ون نيوز
حجم الخط :
2017/10/5 11:51:33 AM

ما تزال قصة انا غولدي ومسيرتها تأسر الألباب بعد مرور مائتي عام على وفاتها. فحتى اليوم تعتبر حياة أنا غولدي ومصيرها حدثا مأساويا في تاريخ سويسرا.

وصف المعاصرون لـ "أنّـا غولدي" هذه السيدة بأنها "امرأة ذكية وجذابة ومعتزة بنفسها". فهل كانت هذه الصفات السبب في هلاكها؟

لقد أمعن التفكير طويلاً، فيما إذا كان يريد فعلاً أن يقول هذه الجملة هكذا. إذ يدرك فالتر هاوزر أن تعبيره له صدى مثير، بل يمكن أن يكون ساخراً كذلك. برغم ذلك همهم بعد قليل من التردد: "إنه شيء كاللعنة، فالقصة لا تتركني وشأني".

 فالحديث عن اللعنة إزاء الإنبهار بشخصية أنا غولدي لا يخلو من السخرية. ذلك أنها كانت آخر امرأة يُحكم عليها بالإعدام في أوربا بسبب ممارستها للسحر. ولا تزال قصتها تأسر ألباب البشر من جميع أنحاء العالم، حتى بعد مرور مائتي عام على قيام جلاد غلاروس آنذاك بقطع رقبتها. وقد حدث هذا في الثالث عشر من يونيو 1782.

بدأ فالتر هاوزر قبل اثني عشر عاماً في الاهتمام بقصة أنا غولدي ولم يستطع حتى اليوم التخلص منها. وهو يعرف عن هذا الموضوع كل ما يجب معرفته. وقد قام هذا الصحفي والحقوقي بتأليف كتابين عن هذه الشخصية، وهو يرأس كذلك مؤسسة أنا غولدي، كما حمل على عاتقه مهمة رد كرامة "آخر ساحرات أوروبا" قبل حوالي عشرة أعوام. وحالياً يساعد هاوزر في الانتهاء من وضع اللمسات الأخيرة لمتحف أنا غولدي. والذي يفتح أبوابه للزائرين في العشرين من شهر أغسطس الجاري.

كان هناك حاجة لإنشاء متحفاً، ذلك لإن أغلب الأجانب يأتون إلى غلاروس بسبب أنا غولدي، وخاصة إلى عاصمة الكانتون التي تحمل نفس الاسم، كما يقول هاوزر الذي نشأ أيضاً في نفس المكان. "فقصتها تحتوي على جميع العناصر التي تصنع قصة مأساوية جيدة: الحب والسلطة والمؤامرات والموت".

يعتبر فالتر هاوزر ببساطة الخبير في أمر أنا غولدي. فمنذ أكثر من اثني عشر عاماً وهو يهتم بشدة بهذا الموضوع. ويظهر في هذه الصورة داخل متحف أنا غولدي الجديد.

خادمة منحدرة من بيئة فقيرة

ولدت أنا غولدي في الرابع والعشرين من أكتوبر 1734 ونشأت في اقليم زاكس الواقع آنذاك تحت سيادة زيورخ. وكانت من عائلة فقيرة، في أسفل السلم الاجتماعي.

وفي عمر الخامسة عشر تحتم عليها التكسب من خلال عملها كخادمة، فعملت لدى عدة أسر في قريتها زينفالد. ثم حملت لأول مرة وهي في الواحدة والثلاثين من عمرها. أما والد الطفل فكان جندي مرتزقة، وقد اختفى خارج البلاد قبل ميلاد ابنه.

 وقد كان هذا الطفل سبباً في دخول البؤس إلى حياة أنا غولدي، حيث مات مختنقاً في الليلة الأولى من حياته. وبالرغم من انتشار موت الأطفال المبكر آنذاك، فقد اتُهمت غولدي بقتلها للطفل. وعرفت بذلك لأول مرة قسوة القضاء في ذاك الوقت.

 الهروب إلى التعاسة

وعقاباً لها تم ربط هذه الخادمة علانيةً على "عامود العار"، ثم حُددت إقامتها بعد ذلك، حيث كان عليها أن تعيش في بيت أختها لمدة ست سنوات. ولكنها هربت قبل توقيع هذه العقوبة إلى ريف غلاروس، الذي كان يقع على بعد مسيرة يوم، وكان تحت سيادة أسرة حاكمة أخرى، حيث عملت لاحقاً لدى أسرة تسفيكي الثرية.

وفي هذا البيت نشأت علاقة بين أنا غولدي وبين ابن سيد البيت الذي كان يصغرها بأحد عشر عاماً، وهو الطبيب الشاب ملشيور تسفيكي. وقد أنجبت له ابناً معافى. إلا أن المأساة تمثلت في الفارق الاجتماعي بين الإثنين والذي جعل زواجهما مستحيلاً، وهذا برغم محاولة ملشيور تسفيكي تحقيقه. أما مصير ابنهما فلم تذكر المصادر عنه شيئاً.

 "عاشت ما لا يصدقه أحد"

"كانت أنا غولدي امرأة شجاعة بصورة لم تكن معهودة في عصرها"، على حد قول ماشا كاريل. إذ تقوم هذه الممثلة بالدور الرئيسي في المسرحية الغنائية "أنا غولدي"، والتي ستعرض للمرة الأولى في سبتمبر القادم. وقد استعدت كاريل فترة طويلة للقيام بهذا الدور. "حيث سافرت إلى الأماكن المختلفة التي شهدت أحداث حياة غولدي وسعيت للتعرف على كل ما يجب عليَّ معرفته عن شخصيتها".

وبعض هذه الأماكن لا تزال حتى اليوم على حالها كما كانت آنذاك. فمثلاً منزل عائلة تسفيكي لايزال قائماً كما كان. وكلما علمت كاريل المزيد عن غولدي، كلما زاد انبهارها بهذه الخادمة. " عاشت هذه المرأة ما لايصدقه أحد، كان مصيراً لا يمكننا تخيله".

 أدينت انا غولدي بتهمة قتل ابنها، ووضعت على عامود العار للتشهير بها، ثم أجبرت على الحياة في المنفى، كما وقعت في حب مأساوي ولم تستطع الاحتفاظ بابنها غير الشرعي. "لكن أنا غولدي انتفضت مرة أخرى وأكملت طريقها"، على حد قول ماشا كاريل. ومن الواضح لهذه الممثلة أن عليها أن تضفي على هذا الدور شخصية قوية. "إنني أراها كما لو كانت فرساً برياً، لا يستطيع أحد الإمساك به".

تقوم ماشا كاريل بالدور الأساسي في المسرحية الغنائية الجديدة "أنا غولدي". وتصرح الممثلة ابنة الثامنة والأربعين باقتناع: "كانت غولدي سيدة عنيدة".

المحطة الأخيرة

أما حبس أنا غولدي لآخر مرة وإعدامها في النهاية بقطع رأسها، فكان بسبب عملها الأخير كخادمة. ففي عام 1780، وحين كانت في السادسة والأربعين من عمرها، انتقلت إلى خدمة أسرة تشودي. وكان سيد البيت وهو الطبيب والقاضي يوهان ياكوب تشودي ينتمي للطبقة الراقية في غلاروس.

وفي صبيحة أحد الأيام وجدت إحدى بنات السيد تشودي دبابيساً في قدح الحليب. أما كيف وصلت هذه الدبابيس لهذا المكان، فقد اتضح لرب البيت على الفور. وقد اتهم الخادمة لإنها هي من أعدت الحليب. وبهذا فقدت أنا غولدي عملها، وأجبرتها صفوة مجتمع غلاروس على ترك الكانتون.

وبعد 18 يوماً بدأت ابنة أخرى من بنات السيد تشودي فجأة في تقيئ الدبابيس وقطع معدن أخرى، حسب الرواية. وبالرغم من أن أنا غولدي كانت قد غادرت البيت قبل أكثر من أسبوعين، إلا أن أصابع الإتهام كانت تشير إليها. وقد صرح تشودي على الفور باقتناعه أن الخادمة قد سحرت ابنته.

 رغم انطلاق عصر التنوير، تنفيذ الإعدام بتهمة السحر

على الرغم من أن التهمة التي وجهت إليها لم يكن لها أي تبرير منطقي، إلا أنه تم إلقاء القبض على أنا غولدي، ومن ثم تقديمها للمحاكمة. أما الشهود فاقتصروا على أصدقاء عائلة تشودي. وفي البداية نفت غولدي عن نفسها التهم، إلا أنها أقرت تحت التعذيب المتكرر بأنها قد سحرت الابنة بمعاونة الشيطان. وأسفر هذا الاعتراف عن إعدامها بقطع رأسها بسبب ممارستها للسحر في عام 1782.

لقد كان حكماً غير عادي بالنسبة لأوربا آنذاك. فقد كانت مرحلة التنوير قد تغلغلت بالفعل إلى المناطق الريفية منذ أمد بعيد. وكانت الطبقات العليا المتعلمة خاصةً قد أقلعت عن الإيمان بالخرافات. وبصفته طبيباً وحقوقياً كان يوهان ياكوب تشودي منتمياً إلى هذه الطبقة.

 فضيحة قضائية

طبقاً لتصريحات فالتر هاوزر لم تكن إدانة أنا غولدي ممكنة إذا لم تأتِ الشكوى من رجل ذي نفوذ. "فإذا ما جاءت مثل هذه الإدعاءات من أناس آخرين، لم يكن شيء ليحدث. لقد كانت فضيحة قضائية". إذ أراد يوهان ياكوب تشودي التخلص من أنا غولدي، على حد قول هاوزر.

والسبب كان على الأرجح أنه كانت تربطهما علاقة ما. "فإذا ما شاع مثل هذا الخبر، لكان معناه الموت الإجتماعي والمهني لتشودي"، كما يقول هاوزر. "وقد أكد رسمياً بعد المحاكمة أنه لم يرتكب أي شيء يمس غولدي جسدياً".

 لعنة أنا غولدي

ربما لم يعجب تشودي بشخصية أنا غولدي صعبة المراس. ربما كان يخاف أن تصبح عبئاً عليه وأن تستطيع إذا ما شب بينهما نزاع أن تجتذب الكثير من الناس في صفها. ذلك أنها كانت توصف بأنها امرأة "معتزة بنفسها وجذابة ومتعلمة إلى حدٍ ما". وبالنسبة للممثلة ماشا كاريل فالأمر جلي: "كانت أنا غولدي مستقلة بصورة فائقة، وكان هذا أمر غير مريح لمعاصريها". وحتى اليوم تظل قصتها غير مريحة. ففي كانتون غلاروس تعتبر أنا غولدي موضوعاً دائماً، حتى بعد مرور عشر سنوات على رد اعتبارها رسمياً من قِبل الكانتون. ربما كانت هذه هي لعنة أنا غولدي ـ فهي تذكرنا بأن هناك في تاريخ سويسرا أحداثا مظلمة أيضاً.

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي