فريق العمل
حجم الخط :
عدد القراءات
1160
2016/6/4 06:16:39 PM

 في طريق ترابي ضيق في قرية "السجر"، التي كانت يوما ممرا نائما بالهدوء، تتزاحم عربات النقل العسكرية الحكومية الهامفي مع سيارات التويوتا التي تستخدمها "فصائل الحشد الشعبي" على ذات الطريق، بينما يقف على جوانبه قناصون يلوحون باسلحتهم، وياخذون صور "سيلفي" محتفلين بالنصر، في الوقت الذي تمر به عربة نقل صغيرة تحمل تابوتا مغلفا بالعلم العراقي، الطريق الذي تحول الى شريان اساسي لامداد الزخم العسكري العراقي ضد داعش، يضج الان بالمعدات والعربات وكذلك الافراد المتوجهين الى الجبهة.

السجر، تلك القرية التي تقع على الشمال الشرقي من مدينة الفلوجة، كانت تحت سيطرة داعش حتى الشهر الماضي، حين ارغم التنظيم على الانسحاب تحت ضغط الجهد العسكري للجيش العراقي المدعوم من الحشد الشعبي، حيث يدور الحديث الان بين الافراد، عن اهمية المدينة، والتاثير الذي سيلعبه فقدان التنظيم لها على استمرارية جسده.

http://oneiraqnews.com/admin/upload/

الفلوجة قلب داعش

هذا ما قاله حيدر، سائق سيارة همر عسكرية تابعة لقوات مغاوير الشرطة العراقية، مؤكدا، بان فقدان داعش لقلبه سيعني حتما موته نهائيا في العراق، الامرالذي لا يعد مؤكدا فعلا على ارض الواقع، فالتنظيم ما زال يمتلك الكثير من المواقع الاستراتيجية، خصوصا تلك المتمثلة في الموصل، المدينة العراقية الشمالية التي تعد حصنه في العراق، والرقة السورية، عاصمته في تلك البلاد، رغم هذا، فان التنظيم يرزخ فعلا وللمرة الاولى منذ اعلان قيام خلافته، تحت ضغط شديد يفقده معظم اراضيه وبسرعة كبيرة لا يبدوا معها قادرا على استعادة توازنه.

المدينة، ولما تحتويه من مكانة رمزية حصلت عليها بعد انهيار النظام العراقي السابق، تمثل امرا لا يمكن لتنظيم داعش التخلي عنه بسهولة وان رغب، خصوصا وانه يحاول ان يصد الهجوم رغم قلة فرصه في النجاح بالاحتفاظ بها، ولكونها تمثل ايضا اهمية استراتيجية لقربها من بغداد، حيث يعتقد انها المصدر الرئيسي الذي تنطلق منه العمليات الارهابية التي تستهدف العاصمة ومنذ ليس بالقريب.

داعش يستقتل في دفاعه عن المدينة, مضيعا موارده بلا نتيجة

التنظيم يحاول جاهدا ان يظهر قوة في الدفاع عن المدينة المحاصرة منذ مدة، امر لا يبدوا بانه ياتي بثمار، سوى بتاخير المحتوم فقط، فكما اشار حيدر ذو الشعر المغطى بالتراب، فان تنظيم داعش قد هاجمهم قبل بقصف مركز قبل فترة قليلة في مكان مفتوح، ما اجبره ورفاقه على البقاء في عربتهم حتى انتهاء القصف الذي تسبب بمقتل جندي واحد، حيث اكد حيدر بان التنظيم استمر بالقصف حتى نفذت ذخيرته وما عاد بيده حيلة.

الجنود الذي كانت العربة العسكرية منزلهم الامن لمدة اسبوعين، حيث خدوش سقفها هي ذكريات وزجاجها المدرع متعب من سنين الحرب، جلس فيها عريف عراقي برجلين فوق بعض، يرتدي درعا مليئا بالدماء الجافة لمستخدم ميت سلفه ارتدائه، الارضية المليئة بالوحل وعلب المياه الفارغة، المنظر يشير الى ثقة منهم بالنصر وان تم تعطيل تقدمهم، حفاظا على المدنيين.
 

http://www.dailystar.com.lb/dailystar/Pictures/2016/05/23/

معاناة ابرياء الحرب

جوانب الطريق، مليئة بالحقول التالفة والمنازل المهدومة وجذوع اشجار النخيل المحترقة، هذا المكان كان بالنسبة لبشرى احمد منزلا، قبل ان يحل عليه داعش مغتصبا، بشرى وعائلتها المكونة من زوجها وخمس اطفال، تحملوا البقاء تحت ظل دمارالتنظيم وما اتى بعده من حصار كنتيجة، محافظين على حياتهم فقط باكل التمور المخزنة وما تبقى من حدائقهم، قبل ان تبدا معارك التحرير، سقط صاروخ على منزل اخت بشرى، قاتلا اياها وطفلها ذو الخمسة اشهر، الامر الذي تركهم في صدمة فقدان الاعزاء، حتى جاء عناصر التنظيم في الصباح، جامعين السكان المحليين ومجبرين اياهم على التراجع نحو عمق الفلوجة اكثر، بهدف استخدامهم كدروع بشرية ضد القوات العراقية.

بشرى وعائلتها ومن ضمنها حماها ذو الثمانين عاما، احتشدوا في زاوية صغيرة من المنزل مختبئين من عناصر التنظيم خشية الاعتقال والتحول الى درع بشري لاحد عناصره او اسوا، حتى اشتد القصف عليهم، متروكين مع خيار البقاء ومخاطرة الموت او الخروج في محاولة للهرب، قررت العائلة التهرب تحت ستار الليل نحو الخطوط العراقية، استمروا بالتحرك في الحقول، حتى وصلوا خندق ري زحفوا عبره متجاوزين عناصر داعش المنتشرين وصولا الى القوات العراقية والحشد الشعبي المنشرة على الخط الاخر حيث خلاصهم، حكاية عائلة بشرى، هي واحدة من الالاف ربما لعوائل محاصرة من قبل التنظيم في داخل المدينة بلا ماء او غذاء، حيث يعمد التنظيم الى الاختباء في شبكاته من الانفاق تحت ارضية ومخابئه، واستخدام الاهالي العزل لايهام القوات العراقية والاستخبارات العسكرية الامريكية بانهم عناصر تابعين له منتشرين في المدينة.

Refugees from Falluja and neighbouring villages receive aid in the camp at Amriyat Falluja.

خلاص من داعش يقابله خوف من الجهة المقابلة

عوائل عديدة كعائلة احمد تحاول الهرب من الفلوجة، وما زالت، الامر الذي دفع برئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الى ابطاء سرعة الهجوم على المدينة للحفاظ على حياة المدنيين المحاصرين، لكن الخطورة لا تكمن فقط في الرحلة الى خارج المدينة والخوف من بطش التنظيم، فعائلة بشرى بعد وصولها الى الخطوط العراقية، استقبلت من قبل فصائل شبه عسكرية، اطلقت النار عليهم اشتباها، ثم بدات اعتقلوا الرجال منهم وبدؤا بضربهم، واستمروا بذلك حتى مجئ ضابط عراقي نظامي اوقف الامر نقل العائلة الى معسكر نازحين قريب، رغم ان زوج بشرى وحماها ذوالثمانين عام وكذلك ابنها، مازالوا معتقلين.

هذه الاحداث النابعة من شكوك عناصر الفصائل العراقية بكون هؤلاء النازحين ايضا جزء من داعش، او كانوا منتمين له في فترة ما، عززت مخاوف الاهالي العالقين في داخل المدينة، في الوقت الذي تتحول فيه معركة الفلوجة الى احد اكبر محفزات الفرقة المذهبية، بسبب طبيعة المدينة السكانية، وكذلك تصرفات بعض الافراد غير المنضبطين في داخل المؤسسة العسكرية وشبه العسكرية العراقية.

انا مجرد مزارع

القصة ذاتها قد تروى من رجل اربعيني عرف نفسه باسم ابو اسعد، الذي تحدث عن هروبه من الفلوجة مع تسع رجال و58 امراة قبل شهر، حيث اضطروا الى المشي ليلتين قبل ان يصلوا الخطوط العراقية هربا من داعش، ابو اسعد كان قد اعتقل ايضا من قبل الفصائل العراقية شبه العسكرية، حيث قال بانه لم يضرب ورفاقه، ولكنه تعرض الى تشتيم من بعض الافراد الذين طلبوا منه تفسيرا لعدم قيامه وابناء مدينته بثورة ضد التنظيم، حيث يرد ابو سعد قائلا "من انا لاثور ضد داعش، كيف يمكنني ان اجابههم، انا مجرد مزارع".

Abu As’sad outside his tent in Amriyat Falluja camp

الحرب بحاجة الى توحيد ايدلوجية

في الطريق بين الانبار وحتى الفلوجة، التوترالطائفي كان واضحا، فالاعلام المتعددة انتشرت، وفي الوقت الذي توفر فيه الطائرات الامريكية الغطاء الجوي الضروري للتقدم، والرصد الاستخباراتي، يصرخ بعض المرابطين على جوانب الطريق حين يرونا "اللعنة على امريكا"، رغم التقدم الذي تحرزه القوات العراقية وداعميها، الا ان هذا النصر قد لا يدوم ان لم يقترن بسياسة وطنية واضحة توحد الجميع تحت فكرتها، وتطمن ابناء تلك المناطق لكسب عقولهم وقلوبهم نحو الحكومة المركزية وجهودها.

بالقرب من الجبهة، وقف مجموعة مقاتلين مع قائدهم، علي عبد الله ذو الــ 27 عام، حيث تحدثوا عن قتالهم سابقا في سوريا ضد التنظيم ،وكيف ان مهمتهم الان تتمحور فقط حول التقدم امام القوات الرئيسية لاستطلاع المنطقة وتطهيرها من اي افخاخ او تجمعات لداعش قد تعيق تقدم القوات العراقية، هذا التباين في طبيعة الفصائل المشتركة في القتال وتباين ايدلوجياتها، قد يقوض على المدى البعيد جهود دحر التنظيم نهائيا من العراق، مالم يصدر تحرك من الحكومة او قادة هذه الفصائل ليوحد ايدلوجيتها نحو مقاربة متكافئة.

http://www.usnews.com/cmsmedia/fd/f1/392cc07949989df2205f6313b490/

داعش ضعيف، وما انفك يضعف

النقيب ثائر كنعان، قائد من الشرطة الفيدرالية العراقية، يصرح من على مشارف الجبهة، بان القوات العراقية قد تمكنت من ان تاخذ المعركة مع داعش اليه وفي اراضيه، "بالعموم فانني اقاتل داعش منذ عامين، واستطيع القول الان بان التنظيم قد ضعف وما زال يضعف، فقد كان يشن الهجمات ويحتل الاراضي، والان، لا يستطيع حتى الاحتفاظ بما يسيطر عليه، وهنا نحن ايضا تغيرنا، فما عدنا نعتمد على العربات المدرعة في الهجمات، وانما تكتيكات نشرالمشاة عبر الحشائش.

ثائر الذي رقي الى منصب قيادة وحدته بعد مقتل خليفته الليلة الماضية، تدلت بطنه من حزامه الضيق، لم يجفل او يهز له عرق، حين مرت قذائف داعش قربه وسقطت قاصفة منطقة قريبة منه، ولم توقفه عن ابداء رايه في الفرقة المذهبية التي تنامت في العراق بعد عام 2003، مؤكدا بانها ضخمت واستغلت من قبل البعض بعد مجئ تنظيم داعش الى البلاد، مؤكدا بان السنة في العراق لم يتحملوا فقدانهم للسلطة في العراق، فهم كفتى مدلل يواجه الفقر،"انظروا الى اراضيهم الخصبة، لما جلبوا كل هذا الدمار، لكني متاكد بانها معركة واحد مستمرة منذ 1400 عام"، كلمات ثائر تنم عن المشاعر المتضاربة للشعب العراقي حول قضاياه المصيرية في هكذا اوقات حرجة، بينما لا يبدوا ان الحكومة او اي اطراف مسؤولة اخرى، واعية بمخاطر وجود هكذا توجهات بين ابناء شعب واحد.

 

المصادر: صحيفة الغارديان.

ترجمة: مروان حبيب

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي