ون نيوز
حجم الخط :
2017/10/9 01:04:21 PM

شهد العراق ما بعد لحظة 9 نيسان 2003، تزايداً ملحوظاً في عدد المنشدين الحُسينيين بعد أن كان الأمر مقتصراً على عدد من الأسماء، الذين كانت نتاجاتهم تتداول بالخفية بعيداً عن اعين سلطات النظام السابق، الذي حرم ومنع كل اشكال الشعائر الحسينية ومن بينها الأناشد واللطميات في ايام عاشوراء.

ومن بين قراء القصائد الحسينية الذين ذاع صيتهم في العقود الأولى من النصف الثاني للقرن العشرين، الرادود الحسيني حمزة الصغير والشيخ عبد الزهرة الكعبي وأخرين أمثال صالح الدرازي وياسين الرميثي، الذين اشتهروا بقصائد يحفظها عراقيون عن ظهر قلب الى اليوم.

وتاريخيا من اوائل مناسبات العزاء على الحسين بن علي، ماجمعه الصحابي سليمان بن صرد الخزاعي ـ الذي سُمّي أمير التوّابين ـ أنصاره في منطقة النخيلة، في الخامس من ربيع الثاني 65ه‍، ثمّ سار بهم إلى قبر الإمام الحسين(ثالث ائمة الشيعة الامامية)، وكان عددهم يقارب أربعة آلاف رجل، فما أن وصلوا إلى القبر ، حتّى صاحوا صيحة واحدة، وازدحموا حول القبر أكثر من ازدحام الحُجّاج على الحجر الأسود عند لثمه، فما رؤي أكثر باكياً من ذلك اليوم، فترحّموا عليه، وتابوا عنده من خذلانه وترك القتال، وتجديد العهد معه.وتعد هذه اوائل مناسبات العزاء على الحسين بن علي بعد مقتله.

وأوّل من سنّ الشعيرة البكاء على الحسين، فقد سكن الإمام السجاد(رابع ائمة الشيعة الامامية) المدينة المنورة بعد مقتل الحسين، وانتهز جميع الفرص لإحياء ذكرى واقعة كربلاء، فكان يبكي كلّما أراد شرب الماء، وكان بكاؤه على مرأى الناس ومسمعهم، حتى طلبوا منه الكفّ عن البكاء خوفاً على صحّته، لكنّه رأى من الصواب والمنطق ـ بل من الضرورة ـ البكاء على شهداء كربلاء؛ لعمق المصاب ولما لهم من شأن، واستمرّ في ذلك طيلة حياته، وحتى سنين بعد مقتل ابن زياد وسائر قتلة الحسين، كما كان يدعو الآخرين لبكاء الحسين، وعدّ ذلك سبيلاً لدخول الجنّة ونيل الأمان من الله سبحانه ،وبما أنّ الإمام السجاد استمرّ على هذا النهج إلى آخر حياته، وكان قد حظي في عقده الأخير (استشهد الإمام السجاد عام 94هـ) بمكانة اجتماعية مرموقة، وأصبح محطاً للأنظار، يمكننا اعتبار هذه السنين من حياته الشريفة سنين الإعداد لسنّ شعيرة المأتم الحسيني.

اما اليوم فالمؤاخذ على القصائد واللطميات الحسينية المتداولة في الفترة الاخيرة داخل اوساط المجتمع العراقي، خروجها عن المألوف والمسموح بهِ شرعاً وذلك لإدخالها الألحان والموسيقى الى القصائد. ويعود ذلك بحسب متابعون الى أن بعض المنشدين الحسينيين في الوقت الحاضر، كانوا مطربين في السابق وقد امتهنوا الغناء وتحولوا الى رواديد فيما بعد، مجاراة مع الأجواء الدينية التي سيطرت على المشهد العراقي ما بعد عام 2003.

ويرى اغلب علماء الشيعة الامامية ان الموسيقى حرام مثل الغناء فيذهب المرجع علي السيستاني الى القول" معنى الغناء فالظاهر انه الكلام اللهوي – شعراً كان او نثراً – الذي يؤتى به بالالحان المتعارفة عند أهل اللهو واللعب ، والعبرة بالصدق العرفي ، وأما الاستماع إليه فهو حرام كحرمة فعله والتكسّب به .وعن  الموسيقى  فيقول: ليس المقصود من عبارة (مناسبة الموسيقى أو الغناء لمجالس اللهو واللعب) هو كون الموسيقى أو اللحن الغنائي موجباً لترويح النفس ، أو تغيير الجو النفسي ، فإنَّ ذلك جيد ، ولكن المقصود بها أن السامع للموسيقى أو للحن الغنائي - خصوصا إذا كان خبيراً بهذه الأمور - يميِّز أن هذا اللحن مستعمل في مجالس اللهو واللعب ، أو أنه مشابه للألحان المستعملة فيها.

ويرى رجل الدين الشيعي الشاب  مقتدى الصدر، الاستماع للموسيقى  حرام "تحريما مطلقا"، فيما اكد أن إيجادها محرم أيضا.وقال مقتدى الصدر ردا على سؤال من احد اتباعه بشأن انتشار (الصفكات الإسلامية) ومايدمج معها شتى أنواع الموسيقى بما تاخذ الإنسان إلى  تيهان الشيطان واندماجه وتلذذه بسمعها ولا استثني احد من رواديدنا سواء كانوا صدريين او لا فكلهم اصبحوا على هذا المنوال.

وكان المرجع الديني الراحل محمد محمد صادق الصدر  اتخذ موقفا حازما من الاستماع الى الموسيقى وأفتى بـ"حرمة الموسيقى على العموم على (الاحوط وجوبا)، وإن خلت من الغناء اللفظي إلا إذا ترتبت عليها بعض المصالح الواضحة كالشفاء من الأمراض أو التأثير في تشجيع الجيش للقتال لو كان ذلك صادقا"، فيما يتخذ علماء الدين بشكل عام موقفا مضادا من الاستماع للموسيقى من حدود التحريم الى حدود "الكراهة" فيما يعده بعضهم من "الملهيات عن ذكر الله".

بينما يرى المرجع محمد اليعقوبي" ليست المشكلة في استعمال الأدوات الموسيقية وإنما في اللحن والإيقاع,فإذا كانا من قبيل الألحان التي يتداولها أهل الطرب ‏والفسق وفي حفلات المجون,فإن ذلك اللحن يكون محرم الاستماع ولا يحوّله الى الحلال كون الكلمات في ذكر الله تعالى ‏وأمثاله لان الحديث يقول (لا يطاع الله من حث يعصى) أي لا يطاع الله تعالى بشيء غير محبوب لديه".‏

تحاكي الذوق العام

وفي هذا الشأن، يرى رجل الدين، السيد محمد علي الحلو، أن الكثير من القصائد والأناشد الحسينية التي تلقى في أيام محرم الحرام، مستوحات من الأجواء التي يعيشها المسلمون في هذه الايام الحزينة التي تشهد ذكرى استشهاد الأمام الحسين (عليه السلام) وصحبه في واقعة الطف.

وأضاف رجل الدين، الحلو في تصريح خاص لـ(وان نيوز)، أن "الكثير من القصائد الحسينية تتماشى مع الذوق العام باستثناء بعضها التي تخالف وتتقاطع مع المألوف والمسموح فيه"، مبينا أن "الكثير من الشباب تميل الى الاستماع الى هذه القصائد المتداولة اليوم".

ويرى الحلو أن "القصائد الحسينية الشائعة اليوم لا تتعارض كثيرا مع الحالة الاسلامية والرأي الفقهي وما يراه الفقهاء من احياء ذكرى اهل بيت النبي واستذكار مصائبهم في واقعة الطف الأليمة".

وأشار الى أن "الانشاد الحسيني يختلف عن الغناء الذي يسعى الى الإلهاء والطرب فيما تهدف الاناشيد والرثاء والقصائد الحسينية الى التأكيد على قضية الإمام الحسين وايصال رسالة يراد الى العالم اجمع من أجل استلهام العبر والمواقف من وقفة الحسين الشجاعة".

وقفة للمراجع الدينية

بالمقابل، أعتبر عضو لجنة الاوقاف في البرلمان العراقي، النائب محمد تقي المولى، شيوع ظاهرة استخدام المنشدين الحُسينيين الايقاع والموسيقى في القصائد والأناشيد ايام عاشوراء يحتاج الى وقفة دينية ومجتمعية للحد منها.

وينيط المولى مسؤولية تشذيب وفلترة القصائد الحسينية بالمراجع الدينية الشيعية وليس بالمؤسسات الحكومية، مبينا في تصريح خاص لـ(وان نيوز)، أن "المؤسسات الحكومية ليس لها اليد الطُولى خلاف للمراجع الدينية الذين لهم تأثير مباشر وكبير في المجتمع الشيعي العراقي تحديداً".

وبحسب رأي النائب المولى، فأن تشذيب والرقي بالأناشيد والقصائد الحسينية التي تردد في اللطميات يكون عن طريق خطباء الجمع الذين يجب ان يقتطعون جزاء من كلمتهم لتوجيه الناس بهذا الشأن".

ولا يستبعـد مراقبون تدخل من خارج العراق ومنظومة القيم الشيعية مثل الحركات المضادة للشيعة في العالم فان الشيخ حيدر الطرفي يقول "لا نستيعد تدخل من الخارج المذهب الامامي الشيعي ولاسيما اسرائيل والوهابية التي ترى بالشيعة منافس اسلامي حقيقي بوجه مشاريعها الاستكبارية".

واضاف " كثير من الانماط لا تمت بصلة الى الشيعة تضاف الى الانشاد ولا تعرف من اين تاتي ولماذا ربما وراها المال الخارجي "

مطربون ام رواديد؟

ويتهم علي فرهود، وهو شاعر حسيني عراقي، الرواديد بتوظيف عاشوراء في التجارة، ويشير الى ظاهرة حفلات الرثاء في عاشوراء حيث يتسابق الرواديد مثلما المطربون على الاداء في هذه المدينة وتلك.

ويعترف فرهود بالمستوى الفني المتدني للقصائد التي يؤديها الرواد الجدد ويقول: "اصواتهم وقصائدهم متشابهة تشابه ماء البحر ولم نعد نفرق بين الرادود زيد او عمرو. ولدى بعض الرواديد اشتراطات حتى يشارك في العزاء الحسيني في مكان ما وربما لا يشارك الا بعد استلامه المبلغ المبرم في العقد التحريري او الشفهي".

نقابة للمنشدين الحسينيين

ومع تزايد اعداد المنشدين الحسينيين وتعاظم هذه الظاهرة ، طالب عدد من المنشدين والشعراء بضرورة تأطير عملهم ضمن مؤسسة مستقلة كما النقابات الاخرى، وفق ما ذهب إليه المنشد الحسيني، علي الدلفي.

ويقول الدلفي إن "المنشدين شريحة اضحت واسعة وتعددت نشاطاتهم وتشعبت لذا فمن الضروري ان يتم الالتفات لهم وتنظيم عملهم وفق رؤية منهجية تصل بهم الى تبليغ رسالتهم الحسينية بوجهها الحضاري اللائق بالقضية الحسينية".

وأعتبر الدلفي أن "انشاء نقابة للمنشدين الحسينيين ضرورة ملحة، لاسيما وان المنشد له بصبته كما للشاعر وللصحفي وللفنان، داعيا الجميع الى تنضيج هذه الفكرة ليصار الى تأسيس نقابة تنظم عمل المنشدين وتضمن حقوقهم".

يشار الى أن محال ومكاتب التسجيلات في بغداد والمحافظات العراقية وسط وجنوب البلاد، تصدر سنوياً في ايام عاشوراء المئات من  القصائد والاناشيد الحسينية تتخللها الموسيقى والإيقاع في بعض الأحيان، حتى تحولت من وسيلة لاستذكار مصائب واقعة الطف وحزن على شهداء ال بيت النبي، حيث مقتل الحسين وصحبه سنة 61 هجرية، الى وسيلة للتسلية والترفيه وبث الحماسة في النفوس خاصة عند الشباب.

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي