سلام سرحان
حجم الخط :
2017/7/5 11:35:06 AM

تتزايد المؤشرات على أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيكون عملية شاقة بل ومستحيلة. قد تتمكن بريطانيا من الانفصال شكليا فقط أي تستعيد سيادتها على قراراتها الداخلية، لكن من المرجح ألا يتمكن أي زعيم من إخراجها من السوق الأوروبية الموحدة.

قبل سنوات حصل خلل في نقطة دخول وخروج على حدود بريطانيا مع فرنسا على ضفة القنال الإنكليزي فبلغت طوابير الشاحنات نحو 200 كيلومتر. فما بالك لو فرضت إجراءات جمركية على جميع المعابر مع الاتحاد الأوروبي؟

من المستحيل إعادة عجلات التاريخ إلى الوراء. فتلك المعابر كانت تستقبل مئات الشاحنات فقط يوميا قبل 50 عاما، لكنها تستقبل اليوم آلاف الشاحنات يوميا.

ثم ماذا عن الحدود البرية بين إيرلندا الشمالية وهي جزء من بريطانيا وجمهورية إيرلندا؟ قبل 20 عاما كان أكثر من 15 ألف جندي عاجزين عن ضبط تلك الحدود رغم حركة المرور المحدودة في ذلك الحين.

أما اليوم فهناك حركة تجارية غير مسبوقة بين البلدين وقد يتطلب الأمر أكثر من ذلك العدد من الجنود لضبط حركة السلع بين الجانبين.

وسيؤدي ذلك حتما إلى طوابير طويلة من الشاحنات بانتظار تفتيش بضائعها. وهو ما يفسر إجماع الأطراف السياسية في إيرلندا الشمالية على بقاء الحدود مفتوحة بين الطرفين.

لنأخذ سويسرا على سبيل المثال وهي بلد يرفض الانضمام الى الاتحاد الأوروبي، لكن حقائق الأمر الواقع جعلته يخضع لجميع قوانين الاتحاد الأوروبي، ومنها حركة دخول السوق المشتركة وحرية انتقال وعمل الأفراء والشركات.

لم يكن أمام سويسرا سوى الرضوخ لذلك الأمر الواقع، فهي قد تحتاج إلى حرس حدود يفوق عددهم جميع سكانها لضبط الحدود مع فرنسا وألمانيا وإيطاليا والنمسا.

ما كان بالإمكان التنصل فورا من نتائج تصويت البريطانيين للانفصال عن الاتحاد الأوروبي، لكنهم سيدركون في نهاية المطاف أن تنفيذه مستحيل حين يبدأون بدفع ثمن خطوات الانفصال الأولي.

وقد اتضحت حيرة البريطانيين في الانتخابات العامة المبكرة حين قلصوا أغلبية حزب المحافظين الحاكم ليفقد التفويض الذي يمكنه من إتمام إجراءات الانفصال.

ستراوح بريطانيا مكانها دون أن تتمكن من اتخاذ قرار حاسم بشأن الانفصال وستجد نفسها مضطرة لإجراء انتخابات مبكرة جديدة لاختيار من يقرر مصير البلاد. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن حزب المحافظين قد يمنى بهزيمة كبيرة إذا أجريت الانتخابات في وقت قريب.

 

ولذلك صمت الحزب وأبقى رئيسة الوزراء المشلولة في منصبها لحين اتضاح الرؤية.

وقد بدأت فواتير الانفصال الباهظة تظهر شيئا فشيئا وسوف تؤدي في نهاية المطاف إلى انقلاب تدريجي في الرأي العام حين تصل نيران عواقب الانفصال إلى جيوب البريطانيين.

وستكون لندن أكبر ضحايا الانفصال، الذي يمكن أن يوجه ضربة قاضية لحي المال، المساهم الأكبر من الناتج المحلي الإجمالي.

في الأيام الماضية كشف عدد كبير من المصارف عن خطط للانتقال إلى داخل أوروبا، فقد أعلنت مجموعة سوميتومو ميتسو المالية اليابانية عن إنشاء فرع في فرنكفورت استعدادا لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

كما أعلنت 3 مصارف آسيوية أخرى هي بنك ووري الكوري الجنوبي ومصرفا نومورا ودايوا اليابانيان عزمها نقل قسم من مصارفها من لندن إلى فرانكفورت، في وقت تتنافس فيه باريس ودبلن وأمستردام على اجتذاب المؤسسات والمصارف الأخرى.

لو حدث الانفصال التام لتحولت أجزاء واسعة من لندن إلى مدن أشباح ناهيك بعد انهيار أسعار العقارات وركود جميع الأنشطة الاقتصادية، ناهيك عن حتمية انفصال أسكتلندا وإيرلندا الشمالية وربما ويلز أيضا.

رحلة الألم قد تستمر لعام أو عامين، لكن في نهاية المطاف لن يستطيع أحد إخراج بريطانيا من السوق الأوروبية الموحدة.

المصدر: جريدة العرب اللندنية

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي