رسول علي
حجم الخط :
عدد القراءات
1845
2017/11/30 05:15:57 PM

بعد 12عاما على تأسيسها بموجب قرار سلطة الائتلاف  رقم 57 لسنة 2004، تواجه مكاتب المفتشين العموميين في الوزارات العراقية، اليوم خطر الالغاء، سيما بعد اقرار قانون الادعاء العام الذي قال سياسيون انه سيغني عن وجود تلك المكاتب، مقترح الالغاء الذي وافق عليه مجلس النواب من حيث المبدأ اثار موجة من الانقسامات السياسية بين رئاسة مجلس النواب من جهة وبعض الكتل السياسية من جهة اخرى.

المعارضون لهذا المقترح  اعتبروا ان الالغاء يعد ضربا لجهود مكافحة الفساد في العراق وتغطية على الفاسدين، فيما رأى اخرون ان تلك المكاتب تعتبر حلقات زائدة في مفاصل الدولة العراقية ولا طائل لها في ظل عمليات الفساد الكثيرة التي تمت خلال السنوات الفائتة.

كيف أسست مكاتب المفتشين العموميين في العراق؟

في10 شباط/فبراير 2004 قام  بول بريمير ، المدير الاداري لسلطة الائتلاف المؤقتة في حينها، بأنشاء مكتب للمفتش العمومي داخل كل وزارة من الوزارات العراقية، يرأسه مفتش عمومي، وبحسب القانون فانه بعد تولي الادارة العراقية الانتقالية ذات السيادة زمام السلطة في العراق، يقوم الرئيس التنفيذي في الادارة العراقية الانتقالية بتعيين المفتشين العموميين في تلك المناصب الشاغرة، ويخضع هذا التعيين للمصادقة عليه من قبل الهيئة القومية المنوط بها فيها سلطات تشريعية والتي توافق عليه بأغلبية اصوات اعضائها.

وبحسب المادة الثالثة  من القانون يرفع المفتشون العموميون تقاريرهم الى الوزير المعني مباشرة، ويستجيبون لكافة الطلبات او الاستفسارات الواردة لهم من سلطة الائتلاف المؤقتة او من الهيئة التابعة للإدارة العراقية المنوط بها سلطات تشريعية قومية. وفي حال ورود شكاوى او بلاغات يدعى فيها ان الوزير المعني اساء التصرف، يرفع المفتش العمومي تقريره الى المدير الاداري لسلطة الائتلاف المؤقتة او الى رئيس المفوضية المعنية بالنزاهة العامة بعد تولي الادارة الانتقالية العراقية كامل سلطات الحكم في العراق.

ويقوم كل مكتب من مكاتب المفتشين العموميين بفحص ومراجعة جميع سجلات الوزارة وكل ما تقوم به من نشاط بغية ضمان النزاهة والشفافية والكفاءة في عملياتها، وبغية توفير المعلومات لاتخاذ القرارات، ومن ثم تقديم التوصيات المناسبة المتعلقة بتحسين برامج الوزارة وسياساتها واجراءاتها، والقيام بالتحقيق الاداري، والمراجعة والتدقيق على عمليات الوزارة ومهامها من منظور حسن تدبير المصروفات وكفاءة وفعالية الاداء، والمراجعة على اي من انظمة الوزارة بغية قياس الاداء.

كذلك تقوم المكاتب  بتلقي الشكاوى المتعلقة بأعمال الغش والتبذير واساءة استخدام السلطة وسوء التدبير التي تؤثر على مصالح الوزارة، وتقييم فحواها واتخاذ الاجراءات المعتادة بشأنها، واحالة الشكاوى الى سلطات التحقيق المناسبة، وتوفير سبل السيطرة على الجودة، بما في ذلك مراعاة عدم التأخير عند الرد على الشكاوى وتوخي الاستقلالية في الرد عليها وعدم اغفال اي من التفاصيل الواردة فيها، وتوفير المعلومات والادلة المتعلقة بأعمال قد تكون اجرامية وتقديمها للمسؤولين المناسبين المعنيين بتطبيق القانون، وتلقي الشكاوى من اي مصدر والتحقيق فيها، او المبادرة بالتحقيق في اعمال يزعم انها تنطوي على غش او تبذير او اساءة تصرف او عدم كفاءة، والمبادرة بالتحقيق كذلك في جوانب النقص في تشغيل المنشآت وصيانتها.

شفت هيأة النزاهة اليوم عن الأسباب التي دعتها إلى الوقوف ضد مُقـتَرح قانون إِلغاء مَكاتب المفتِّشين العموميِّين، داعيةً الجهات المعنيَّة للتَدخُّل؛ بغية العدول عن تمرير المقترح؛ خدمةً للمصلحة العامَّة وتحقيقاً لِأهداف الشعب في مكافحة الفســــاد.

ما الذي تغير الآن؟

في (20 آيار 2017) قام النائب عن كتلة بدر النيابية،  محمد كون بتقديم مقترح الى مجلس النواب لإلغاء مكاتب المفتشين العموميين في الوزارات العراقية، وبحسب وثيقة حصلت عليها (وان نيوز) والمتضمنة  نص مشروع القانون انه "تلغى بموجب هذا القانون مكاتب المفتشين العموميين في الوزارات والهيئات والمؤسسات كافة، و تؤول موجودات مكاتب المفتشين العموميين بما فيها السجلات والاضابير والبيانات والقضايا كافة إلى دائرة المدعي العام الإداري والمالي المنصوص عليها في قانون الادعاء العام، ويعاد المفتشين العموميين كافة الى دوائرهم ومناصبهم السابقة، وكذلك يلغى أمر سلطة الائتلاف الموقتة رقم 57 لسنة 2004 وتعديله الأمر رقم 19 لسنة 2005، و المادة 5 : ينفذ هذا القانون من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية".

ولفت النص الى ان "الأسباب الموجبة: لصدور قانون الادعاء العام واستحداث دائرة المدعي العام الإداري والمالي وقضايا المال العام في رئاسة الادعاء العام وتأسيس مكاتب لها في الوزارات والهيئات المستقلة، وبغية الترشيق في الهيكلية الحكومية ومنع الازدواجية في المهام فقد شرع هذا القانون".

الى ذلك، قال النائب عن كتلة بدر النيابية، رزاق محيبس لـ (وان نوز) ان "الادعاء العام العراقي وبعد تشريعه سيكون هو ممثل الشعب في المطالبة ومتابعة كل القضايا التي لها صلة بالفساد، حيث انه بعد تعزيز القانون بتعديلات وافية أصبح الادعاء العام باستطاعته معالجة الجريمة قبل وقوعها وبعد وقوعها من خلال مؤسسات موجودة في جهاز الادعاء".

ويضيف ان "العراق يعاني من تقاطع وتعدد الجهات الرقابية وعرقلة في متابعة قضايا الفساد في الكثير من مفاصل المفتشين العموميين في الوزارات، فضلا عن ان الغاء هذه المكاتب  سيساهم بتقليل النفقات على  الدولة".

واشار النائب الى ان "كتلة بدر حاليا لم تحدد موقفها النهائي من القانون حيث انها ستحدد ذلك بعد عرض المبررات بشكل وافي  وعلى اثرها تتولد القناعات اللازمة لاتخذا قرار بالمعارضة او التأييد".

انقسامات سياسية

من جانبه، صوت مجلس النواب (الاثنين 27 تشرين الثاني) من حيث المبدأ على مقترح قانون إلغاء مكاتب المفتشين العموميين، فيما قال رئيس المجلس سليم الجبوري خلال لقائه رؤساء اللجان ومكاتب المفتشين العموميين وهيئة النزاهة، بحسب بيان لمكتبه تلقت (وان نيوز) نسخة منه، إن "مجلس النواب هو صاحب الحق الدستوري في مراقبة عمل الجهات التنفيذية ومحاسبتها ان لزم الأمر، وهذا لا يعني بالضرورة إلغاء دور وجهود الجهات الرقابية الأخرى ولكن يبقى مجلس النواب هو السلطة التي يعول عليها في الرقابة والمحاسبة".

وأضاف، أن "الأدوار بين السلطات هي أدوار تكاملية وأن النتائج يمكن تحديدها من خلال مدى تطبيق كل سلطة لدورها وبما يعزز ويضمن نجاح دور السلطة الأخرى"، مؤكداً أن "تصويت مجلس النواب على مقترحات أو مشاريع القوانين يأتي ضمن سياقات وصلاحيات دستورية وإجراءات حددها النظام الداخلي للمجلس".

وتابع الجبوري قائلاً، "لا يمكن إنكار دور الجهات الرقابية الأخرى ضمن المؤسسة التنفيذية لما لها من رؤى ووجهات نظر تبلورت بفعل قربها من صانع القرار في الوزارة أو المؤسسة، ولكن ينبغي أيضاً أن يأخذ مجلس النواب دوره ضمن صلاحياته وسياقاته الدستورية".

عضو اللجنة القانونية النيابية، النائب زانا سعيد، قال ان "معظم اعضاء اللجنة تؤيد بقاء مكاتب المفتشين العموميين لكن مع تعديل قانونه بما يعزز موقعه ويعالج الخلل الموجود فيه"، ويضيف لـ (وان نيوز) ان "الوقت الراهن لا يسمح بإلغاء هذه المكاتب لأننا في مرحلة الحرب ضد الفساد ولا يجب ان نقلل من ادوات هذه الحرب  التي من اهمها هذه المكاتب الموجودة داخل المؤسسات الدولة".

ويبين ان "لقاءاتنا مع المفتشين بينت ان تلك المكاتب لديدها انجازات كثيرة لكن ايضا هنالك خلل في بعضها ويمكن تداركه ومعرفته، لذلك نحن تعتقد ان هذه المكاتب ضرورية لمكافحة الفساد في دوائر الدولة العراقية،  ونحن في اللجنة القانونية سنحاول اقناع النواب في اللجان الاخرى بالمطالبة بعدم تشريع هذا القانون داخل البرلمان".

ويرى المحلل السياسي، واثق الهاشمي، ان "هذه المكاتب طيلة خمسة حكومات سابقة لم تستطع ان تمنع عمليات الفساد وربما قسم من هذه المكاتب كانت جزء من منظومة الفساد بذاتها لكن هنالك اطراف سياسية تعارض الغاء تلك المكاتب".

ويعتقد الهاشمي، خلال حديثه لـ (وان نيوز) ان "التوجه المقبل سيكون لتقليص هذه المكاتب في مؤسسات الدولة لأنها لا تستطيع ان تقدم شيء في ظل وجود اجهزة رقابية اخرى كهيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة في البرلمان وهذه الاجهزة قادرة على مكافحة الفساد دون الحاجة الى مكاتب المفتشين العموميين"، مشيرا الى ان "منظومة المفتشين هي جزء من المحاصصة في الدولة ، وبالتالي الغاء هذا المفصل سيضر بالكثير من الاحزاب لأنه سيلغي كثير من المناصب الموجودة في الدولة وهذا جزء من الصراع  السياسي الموجود في العراق".

هيئة النزاهة تبدي موقفها

رئيس هيأة النزاهة حسن الياسريُّ أعلن انه ضد هذا المقترح مشيرا الى أنَّ "الرقابة الـتي يَقُوم بِها الـمُفتش العامُّ تُعدُّ من الإِجراءات الوقائيَّة لمُكافحة الفساد بمعـنى أنهُ يُمارِس رقابته قبل وقوع فعل الفساد؛ الأمر الذي يَجعل مُهِمتهُ تختلف عن مُهمَّة بَعض الأجهزة الرقابيَّة الأُخرى، ولاسيما الادِّعاء العام الذي لا يُمِكن أن يَتَقمص دور المُفتِّش العامِّ ولا أن يَحلَّ محلَهُ، فالفَرقُ بين الاثنين واضحٌ وجليٌّ".

ولفت إلى أنَّ "التَسليم بِفكِرة إيكال هذه المهمَّة إلى الادِّعاء العامِّ بِكُلِّ تَفاصيلها سَيُفضي إلى التدخُّل بِأعمال السُلطة التنَفيذيَّة مِنْ قِبل السُلطة القضائيَّة، الأمر الذي حَظرهُ الدستور النافذ في المادَّة (47) الـتي كَفلت مَبدأ الفَصل بينَ السُلطات وعدم تَدخُّل سلطةٍ في أعمال السلطة الأُخرى، إذ نَصت المادَّة على ' تتَكوَّن السُلطات الاتِّحاديَّة مِنْ السُلطات التشريعيةَ والتَنفيذّية والقضائية، تُمارس اختصاصها ومهامَّها على أساس مَبدأ الفصل بينَ السُّلطات' مُبيِّناً أنَّ جِهاز الادِّعاء العامّ مِنْ الناحية الدستُوريَّة، يُعَدُّ أحد مُكوِّنات السُلطة القَضائيَّة استناداً إلى المادَّة (89) مِنْ الدستور الـتي نَصت على ' تتَكون السُلطة القَضائية الاتحادية مِنْ مَجلس القضاء الأعلى والمَحكمة الاتحادية العليا ومَحكمة التَميـيز الاتحادية وَجِهاز الادعاء العام وهَيئة الإشراف القَضائي والمَحاكِم الاتحادية الأُخرى الـتي تُنَظم وَفِقاً للقانون)".

 الياسريُّ شدَّد، خلال بيان له تلقت (وان نيوز) نسخة منه، على أن "إلغاء المكاتب لا ينسجم مع جهود مكافحة الفساد ولا مَع توَجُّهات الحكومة والبرلمان الداعية إلى أن تكون الحرب القادمة هي الحرب على الفساد؛ إذ تَستَدعي المرحلة القادمة مَزيداً مِنْ الدَعِم للأجهزة الرقابيَّة وتَوسيع صلاحياتِها، وليس العكس، عادّاً إلغاءها رسالةً سلبيةً لِكُلٍ مِنْ المواطن والأجهزة الرقابيَّة، إذ سيُشكك المواطن بنوايا مكافحة الفساد، وستشعر الأجهزة الرقابيَّة بالإحباط".

وأكَّد الياسريُّ أنَّ "التجارب السابقة قد أثبَتت أنَّ بعض مكاتب المفتِّشين العموميِّين كانت خَيرَ عونٍ للِسُلطة التشريعيَّة (مجلس النواب) في مُمارسة دَوره الرقابيِّ على أداء السُلطة التنفيذيَّة، فَضلاً عن نجاح هذه المكاتب في الحِفاظ على الأموال العامة وإيقاف هَدرها، إذ قُدِرت بِمبالغ طائِلة يُمكِن الرجوَع اليها عبرَ الاطِلاع على التَقارير الدوريَّة لهذه المكاتب ، مشيراً إلى أنَّه في حالة وجود بَعض الـمُلاحظات على أداء بَعض المَكاتب فينبغي تَقويم أدائِها وَرفدِها بِما تحتاجهُ مِنْ إمكانياتٍ تَحقيقيةٍ وقانونيةٍ ومُحاسبيةٍ لا إلغائها، موضحاً أنَّ جهةً أُخرى مُحايدةً، وَهُم الخُـبراء الدوليون، دعَموا المكاتب ودعوا إلى تقويم أدائها".

ونبَّه إلى أنَّ "الإِلغاء سيَفضي إلى التأثير السلبيِّ في سُمعة العراق الدوليَّة وفي تَصنِيفه بِحَسب معايير مُكافحة الفساد المعتمدة مِنْ قبل منظمة الشفافيَّة الدوليَّة، حيث ترصُد هذه الـمُنظمة وغيرها من الفعاليات الدوليَّة حركة العراق وإجراءاتهِ وتشريعاتهِ في مَيدان مكافحة الفساد، ولا تنظُر إلى الأقوال، عادّاً إلغاء أحد الأذرُع المعنية بمكافحة الفساد مُؤشِراً سَلبياً اتِّجاه العراق مِنْ جهة الالتزام بأحكام الاتِّفاقية الدوليَّة لِـمُكافحة الفَساد الـمُصادق عليها مِنْ قِبل جمهوريَّة العراق؛ الأمر الذي يُشَكِّك بنوايا العراق في مُكافحة الفساد".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي