ريم قيس كبّة
حجم الخط :
2017/11/29 01:02:28 PM

لطالما كانت تردد عباراته المسيئة والمهينة لها وهي تسحب نفسا عميقا موجعا من سيكارتها وكأنها تحاول أن تحرق العبارات بنار غضبها وألمها “لطالما كان يقول لي: أنتِ صداعٌ مزمن!.. أنتِ مصدر إزعاج لكل من يعرفك!.. مهما تذاكيتي فأنت سطحية غبية!.. أنت جوفاء تدعي المعرفة!.. أنتِ زرقاء قبيحة الملامح فلا تفرحي لأنك سمراء مملوحة!.. من يمتدحك إنما يضحك عليك وفي نفسه منك غرض فلا تصدقيهم.. لا شيء فيك يستحق الثناء.. ومن يعتقد غير ذلك لا يعرف عنك شيئا!”.. ناهيك عن العبارات التي كان يصفها بها أمام الآخرين وهو يستهين بكل ما تفعل أو تقول.. كي يحقّر من شأنها على الملأ..

 

وكلما حاولتْ استعادة ماضيها مع طليقها وطبيعة الحوارات التي كانت تدور بينهما كنتُ أطلب منها أن تكفّ عن ذلك.. فهي بتكرارها تلك العبارات والتوصيفات إنما تعززها بل وتقنع نفسها بأنها الحقيقة.. مع أنها لا تعدو أن تكون صادرة عن شخص حاقد لئيم ولا يقصد منها سوى الإساءة والإهانة وتحقير الآخر..

 

وعلى الرغم من أنها عانت ما عانته بعد انفصالها.. ودخلت في غياهب الكآبة المزمنة والأمراض التي بدأت نفسية لتتطور فتصبح عضوية لا نهاية لها.. إلا أنها استطاعت بعد بضع سنوات أن تتجاوز محنتها.. ولكن ليس بما يكفي لتستعيد عافية روحها المجروحة المنكسرة من الداخل..

 

فنحن بصفتنا بشرا بحاجة إلى قوة من نوع خاص وقدرة على التحمل قد تكون خارقة أحيانا لنعلو فوق محننا وفوق ما يربّيه الحقد والألم في داخلنا.. فشخص أناني مريض مثل طليقها ما كان منه إلا أن يدمر ثقتها واعتزازها بنفسها.. فزرع في داخلها أحاسيس الشك والنقص حتى نسيت في خضم كل ما عانته أن قيمتها الحقيقية لا علاقة لها بما يراه فيها الآخر.. وإنما تكمن في داخلها هي ولا تخضع لسوى تقييمها الشخصي لنفسها..

 

ويضرب لنا مثلا خبير العلاقات العاطفية والنفسية ماثيو بوغز.. عن تقييمنا لأنفسنا بتشبيه القيمة الحقيقية للإنسان بالمادة.. ويبسّط الأمر بأن يضع في يده ورقة نقدية.. ويقول لنفترض الحوار التالي بين شخصين.. يقول الأول: “هذه الخمسين دولارا لك.. هل تريدها؟”.. ويقول الثاني: “نعم.. شكرا”..

 

ويكمل الأول: “ولكنني أرى أنها غير جميلة وأن اللون الأخضر فيها غير واضح.. أما زلت تريدها؟”.. ويصر الآخر أنْ نعم.. ثم يعمد إلى طيّها بين يديه وتجعيدها ويسأل: “هي الآن مجعدة وكأنها قديمة.. أما زلت تريدها؟”..

 

ويرد بنعم.. ثم يرمي بها إلى الأرض ويدوسها بقدميه بغضب ويسأل: “هل مازلت تريدها بعد أن مسحت بها الأرض؟”.. فيضحك الآخر قائلا: “نعم أريدها لأن كل ما تفعله وتقوله لا يغيّر من قيمتها!”.. وينتهي ماثيو إلى القول: “هكذا لنا أن ننظر إلى أنفسنا.. ولا قيمة لما يفعله أو يعنيه الآخر بنا إذا كنا نعرف ونقدّر قيمة أنفسنا”..

 

وفي عودة قصيرة إلى الطفولة فقد أحالني مثال ماثيو بوغز إلى إحدى فقرات برنامج الأطفال “افتح يا سمسم”.. حين كانوا يرسمون رسوما توضيحية لأربعة أشياء مختلفة ويعيدون ترتيبها مرة بعد مرة ويسألون عن عددها.. فتأتي وأصوات الأطفال لتكرر مرة بعد مرة: “الأربعة دائماً أربعة”..



صحيفة العرب

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي