فيكين شيتريان – صحافي وكاتب أرمني
حجم الخط :
عدد القراءات
235
2020/7/17 12:32:30 PM
ثمة صراع ناشب الآن بين مصر وإثيوبيا حول تقاسم مياه نهر النيل. فقد أوشكت أعمال بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير على الاكتمال -ذاك المشروع الذي كلف البلاد 4.8 مليار دولار- وكان يفترض أن تبدأ إثيوبيا ملأه قريباً. وعلى رغم أن المفاوضات حول مياه النيل مستمرة بين مصر وإثيوبيا والسودان منذ أربع سنوات، لكنها لم تفض إلى أي حلول. وحذر الزعماء المصريون إثيوبيا مما وصفوها بـ”تحركات أحادية الجانب” قبل التوّصل إلى أيّ اتفاق. وعلى رغم موافقة إثيوبيا على تأجيل بدء ملء السد في الوقت الراهن، إلى متى سيستمر ذلك؟
 
بحسب القانون الدولي، توجد اتفاقية لتقاسم مياه النيل وُقعت عام 1929 خلال فترة الاستعمار البريطاني، وعُدلت عام 1959 بين مصر والسودان. وفقاً لتلك الاتفاقية، تحصل مصر على حصة تبلغ 55.5 مليار متر مكعب والسودان على 18.5 مليار متر مكعب من التدفق السنوي الإجمالي لمياه النيل البالغ 84 مليار متر مكعب. (بعد حساب التبخر الذي يبلغ 10 مليار متر مكعب). لم تأخذ هذه الاتفاقية في الاعتبار حصص بلدان المنبع الأخرى. لذا كان لا بد أن تثير التنمية الاقتصادية المصحوبة بالانفجار الديموغرافي في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى مسألة تقاسم مياه النيل. حدث ذلك عام 2010، عندما بدأت خمس دول من بلدان المنبع في التعاون من أجل الحصول على حصص أكبر من مياه النيل من أجل الري.
جاءت الصدمة الكبرى بعد عام من ذلك، عندما شرعت إثيوبيا في بناء سد النهضة، بالقرب من حدودها مع السودان. وسيغطي الخزان بعد إنجازه كلياً أراضي تبلغ مساحتها 1800 كيلومتر مربع، بهدف توليد 6 آلاف ميغاوات من الطاقة الكهربائية. وبينما لا يزال 50 مليون إثيوبي حالياً يفتقرون إلى الكهرباء، سيزود السد إثيوبيا بالكهرباء التي تحتاجها بل وسيجعلها مُصدرة للطاقة الكهربائية. 
 
بالنسبة إلى إثيوبيا -التي تعد إحدى أفقر دول العالم، حيث بلغ نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي 772 دولاراً عام 2018 (وفق إحصاءات البنك الدولي)- فإن أقل ما يعد به سد النهضة هو دفع عجلة تنميتها الاقتصادية.
 
في البداية كان من المقرر ملء الخزان في تموز/ يوليو 2020، بسعة إجمالية تبلغ 74 مليار متر مكعب. مع أن ذلك سيتجاوز التدفق السنوي لمياه النيل الأزرق على الحدود الإثيوبية السودانية بمرة ونصف. (يبلغ تدفق النيل الأزرق السنوي 49 مليار متر مكعب). بالنسبة لإثيوبيا كان من المفترض أن يستغرق ملء هذا السد العملاق ست سنوات، لكن مصر كانت تضغط على إثيوبيا من أجل مد هذه الفترة لتصل إلى 11 سنة، حتى لا يحدث انخفاض مفاجئ وطويل المدى في منسوب مياه نهر النيل في دولتي المصب.
عارضت مصر المشروع من البداية، وطلبت وقف أعمال البناء قبل بدء المفاوضات. لا شك في أن مخاوف المصريين بدهية، “فمصر هبة النيل”، مثلما وصفها هيرودوت في مقولته الشهيرة. فلولا مياه النيل التي تتدفق من أعماق الهضاب الأفريقية، ما كانت الحضارة المصرية التي قامت على حفر القنوات والتحكم في مياه النيل من أجل الري  لتزدهر. وقد ظل منبع مياه النيل مجهولاً للمصريين طيلة قرونٍ عدة، فقد اعتقدوا أن النيل ينبع من جبال في الجنوب تسمى “جبال القمر”. ولم يتمكنوا من اكتشاف منبع النيل إلا في القرن التاسع عشر، تحديداً عام 1855، أي بعد أربعة قرون من اكتشاف الأميركتين. ويتكون نهر النيل من رافدين، هما: النيل الأبيض، الذي ينبع من بحيرة فيكتوريا في كينيا، لكن مياهه تتفرق في المستنقعات الكثيفة في السودان، في حين تأتي 85 في المئة من المياه المغذية لنهر النيل من الرافد الثاني: النيل الأزرق، الذي ينبع من مرتفعات إثيوبيا، وتمر هذه المياه بالخرطوم ثم تواصل رحلتها إلى مصر. وتخشى مصر من أن يؤدي ملء الخزان إلى نقصٍ في المياه على المدى القصير، وكذلك المدى الطويل بسبب التبخر الحاصل في البحيرة التي ستتشكل خلف سد النهضة.
 
تتزايد حاجة مصر وإثيوبيا الماسة إلى المياه والكهرباء. فعام 1980 كان تعداد سكان إثيوبيا 35 مليون نسمة، لكنه تجاوز حالياً الـ100 مليون نسبة. وعام 2011، وقت حدوث الثورة المصرية، كان تعداد السكان 82 مليون نسمة، واليوم يتجاوز الـ100 مليون نسمة.
 
جفاف مجرى نهر الفرات
قد لا يكون نهر النيل هو السبب الوحيد “للصراعات المائية” في الشرق الأوسط. فقد انتشرت مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي، تُظهر انخفاضاً قياسياً في منسوب نهر الفرات تصل إلى حد الجفاف. ويعزو المحللون في شمال سوريا والعراق هذا النقص الشديد في المياه إلى السياسات التركية الرامية إلى “معاقبة” المناطق الكردية المأهولة بالسكان في هاتين البلدين. وبحسب مصادر في سوريا، فقد خفضت تركيا مُعدل تدفق مياه نهر الفرات من 55 متر مكعب في الثانية إلى 150 سم في الثانية فقط. لعل ذلك أسوأ وضع آلت إليه الأمور منذ عام 2017، عندما بلغت مستويات نهر الفرات عند المصب معدلات منخفضة بشكل كبير. وقد أثار ذلك مشكلات تتعلق بالري وتوليد الكهرباء في سوريا. بينما كانت العواقب في العراق، ذلك البلد الذي لطالما عانى من انخفاض مستمر في مستويات المياه في النهر، أكثر من مأساوية.
 
منذ الثمانينات، تسببت مسالة مياه نهري الفرات ودجلة في إثارة الخلافات بين تركيا دولة المنبع وسوريا والعراق دولتي المصب. فقد أنشأت تركيا 22 سداً على نهري الفرات ودجلة، وأطلقت عليها “مشروع جنوب شرق الأناضول”، وهو مشروع تنموي اقتصادي يهدف إلى توسيع الرقعة الزراعية وتوليد الكهرباء في جنوب شرق تركيا، مكن ذلك تركيا من التحكم والسيطرة على 90 في المئة من مياه نهر الفرات و46 في المئة من تدفقات مياه نهر دجلة. ويُعزى انخفاض مستويات الأنهار في الآونة الأخيرة بصورة رئيسية إلى ملء خزان سد إليسو. غير أن ذلك ليس نهاية الطموحات المائية التركية، فثمة مخططات لبناء سد آخر، وهو سد “سيزري” ضمن نفس المشروع.
 
خفضت تركيا تدفق المياه إلى سوريا بنحو 40 في المئة بل وربما أكثر من ذلك بالنسبة للعراق
 
يفرض ذلك بلا شك مشكلات وجودية على الدول العربية المجاورة لتركيا: فمنذ الثمانينات، خفضت تركيا تدفق المياه إلى سوريا بنحو 40 في المئة بل وربما أكثر من ذلك بالنسبة للعراق. قبل عقد من الآن، قبل اندلاع الحرب في سوريا، كان نقص المياه يُمثل مشكلة كبرى بالنسبة إلى المحافظات الشمالية في سوريا. فضلاً عن أن مواسم الجفاف في سوريا بين عامي 2006 و2009، بسبب السياسات التركية في التعامل مع المياه وبسبب نقص معدلات سقوط الأمطار، أدت إلى قصور في قطاع الزراعة، ووفاة قطعان الماشية، والهجرة الداخلية لنحو نصف مليون سوري من الحزام الزراعي الشمالي إلى ضواحي المدن. تُعد هذه المشكلة المائية وما نتج عنها من صعوبات اجتماعية، إلى جانب النظام المستبد والدكتاتوري، من بين الأسباب الأساسية للصراع في سوريا.
 
في الشرق، تواجه إيران أيضاً مشكلة خطيرة في المياه، ولعل المثال الأكثر وضوحاً على ذلك هو اختفاء بحيرة أرومية بسبب تحويل الأنهار التي تتدفق إليها بغرض الري. فقد خسرت البحيرة 90 في المئة من مساحة سطحها، ولم يتجاوز حجم المياه الحالي نسبة 1.66 في المئة، مما كان عليه في التسعينات.
 
يعاني الشرق الأوسط من مشكلة شديدة الخطورة في المياه، لن تزداد إلا سوءاً. إذ تشهد المنطقة زيادة هائلة في أعداد السكان، فقد كان عدد سكان العراق وقت الغزو الأميركي 25 مليون نسمة، وقد تجاوز الآن 38 مليون نسمة. في حين تتناقص معدلات سقوط الأمطار بسبب التغييرات المناخية. وبعبارة أخرى، سوف تعتمد المنطقة بشكل متزايد على استيراد المنتجات الغذائية في وقت فقد فيه النفط، المنتج الاستراتيجي للمنطقة، قيمته السوقية وعلى المدى المتوسط سوف يفقد أهميته الاستراتيجية.
 
تشهد المنطقة زيادة هائلة في أعداد السكان، فقد كان عدد سكان العراق وقت الغزو الأميركي 25 مليون نسمة، وقد تجاوز الآن 38 مليون نسمة
 
هذه المرة لا تستطيع دول الشرق الأوسط أن تلوم الإمبريالية والاستعمار الأجنبي على هذه الإخفاقات. إذ إن الفشل السياسي الإقليمي هو السبب وراء المشكلات الحالية، والتي من المتوقع أن تتفاقم في الأعوام المقبلة: متمثلةً في السياسات غير الرشيدة في التعامل مع المياه، وغياب التنسيق بين دول المنبع ودول المصب، وعدم الاكتراث بالبيئة. وسواء في حالة نهر النيل أو نهري دجلة والفرات فإن المنطق الوحيد الذي يسيطر على المشهد هو منطق القوة. وبينما تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مشكلات كارثية في النمو السكاني وإدارة الموارد، لا توجد منظمة إقليمية واحدة قادرة على التصدي لهذه القضايا الشائكة.
جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي