موت البغدادي سريرياً، بحسب ما نقلت وكالة "سبوتنيك" الروسية. ويقلل هذا الامتناع من صدقية الخبر ويحيطه بظلال من الشكوك حول الهدف من نشره في وسائل الإعلام التي اعتمدت كلها رواية واحدة وزعها مصدر عراقي رسمي.

غياب المصادر الصحافية المستقلة والعزلة الجغرافية لميدان الأحداث، والتكتم الشديد الذي يحيط "داعش" نشاطه به في هذه المرحلة، عوامل تحول دون إجراء تقييم موضوعي أو تقاطع للمعلومات على ما ينبغي لكل صحافي أن يفعل؛ ما يترك الباب مفتوحاً للتكهنات والتأويلات. بيد أن ذلك لا يمنع إضافة عدد من التفاصيل الأساسية للإحاطة بالحدث. ومنها أن الخلفية التي ظهر عليها التنظيم الإرهابي لم تجر مقاربتها سياسياً بالتزامن مع المقاربتين العسكرية والأمنية. يثبت ذلك ما تنقله تقارير صحافية عن استمرار وجود نوع من السطوة للتنظيم في مناطق شمال العراق وفي مخيمات اللاجئين الفارين من الموصل وغيرها من المدن والبلدات التي خضعت ذات يوم لـ"داعش". بكلمات ثانية: اختلال العلاقات السنية - الشيعية العراقية الذي أعقب الغزو الأميركي في 2003، لم يجد حلاً سياسياً له؛ ما يهدد بظهور قوى جديدة تعيد تجربة "داعش" على نحو أو آخر بعد حين. ويبدو أن سلوك بعض مجموعات "الحشد الشعبي" يعمل على صب الزيت على النار، حيث تصر على التعامل مع سكان المناطق التي كانت تحت سيطرة "داعش" كقوات احتلال.

يضاف إلى ذلك، أن الاعتقاد بإمكان بناء صيغة حكم على أساس هزيمة التنظيم العسكرية يخفي اعتقاداً أعمق بجواز تجاهل المكون العربي السني والاكتفاء بتسويات فوقية مع السياسيين الذين ينطقون باسم هذه الجماعة. وهذه وصفة مضمونة لاستعادة أسلوب نوري المالكي الذي حاصر مناهضي "القاعدة" ومن ثم "داعش"؛ ما أفضى إلى عزلهم عن بيئتهم الاجتماعية وسهل للإرهابيين اجتثاثهم.

ويعيد ذلك إلى الاهتمام مقولات عن الجذور السياسية لـ"داعش" ودور الضباط البعثيين السابقين في تشكيله وقيادته والنظر إليه كتعبير عن أزمة عميقة اجتاحت المكون العربي السني، ولم يجد مخرجاً منها سوى بنوع من الاستسلام للأمر الواقع الذي فرضه التنظيم المتطرف، وهو ما انتهى بكارثة لم يخرج العراق برمته منها بعد.

في سياق هذه الأجواء، يمكن فهم الكلام عن خلافات بين قياديي "داعش" حول من سيتولى الزعامة بعد مصرع البغدادي. والقول إن أبو عثمان التونسي مرفوض من أكثرية مسؤولي التنظيم يُذكّر بالسمة العراقية العميقة لـ"داعش" في الدرجة الأولى، قبل أن تتمدد إلى الداخل السوري وقبل أن تتحول إلى "لواء أممي" للجهاديين الذين التحقوا بالتنظيم من مناطق تمتد من أوزبكستان شرقاً إلى المغرب وبريطانيا غرباً.

كما لا يمكن تجاهل مجيء إعلان إصابة البغدادي في ظل الأزمة السياسية المستمرة في بغداد منذ الانتخابات النيابية في مايو (أيار) الماضي. فخبر إصابة أو موت شخصية مثل زعيم "داعش" قابل للاستخدام الأداتي في الصراع على تسمية الفريق الفائز في الانتخابات بعد أيام قليلة من نهاية الفرز اليدوي للأصوات، وبالتالي على تشكيل الحكومة المقبلة. وبهذا يكون الإعلان هذه المرة عن نهاية البغدادي، مقدمة لمرحلة جديدة من المساومات السياسية.

المصدر: الشرق الأوسط

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي