احمد السعداوي
حجم الخط :
عدد القراءات
1317
2016/6/5 07:10:55 PM

في جلسة ضمّتني مع كتاب عرب من بلدان مختلفة، ظل أحد الاصدقاء العرب يمازح صديقاً سعودياً بالكلام الشائع عن الوهابية والتفخيخ والتفجيرات وما الى ذلك، ولكن بعد ساعة انفجر الصديق السعودي المهذب واللطيف في وجه صديقنا العربي ابو دم خفيف.

ـ لقد حوّلتني الى هزأة يا رجل..أنت تهين بلدي.

قال له ذلك، ثم تدخلنا لفض الاشتباك، وتهدئة الخواطر، وتحريض الصديق المازح على الاعتذار.

هذا الصديق السعودي يعرف تماماً التكلفة المعنوية لسمعة السعودية داخل دائرة الصراع في المنطقة، والقضايا الدولية، ويعرف أنه يتعرّض كمواطن الى الصورة النمطية التي تتشكل في فضاء الاعلام والسجالات العامة. ولكنه، مع ذلك، يتوقع من المثقفين ومن لديه اطلاع ومعرفة أن ينظر إليه خارج اطار الصورة النمطية، وأن لا يعمّم، وأن يفصل بين مستويات عدة في الصورة التي يمكن أن نتلقاها عن بلده. ليس كل السعوديين هم من أمثال العريفي وابن باز. في السعودية مجتمع كامل يناضل منذ عقود من اجل حقوقه المدنية. مجتمع متنوع؛ لهجات وقبائل، وطوائف وثقافات متباينة. وبينهم جميعاً نسبة كبيرة من المبدعين في كل المجالات. والمشاكل البنيوية العميقة التي يعاني منها المجتمع السعودي لا تختلف كثيراً عن مشكلاتنا البنيوية العميقة، كمجتمع عراقي، بالاحالة الى المشتركات الدينية والثقافية واللغوية.

نتضايق كثيراً في العراق حين يتم التعامل معنا، من قبل العرب، كشيعة وسنة، ونريد منهم ان يقفوا عند حدود وصفنا بعراقيين وحسب. نتضايق أكثر من الصور النمطية الشائعة عنا. ونتمنى لو أجهد الاخرون انفسهم للتعرّف علينا أكثر. نتمنى أن ينظروا الى الجوانب المضيئة في تجربتنا التاريخية كعراقيين، والى المزايا والخصال الجيدة التي نتمتع بها، ونصاب بالحرج حين يتصرف عراقي ما بشكل سيء، ونسارع الى القول؛ إنه حالة شاذة ولا يمثّل الجميع.

لكننا، مع ذلك، لا ننتبه الى استهلاكنا الدائم للصور النمطية عن الآخرين. لا ننتبه الى ما في كلامنا من عنصرية، وهي عنصريات لا تقف عند حدود المعضلة الطائفية التي صار عمرها اليوم 13 سنة، وانما تتشرب في كل نواحي حياتنا.

ـ لدينا عنصرية مبطّنة ضد ذوي البشرة السمراء "الافارقة العراقيين".

ـ لدينا عنصرية هي جزء من ثقافتنا الشعبية ضد الصغار في العمر؛ الاطفال والمراهقين. يشبع المواطن العراقي اهانة وتسفيه وتصغير شأن طوال حياته حتى يبلغ فينتقم من الكبار بطريقته.

ـ لدينا عنصرية نمطية وثابتة وقارّة تجاه النساء، من الطفلة الصغيرة حتى العجوز. وهي عنصرية ناعمة في أغلب الأوقات وحادة في بعض القضايا.

ـ لدينا عنصرية شائعة ومعروفة ما بين سكان بغداد وسكان المحافظات.

ـ عنصريات المدن الدينية الكبرى ضد "المعدان".

ـ عنصريات بغدادية قديمة ضد القادمين من الريف، إن كان ريف الجنوب او ريف الانبار.

ـ عنصريات بغدادية عربية ضد الكرد، متشرّبة في الثقافة الشعبية.

ـ عنصريات "الاستنجاس" الخفيفة والمبطنة ضد الصابئة والمسيحيين والايزيديين.

ـ عنصريات "العراق العظيم" ابو الحضارات الذي علم البشرية الكتابة والقراءة، ضد بدو الصحراء من العربان.

ـ ألخ.

من هذا الخليط وغيره تتغذى مشكلتنا "الطائفية السياسية" اليوم. ومن هذا الخليط ننتج مزاجنا الاخلاقي "العراقي" جداً!

نحن "رب" العنصريات.. وعلينا ان ننظف انفسنا جيداً قبل أن نلتفت الى شتم الآخرين.

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي