ون نيوز
حجم الخط :
2017/10/5 02:41:00 PM

وجدت أسرة مروان السلامي ورنا الحياني في سويسرا الأمن والاستقرار اللذان كانا ينشدانه في انتظار غدا أكثر إشراقا تتحقق فيه أمالهما في استكمال مشوارهما العلمي وضمان مستقبل أفضل لابنيهما.

تتسبب الهجرة عادة في حرف مسيرة الإنسان عن مسارها الطبيعي، ويطرح حلول الإنسان بمكان لم يألفه من قبل تحديات ومصاعب جمّة. قد يسعفه الحظ في بعض الأحيان، فيستأنف رحلة حياته المهنية من حيث توقّف قطارها في بلده الأصلي بيُسر وسلاسة.. وقد يجبره الواقع الجديد على بداية المشوار من نقطة الصفر، إن لم يظل يراوح مكانه لسنوات طويلة.

وضع المهاجرين العرب في سويسرا ليس استثناءً في هذا الباب، وتكاد تتباين مساراتهم بعدد شخوصهم. ولتسليط الضوء على عدد من التجارب المهنية المتنوعة لأبناء هذه الجالية، اختارت swissinfo.ch الحديث إلى عيّنة منهم، فكانت هذه السلسلة من البورتريهات متعددة الألوان، وأستعرض معكم اليوم تجربة أسرة مروان السلامي وزوجته رنا الحياني العراقيين. هذه الأسرة التي قدمت من العراق إلى سويسرا طلبا للجوء والحماية في عام 2008.

ورغم أن القدوم إلى سويسرا كما يقول، مروان وزوجته رنا، "لم يكن ما يحلمان به، ولم يفكرا في ذلك قط"، لكن الأوضاع الخطيرة التي كان يمرّ بها العراق، وسنوات الجمر التي بدأت مع الإحتلال الأمريكي وتواصلت بعد سقوط صدّام، وخاصة بعد انجابهما لابنهما البكر عبد الله، "لم تترك لهما خيارا آخر"، مثلما تقول رنا الحياني.

ونظرا إلى أن قرار الخروج من العراق كان متسرّعا، كان من المنطقي التوجّه إلى سويسرا نظرا لوجود  أقارب سبقوهما إلى هذا البلد، غير أن الأيام أثبتت بأنه ربما لم يكن قرارهما مدروسا بما فيه الكفاية. وتتعزّز قناعاتهما بذلك بعد ثمانية أعوام من المعاناة والمكابدة بسبب رفض سويسرا منحهما حق اللجوء والاكتفاء بتمكينهما من الإقامة المؤقتة في البداية على الأقل، في انتظار إعادة هذه الأسرة إلى العراق حين تحسّن الأوضاع الأمنية وتوفّر الاستقرار هناك.

"اللجوء كان خيارا سيئا"

بعد رحلة شاقة وطويلة من العراق إلى تركيا برا، ومن تركيا إلى إيطاليا بحرا (سبعة أيام كاملة)، ثم منها إلى الحدود الجنوبية لسويسرا، عانت رنا وزوجها مروان وابنهما عبدالله الأمَرّيْن على يد المهربين ومن طرف حرس الحدود، وكلفهما الوصول إلى بلد اللجوء ما يفوق عن 28.000 دولار أمريكي. لكن ظروف الإقامة الصعبة في مركز تسجيل اللاجئين في فالورب Vallorbe (كانتون فو)، ثم الإقامة في شقة ضيّقة تتكوّن من غرفتيْن، لم تقتل الأمل لدى هذين الزوجين في استئناف مسيرة حياتهما من حيث انتهى بهما المشوار في العراق.

فمروان وزوجته رنا متحصلان على شهادة البكالوريوس في علوم الكيمياء من جامعة بغداد، وقبل خروجهما عمل مروان في التجارة. وينحدر الزوجان من بيئة اجتماعية مريحة، ولم يتذوّقا من قبل طعم الحرمان والفاقة، أو الإستجداء وطلب المساعدة من الغير. فكانت أوّل خطوة بعد أن حطّا الرحال في مونترو، المدينة السويسرية السياحية التي وصفها أحد الكتاب بكونها "لؤلؤة الريفييرا التي احتضنت المشاهير واغتسلت بثلوج الألب"، السعي إلى معادلة شهائدهما العلمية، حيث وعدتهما جامعة فريبورغ بالتسجيل ببرنامج الماجستير بشرط إتقان إحدى اللغتين، الفرنسية أو الألمانية.

تقول رنا: "كانت فرحة لا توصف. وعمدنا في اليوم الموالي مباشرة إلى إعلام "المؤسسة المعنية باستقبال اللاجئين ومساعدتهم بكانتون فو" (Evam) بذلك، لكن صدمتنا كانت كبيرة حيث أعلمونا بأنه ليس من حقنا الإلتحاق بمقاعد الدراسة، وأنهم ليسوا على استعداد لدفع تكاليف الدروس أو معلوم النقل، أو كلفة حضانة إبني".

إن رفض تقديم المساعدة لمواصلة الدراسة يعود لطبيعة رخصة الإقامة الممنوحة للأسرة آنذاك بوصف أفرادها طالبي لجوء، وهي الرخصة المحددة في الأخير لوضعهم القانوني وبالتالي لجملة حقوقهم وواجباتهم في سويسرا.

تقول رنا: "عندما أبلغوني قرارهم هذا أصبت بالصدمة، وأصبح وضعي النفسي سيء للغاية، وأصبت بخيبة أمل لا توصف"، أما مروان فقد انصرف إلى البحث عن شغل يكفل الكرامة ويحقق الإستقلالية المادية للأسرة ويحررها من أسر تراخيص الإقامة غير المريحة.

كابوس الإقامة المؤقتة

بعد سنتيْن من وصولها إلى سويسرا، مُنحت هذه الأسرة العراقية رخصة إقامة من صنف «F»، أي حق الإقامة المؤقتة إلى حين تحسّن الأوضاع الأمنية في العراق. وبهذا القرار، تريد السلطات السويسرية أن تقول لهؤلاء، إنه ليس بإمكانهم الحصول على الوضع القانوني الذي يُمنح للاجئ، وتبعا لذلك لن يمتّعوا بكل الإمتيازات المخوّلة للاجئ المعترف به.

عندما ينزل هذا القرار على طالبي اللجوء، فإنه "يفتح عليهم كل أبواب المصاعب والشرور"، على حد قول مروان السلامي، الذي يضيف: "هذا الترخيص هو عبارة عن قيد تتحوّل معه سويسرا إلى سجن ضيّق. فهو لا يمنحك أي حق في هذه الحياة، بما في ذلك حق اقتناء شريحة الهاتف الخلوي التي يبلغ ثمنها عشر فرنكات، ولابد أن تتوسّل بشخص آخر ليقتنيها لك حتى يمكنك التواصل مع أسرتك ومع أصدقائك".

كذلك، ورغم أنه يُسمح قانونا للاجئ بالعمل، إلا أنه في الواقع يحرم صاحبه من هذا الحق، لأنه "يقول لرجل الأعمال إن هذا الشخص الذي يطلب العمل لديك قد رُفض طلب لجوئه، وأن وجوده في سويسرا مؤقت وليس دائما، وبالتالي لا تراهن على هذا الأجنبي على المدى المتوسط والبعيد"، وفقا للسيد السلامي.

نفس الأمر بالنسبة للدراسة، إذ بإمكان المتمتّعين بالإقامات المؤقتة نظريا على الأقل التسجيل في المدارس والجامعات السويسرية، لكن ارتفاع تكاليف الدراسة، واستحالة الحصول على دروس مجانية في اللغة بالنسبة للمستويات المتقدمة التي تسمح بالتسجيل في الجامعات، يُحوّل الأمر إلى مهمّة مستحيلة.

هذا الوضع القانوني الهش هو الذي حرم في النهاية رنا الحياني وزوجها من مواصلة الدراسة، وأجبرهما على مزاولة أعمال لا ترتقي إلى مؤهلاتهما العلمية، ولا تسمح لهما بضمان حياة رغدة كريمة، لكن إصرارهما على توفير استقلالهما المادّي، والتوقّف عن مدّ أيديهما للمساعدات الإجتماعية أجبر مروان على العمل في مطعم، وأجبر زوجته على العمل بفندق غير بعيد على مقرّ سكناها، وهو ما مكّنهما مؤخّرا من التخلّي عن صفة اللجوء، والحصول على رخصة إقامة من صنف "B" بعد استظهارهما بعقود عمل رسمية.

ولئن لم يتواصل عمل رنا طويلا بسبب "قرار تعسّفي وعنصري الدوافع" وفقا لقولها، ما جعلها تتفرّغ لتربية أبنائها، فإن الزوج مروان لا يزال في عمله، يوفّر القوت لأبنائه، ضامنا بذلك استمرار الإقامة القانونية في سويسرا له ولأسرته.

ثقافة  ترفيه

ثماني سنوات تفصل اليوم هذه الأسرة العراقية عن شوارع بغداد التي ارتبط اسمها بروايات ألف ليلة وليلة ذات الشهرة العالمية، وبينما يواصل الزوج عمله كالمعتاد، اختارت الزوجة، وبغرض الخروج من العزلة، وآثارها النفسية المدمّرة ومن أجل الإندماج في المجتمع الإنخراط النشط في العمل التطوّعي المجاني.

البداية كانت في حضانة مؤسسة "انتماءات" بلوزان، حيث ظلت رنا في هذا العمل طيلة عامين كاملين، وتقول عن هذه التجربة: "لقد أحببتها كثيرا، كنت أقوم بأنشطة براعات يدوية للأطفال، وأغنّي لهم أغنيات الصغار، لقد كانت لديّ خبرة سابقا في هذا المجال". لكن رنا انقطعت عن هذا العمل التطوّعي والمجاني بعد أن رفضت مؤسسة "انتماءات" التعويض لها عن تكاليف النقل، وهي باهظة جدا في سويسرا.

كذلك انخرطت رنا لاحقا في عمل تطوّعي ومجاني في مدينة نيون الواقعة في منتصف الطريق بين لوزان وجنيف، وهذه المرة في مجال تعليم اللغة العربية. وقد تحملت بنفسها معاناة التنقل من مونترو إلي نيون.

حاليا، تستعد رنا لخوض تجربة جديدة في مجال العمل التطوّعي بطلب من بلدية مونترو، حيث ينتظر أن تشرع في التعاون مع مكتبة عمومية هناك في قراءة قصص باللغة العربية للأطفال الصغار من أجل تعويدهم على الاستماع للآخر، وإثراء معارفهم، وصقل مواهبهم السمعية.

هذه الأم العراقية التي لا تزال في مقتبل العمر اختتمت حديثها إلى swissinfo.ch  بالتأكيد على أنها "لم تفقد الأمل بعد ولم تتوقّف حتى هذه اللحظة عن السعي لمعادلة شهائدها العلمية، وإن لم يكن من أجل مواصلة الدراسة فعلى الأقل من أجل اعتراف رسمي بمستواها العلمي السابق". في الإنتظار، تشغل رنا جزءً من وقت فراغها في الرسم، والمشاركة من حين لآخر في معارض فنية على المستوى المحلّي. أما مروان، فالحياة تأخذ مسارها الطبيعي بين العمل بدوام كامل، ورعاية أسرته في انتظار غد أفضل.

المصدر: swissinfo

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي