ناجح العبيدي
حجم الخط :
2017/10/18 02:07:22 PM

للسنة الخامسة على التوالي ستتكبد الموازنة العامة للدولة العراقیة عجزا كبیرا بملیارات الدولارات في العام المقبل. لم یكشف حتى الأن عن مشروع الموازنة لعام 2018 وكل ما تسرب من أرقام ھي مجرد تقدیرات عمومیة تفتقر للتفاصیل.

فقد ذكر  مظھر محمد صالح المستشار الاقتصادي لرئیس الوزراء في تصریحات صحفیة تناقلتھا وسائل الإعلام أن "الموزانة تقدر من 100 إلى 110 ترلیونات دینار".

 لكن الشيء المؤكد ھو أن جزءا كبیرا من ھذه النفقات التقدیریة لن تستطیع الإیرادات المحدودة تغطیتھا الأمر الذي یعني اتساع الفجوة المالیة المستمرة منذ عام 2014 .

وإذا كانت الأرقام المعلنة داخلیا لا تجیب على التساؤلات الكثیرة عن وضع العراق المالي، فإن رئیس الوزراء حیدر العبادي كشف في خطاب النوایا الذي وجھھ إلى صندوق النقد الدولي في 23 تموز/ یولیو 2017 عن وجود تحدیات كبیرة لا تزال تعترض الاقتصاد العراقي، من بینھا العجز المالي الذي یھدد بأن یصبح ظاھرة "عادیة".

 تتوقع الحكومة العراقیة بموجب خطاب النوایا أن یصل العجز في نھایة ھذا العام إلى 4,11 ترلیون دینار (ما یقارب 10 ملیارات دولار). ومقارنة بحجم المیزانیة البالغ 4,93 ترلیون دینار فإن نسبة العجز تزید عن 12 .%وھو رقم كبیر بكل المقاییس ویعبر عن اختلال ھیكلي في النظام المالي للبلاد. صحیح أن العجز المتوقع لعام 2017 لا یزید عن نصف العجز المخطط في مشروع موازنة 2017 ،ولكن ھذا التحسن النسبي جاء بالدرجة الأولى بفضل ارتفاع أسعار النفط وإنتاجھ، ولیس لنجاح السیاسة الاقتصادیة للحكومة. وتتضح الأبعاد الخطیرة للمشكلة عندما نأخذ بنظر الاعتبار الفجوة المالیة المتراكمة من السنوات السابقة والمتوقعة في المستقبل.

لسد ھذا العجز لیس أمام الحكومة سوى الاقتراض داخلیا وخارجیا واستنزاف احتیاطیات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي. ومن الواضح أن حكومة العبادي تستخدم ھذه الإمكانیات الثلاثة بـ"سخاء" كبیر.

 وحجتھا في ذلك الأوضاع الاستثنائیة التي مرت بھا البلاد نتیجة اجتیاح تنظیم داعش لمساحات شاسعة من العراق والذي تزامن مع انھیار أسعار النفط في منتصف عام 2014 .أما

الآن وبعد نجاح القوات الأمنیة في إلحاق ھزائم متتالیة بالتنظیم الإرھابي واستعادة السیطرة على معظم مناطق العراق، فإن الحكومة ومعھا أیضا البنك المركزي العراقي مطالبان بالوقوف وقفة جادة لاحتواء ظاھرة تفاقم المدیونیة المحلیة والأجنبیة قبل أن تستفحل وتتحول إلى أزمة مزمنة تلقي بأعبائھا على آفاق نمو الاقتصاد العراقي وفرص الأجیال القادمة.

حتى الآن حازت حكومة العبادي على ثقة ممولین خارجیین من العیار الثقیل الذین لم "یبخلوا" في السنتین الماضیتین في منح العراق قروضا ضخمة بملیارات الدولارات وبشروط تعتبر میسرة.

ولا یقتصر ھذا الدعم على قروض البنك الدولي (5,1 ملیار) وصندوق النقد الدولي (4,5 ملیار) والبنك الإسلامي (8,0 ملیار)، وإنما شمل أیضا أھم الدول الصناعیة وفي مقدمتھا الولایات المتحدة (7,2 ملیار) وبریطانیا ( 12 ملیارا) والیابان (5,1 ملیار) وألمانیا (6,0 ملیار) والسوید (5,0 ملیار) وفرنسا (5,0 ملیار) ومبالغ أخرى كبیرة نسبیا من الصین وإیطالیا وغیرھا.

 ومع أن معظم ھذه القروض وقعت من الناحیة المبدئیة وتسري لعدة سنوات ولم تُدفع فورا، إلاّ أنھ یجب القول بوضوح بإنھ لولا ھذه القروض لأعلن العراق إفلاسھ رسمیا ولوقع في مأزق یصعب الخروج منھ.

 كما دفعت ھذه الثقة الخارجیة بحكومة العبادي وكالة (ستاندرد آند بورز) مؤخرا لتأكید تصنیفھا الائتماني للعراق عند B/-B مع منحھ نظرة مستقبلیة مستقرة الأمر الذي یعتبر شھادة حسن سلوك للحكومة ودعما غیر مباشر لھا.

لكن ھذا "السخاء" من الممولین الأجانب یعود بالدرجة الأولى إلى اعتبارات سیاسیة تھدف للحیلولة دون انھیار العراق اقتصادیا وسیاسیا ولمساعدتھ في تحمل أعباء محاربة الإرھاب العالمي.

الآن وبعد تغیر میزان القوى وتلاشي نفوذ داعش فإنھ من المتوقع أن تنتقل ھذه الجھات بالتدریج إلى تشدید شروطھا. وینطبق ذلك بشكل خاص على صندوق النقد الدولي الذي سیبدأ قریبا بمطالبة الحكومة بتنفیذ المزید من الإصلاحات والإجراءات الضروریة والتي سیكون بعضھا "مؤلما" من الناحیة الاجتماعیة، ومنھا إعادة ھیكلة القطاع العام ومعالجة التشوھات السعریة وإحراز نجاحات ملموسة في مكافحة الفساد وغیرھا.

 كما أن العراق لا یزال یستفید في مجال الاقتراض الخارجي من استمرار بقاء معدلات الفوائد السائدة في الأسواق النقدیة العالمیة عند أدنى مستویاتھا. ولكن ذلك سیتغیر بالتدریج في ظل الرفع التدریجي لأسعار الفائدة من قبل المجلس الاحتیاطي الأمریكي الأمر الذي ینذر بتصاعد أعباء خدمة الدیون الخارجیة العراقیة في السنوات القادمة.

وفي الوقت الذي حذر فیھ خبراء اقتصادیون معروفون، ومن بینھم النائب الراحل ووزیر التخطیط السابق مھدي الحافظ من مخاطر الوقوع في فخ الدیون، تحاول الحكومة العراقیة التھوین من ذلك.

 في ھذا السیاق یشیر المستشار المالي لرئیس الوزراء صالح بحق إلى محاولات البعض تضخیم حجم المدیونیة، ولكنه یقلل في نفس الوقت من شأن مخاطر المدیونیة الخارجیة من خلال تركیزه على الدیون التي تعود لعھد النظام السابق، في حین أن من الواضح أن القروض الجدیدة مرشحة قریبا لتبلغ عشرات الملیارات من الدولارات. كما أن د. صالح لا یرى مشكلة في أن "68 % من الدین العام ھي دیون داخلیة"، وكأنھا قضیة تُحل داخل "العائلة الواحدة" ولیست التزامات مالیة تترتب علیھا أعباء وفوائد على المدیین المتوسط والطویل.

لقد سجل الدین المحلي بالفعل قفزات كبیرة للغایة في العامین الماضیین تُنذر بتحولھ إلى مصدر لاختلالات عمیقة ستؤثر على أداء الاقتصاد العراقي. وفقا لبیانات البنك المركزي العراقي تضاعف الدین أكثر من سبعة مرات خلال فترة زمنیة قصیرة جدا عندما قفز من 2,6 ترلیون دینار في شھر حزیران/یونیو 2014 إلى 4,47 ترلیون دینار في نھایة عام 2016 .ومع أنھ حافظ على مستواه تقریبا خلال عام 2017 ،إلاّ أنھ من المتوقع أن یسجل طفرة جدیدة في نھایة العام الحالي ولأسباب إحصائیة بحتة كما توحي بذلك بیانات البنك المركزي في السنوات الماضیة.

ولا یستبعد أن یتجاوز الدین المحلي قریبا حاجز الخمسین ترلیون بكثیر، ولا یمكن التعامل بلامبالاة مع ھذه المؤشر الخطیر الذي یمكن أن یزعزع الاستقرار المالي والنقدي للبلاد. صحیح أن الحكومة تحاول التقلیل من الضغوط التضخمیة المباشرة من خلال تمویل العجز عبر طرح السندات والاقتراض من البنوك المحلیة وكذلك الاستعانة بالبنك المركزي العراقي، ولكن التبعات ستبقى مؤثرة.

من الواضح أن البنك المركزي یمیل حالیا "للتساھل" في المشاركة في تمویل عجز موازنة الدولة رغم أن قانونھ التأسیسي یمنع ذلك بشكل قاطع. وإذا كانت الظروف الاستثنائیة للبلاد حتى الآن تبرر ذلك إلى حد ما، فإن تحول ھذا الواقع إلى سیاسة دائمة یھدد بالتفریط باستقلالیة البنك المركزي وتحولھ إلى أداة طیعة بید الحكومة، كما ھو الحال في الأنظمة الشمولیة.

من جھة أخرى یقف عجز الموازنة وراء تراجع احتیاطیات النقد الأجنبي التي تھاوت بحسب خطاب النوایا إلى صندوق النقد الدولي إلى 2,45 ملیار دولار في نھایة 2016 .ومن المؤكد أن ھذا الرقم واصل الانخفاض في عام 2017.

إن المؤشرات المتاحة حول تطور المدیونیة في العراق تدعو الحكومة إلى معالجة الأسباب الحقیقیة للعجز المالي، حتى لو تطلب ذلك إجراءات صارمة في مجال السیاسات المالیة والنقدیة.

 ویمكن لتخفیض سعر صرف الدینار أمام الدولار بطریقة مدروسة أن یساھم في تخفیف الضغوط عن كاھل المیزان التجاري ومیزان المدفوعات وفي رفد المیزانیة بموارد إضافیة.

 كما أن تنویع مصادر الدخل وحشد الإیرادات غیر النفطیة لن یتحقق تلقائیا بتكرار ھذا الشعار من قبل المسؤولین والخبراء الاقتصادیین، وإنما یتطلب بالدرجة الأولى تفعیل النظام الضریبي ومحاربة التھرب الضریبي وفرض رقابة صارمة على المنافذ الحدودیة ومكافحة التجاوز على شبكة الكھرباء، وقبل كل شيء توفیر الظروف العامة لتطویر القطاع الخاص لكي یتولى الدور المطلوب منھ في عملیة التنمیة.

وفي كل الأحوال فإن تطبیق الإصلاحات الاقتصادیة الضروریة یشترط وجود دولة "قویة"، دولة قادرة على فرض القانون في جمیع أنحاء البلاد والضرب بقوة على ید الفاسدین. وعسى أن تشكل إنجازات الجیش العراقي في القضاء على داعش وتجاوز أزمة استفتاء استقلال كردستان خطوة ھامة على ھذا الطریق.


نقلا عن – الحوار المتمدن

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي