ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
718
2017/12/19 04:09:56 PM

ينشغل الكثير من الشباب العربي بتعلم اللغات الأجنبية، لأسباب عدة كالرغبة في الهجرة والاستقرار في دول هذه اللغات، أو العمل والتعلم المؤقت في تلك الدول.

لكنّ تطوراتٍ عدة شهدتها المنطقة العربية، أوجدت دوافع جديدة لدى الألمان والأتراك والكوريين والصينيين وحتى الإسرائيليين للإقبال على دراسة اللغة العربية، دوافع تتعلق بأمر اللاجئين، وتطور العلاقات الاقتصادية والثقافية، وصولًا إلى التطبيع الذي تريده إسرائيل.

عكف الأتراك الراغبون في تعلم اللغة العربية على السفر إلى الدول العربية بغية تعلّم اللغة من أهلها، فدفعت زيادة الإقبال على تعلم لغة الضاد بعيدًا عن تركيا مؤسسة «وقف طلاب ثانوية الأئمة والخطباء في تركيا» لإنشاء «قرية اللغة العربية» في ولاية قونية التركية.

إذ توفر القرية على الراغبين في تعلم اللغة العربية مشقة السفر ومتطلباته المادية، فهم يعيشون في القرية المقامة على الأراضي التركية فتتوفر لهم أساليب غير تقليدية في التعلم، إذ يتعلمون على يد نخبة من الأكاديميين العرب المتخصصين في مجال تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.

تاريخيًّا، يعود ضعف معرفة الأتراك -الغالبية مسلمة- باللغة العربية، إلى منع مؤسس الجمهورية التركية الحديثة «مصطفى كمال أتاتورك» التعامل بها في عام 1925، وفيما اقتصر تعلّمها في الماضي على المهتمين بدراسة قراءة القرآن الكريم في الجامعات والمؤسسات التابعة للأوقاف؛ كي يتمكّنوا من تنفيذ تعاليم الدين الإسلامي بلغته الأصلية، عاد الاهتمام بالعربية بعد وصول حزب العدالة والتنمية التركي إلى الحكم، حتى تقرر إدخال اللغة العربية في المدارس الابتدائية العام الماضي (2016)، وأخذت أقسام اللغة العربية في الجامعات التركية توسع نشاطها الأكاديمي.

وإذ كان واحد من أسباب إقبال الأتراك على تعلم العربية يعود إلى ما تقتضيه الحركة التجارية والاستثمارية والسياحية الواسعة بين تركيا، والدول العربية في السنوات الأخيرة، فإن مجاورتها لدول يتدفق منها اللاجئون أيضًا كان له دور في خلق رغبة لدى الأتراك لتعلم العربية بغية التواصل مع العرب، خاصة أن العرب هم ثالث أكبر عرقية في تركيا، فقد أصبح يقام على الأراضي التركية العديد من الفعاليات والمعارض التي تستهدف العرب كالأمسيات الشعرية والأدبية والأغاني العربية، كما أن تركيا هي قبلة علاج تجتذب الكثير من العرب، وهي أيضًا مركز للإعلاميين والمؤسسات الإعلامية العربية، من مواقع إلكترونية وقنوات فضائية افتتحت بعد توافد السوريين والعراقيين والمصريين إليها، وكذلك نشطت حركة الترجمة من العربية إلى التركية والعكس.

«أتعلم العربية لرغبتي في مد جسور التفاهم والتحاور مع أبناء الجالية العربية، ومع سكان البلدان العربية التي أزورها، أرى أن اللغة العربية لغة جميلة»، كذلك يوضح الطالب في قسم الترجمة واللغة العربية بجامعة بون، يوليوس راديرس، سبب إقدامه على تعلم اللغة العربية.

ويضيف «راديرس» لـ«دويتشه فيليه» الألماني: «أهتم بالتراث العربي وخاصة في اليمن التي كثيرًا ما أزورها، لكن حقيقة تحول هذه المنطقة من منطقة حضارية إلى منطقة تشوبها الخلافات والنزاعات، أثار في نفسي الرغبة في إتقان العربية لكي أتخاطب بطريقة مباشرة مع الناس هناك، وأفهم واقع حالهم». وفيما كان سبب تعلم راديرس هو ذهابه إلى الدول العربية، كان سبب تعلم الآخرين من الألمان هو قدوم لاجئين من الدول العربية إليهم بشكل قياسي، إذ وجد الألمان أنفسهم في تحدٍ لمعرفة لغة العديد ممن يحيطون بهم، خاصة بعد وقوع سوء فهم بينهم وبين اللاجئين، فعدم معرفة الألمان بعادات وتقاليد المسلمين العرب، كرفض بعض النساء مصافحة الرجال باليد خلق بعضًا من الإشكالات؛ بل وقف الخوف من اللاجئين سببًا وراء تعلم اللغة العربية، إذ وجد الألمان أنفسهم بحاجة لفهم اللاجئين الجدد، مفضِّلين التعرف إلى ثقافاتهم، وكذلك منهم من أقدم على تعلم اللغة العربية بسبب ارتباطه بصداقة أو علاقة عاطفية مع شخص عربي، تقول طالبة في جامعة بون، تدعى «أنجيلا براندت» إن ما دفعها لتعلم اللغة العربية هو خوفها من اللاجئين؛ لذلك فضلت في حال تواجدت في أحد الأماكن مع اللاجئين أن تكون قادرة على فهم ما يقولون.

وكذلك حضرت الرغبة في تعلم الألمان للغة الضاد، لتقديم أنفسهم شريكًا اقتصاديًّا وثقافيًّا وسياسيًّا، بعد ارتباط المصالح الألمانية بدول الشرق الأوسط، ولذلك دفعت إدارة جامعة «فولكسهوخ شوله» في مدينة ريكلينغ هاوزن إلى إدراج اللغة العربية ضمن قائمة اللغات الأجنبية التي يدرسها الأساتذة، إذ يزيد إقبال الألمان على تعلم اللغة العربية بقصد العمل، خاصة في منطقة الخليج ذات الفرص الاستثمارية للألمان.

ويضيف أستاذ اللغة العربية والترجمة في جامعة «بون»، سرجون كرم، المزيد من الأسباب مثل: «الإعجاب بالثقافة والعادات الإسلامية والعربيّة بعد رحلة استجمام، إذ يعتبر البعض الثقافتين العربية والإسلامية عالمًا غريبًا ومثيرًا يجدر التعرّف إليه»، ويضيف في حوار «دوتشيه فيليه» الألماني: «أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) لعبت أيضًا دورها في لفت الانتباه للتعرّف إلى الفكر الإسلامي ومحاولة فهمه. كما أن للحافز الثقافي والديني بالنسبة إلى الطلاب الألمان الذين تعود جذورهم إلى أصول عربيّة أو تركية، دورًا في إقبالهم على تعلم العربية».

العربية لغة استراتيجية في كوريا

أمسكت فتاة في الخامسة والعشرين من العمر «رؤى لي» -من كوريا الجنوبية- دفتر تحضير الدروس، خطَّت فيه الكلمات العربية الجديدة التي أضيفت لحصيلتها في اللغة العربية، لقد كانت في صراع مع الوقت، فلديها شهر واحد، حظيت به لتعلم اللغة العربية في المغرب من كلية اللغات الأجنبية في جامعة شوسون الكورية.

 

تتعلم تلك الفتاة الكورية لغة الضاد بشغف كبير، فكانت أسعد لحظاتها حين تم اختيارها للسفر إلى المغرب للدراسة في أحد معاهد الرباط، تقول عن تجربتها لموقع «الأيام 24» المغربي إنها تعتبر اللغة العربية واحدة من اللغات المهمة في العالم، وتضيف: «أعمل متطوعة في منظمة (الثقافات السماوية والسلام العالمي) الكورية، المعروفة اختصارًا باسم HWPL، وهي منظمة عالمية تسعى لنشر الوعي بثقافة السلام ووقف الحروب والنزاعات عبر العالم».

لقد أسهم إقبال الكوريين على تعلم اللغة العربية في وجود ستة أقسام للغة العربية في خمس جامعات كورية، يعود تأسيسها إلى الرعيل الأول من الكوريين الذين تعاملوا مع الشرق الأوسط فترة الستينيات والسبعينيات في القرن الماضي، ومع تزايد كبير في نسبة الإقبال على دراسة اللغة العربية قررت الحكومة الكورية أن تكون اللغة العربية إحدى اللغات الثانية التي تمتحن فيها طلاب المرحلة الثانوية، فقد تم في العام الماضي تحديد اللغة العربية بوصفها لغة استراتيجية للتعليم في كوريا، فقررت وزارة التربية والتعليم الكورية اللغة العربية مادة رسمية ضمن امتحان القبول في جامعة «هانكوك» بصفتها لغة أجنبية رسمية ثانية.

وتعد من أبرز أسباب اهتمام الكوريين باللغة العربية زيادة التعاملات التجارية والثقافية مع العالم العربي، إذ تشهد العلاقة بين كوريا الجنوبية والدول العربية تطورًا ملحوظًا في حجم التبادل الثنائي، وتجد منتجات الشركات الكورية العملاقة سوقًا رائجة في الوطن العربي، وهو ما فرض حاجة لدى الشركات الكورية إلى مترجمين ومندوبين ومروجين، ويفضل الكثير من الكوريين الجنوبيين دراسة اللغة العربية في البلاد العربية من أجل الإطلاع عن كثب على الثقافة والعادات واللهجات العربية.

أسباب تجارية وثقافية وسياسية تدفع الصينيين إلى تعلم اللغة العربية

تقف «آية سعيد» معلمة أمام طالبات صغيرات في مدرسة كويتية، تلقي عليهن درسًا في اللغة العربية، يحمل اليوم الأول في الدراسة الكثير من الاستغراب تجاه «آية»، فملامحها الصينية تثير تساؤلات الصغيرات الكثيرة.

ولدت هذه الشابة في السعودية لأب وأم صينيين مسلمين، وأبت أن تكون علاقتها باللغة العربية علاقة ظروف معيشية، تقول «آية التي عادة ما تتحدث بخفّة ظل عن المواقف الطريفة التي عاشتها في البلدان العربية لكونها صينية تتحدث العربية، إنها عشقت لغة الضاد حتى تتمكَّن من حفظ القرآن الكريم بنطق صحيح للمخارج، وهو ما وفر لها لاحقًا فرصة تعليم الصينيين -خاصة المسلمين منهم- اللغة العربية، وكذلك العمل مترجمة للجالية الصينية.

يتعلم الصينيون على أراضيهم اللغة العربية في الكثير من الأماكن، التي من أبرزها كلية الدراسات العربية في جامعة الدراسات الأجنبية بالعاصمة الصينية بكيـن، إذ وصل عدد الجامعــات التي تدرس اللغة العربية مع تزايد إقبال الصينيين علــى تعلم اللغة العربيــة إلى نحــو 60 جامعة، وتتنوع الأسباب التي تدفع الصينيين نحو تعلم اللغة العربية بين أسباب تجارية وثقافية وسياســية، فتضاعف التبادل التجاري بين الدول العربية والصين ساهم في مضاعفة أعداد الطلبة الذين يرغبون في تعلم اللغة العربية.

كذلك كان الشغف لدى الصينيين بالتعرف إلى الثقافة العربية، وأسباب سياسية كالاهتمام بالقضية الفلسطينية وراء هذا التعلم، كما توضح «خديجة»، وهي صينية تتعلم اللغة العربية وسميت بهذا الاسم في كلية تعلم اللغة العربية، قائلة: «لقد تعلمت اللغة العربية خلال عام ونصف العام، وسمعت عن الصــراع الفلسطيني- الإســرائيلي، وأنا أعتقد أن الشــعب الفلســطيني يستحق الدعم والمساعدة لبناء دولته المستقلة».

ليس فقط لدوافع أمنية.. التطبيع يدفع الإسرائيليين إلى تعلم العربية

في أبريل (نيسان) الماضي، بثَّت القناة الإسرائيلية الثانية مقطع فيديو لجنود إسرائيليين يتعلّمون اللغة العربية، فقد بدأ جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي خاصة الذين يعملون في الضفة الغربية بالخضوع لدورات تعليم العربية، فأخذ هؤلاء يستمعون للأغاني العربية، ويتابعون المسلسلات العربية، وحسب المصادر الإسرائيلية فإن سبب الإقبال على تعلم العربية هو «فهم المواطنين الفلسطينيين على الحواجز، وتقليل التوترات الناتجة من الفهم الخاطئ».

وبينما كانت في السابق الاعتبارات الأمنية والتعرف إلى «العدو» دافعًا نحو تعلم اللغة العربية من جهة الإسرائيليين، توسعت الأهداف لتشمل «جانب التلاقح الثقافي الفكري، الذي لن ينعكس إيجابًا على العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية فحسب؛ بل سيشمل المنطقة بأكملها بما فيها الدول العربية المحيطة بإسرائيل، وخاصة تلك التي تجمعها بها علاقات دبلوماسية واقتصادية»، حسب تقرير «معهد واشنطن» لدراسات الشرق الأدنى الذي أضاف أن: «إتقان اللغة العربية سيساهم بشكل كبير في توطيد العلاقات، وتسريع وتيرة عملية التطبيع مع دول الجوار، وحتى وإن لم يساهم تدريس اللغة العربية في تحقيق السلام بين العرب، وإسرائيل في الوقت الحاضر، فعلى الأقل سيساهم في تحقيق التفاهم الذي هو الأساس لأي عملية سلام في المستقبل».

الخبر الأكثر غرابة هو إقدام جامعة إسرائيلية على تعلم اللهجة المصرية استجابة لزيادة الطلب على تعلمها من جهة الإسرائيليين، الذين يعرفون اللهجة المصرية بسبب أفلام السينما المصرية التي يتابعونها، وبسبب الاستماع إلى الموسيقى التقليدية، مثل أغاني أم كلثوم وعبد الحليم حافظ.

فحسب تقرير موقع «المصدر» المقرب من الاستخبارات الإسرائيلية هناك طلب على تعلم اللغة العربية العامية يتجاوز حدود اللهجة الفلسطينية ويصل إلى اللهجة المصرية، ويضيف التقرير: «أصبح الطلب على تعلُّم اللغة العربية المحكية كبيرًا في السنوات الماضية، وما زال يأخذ في الازدياد، لذا ستُفتح في جامعة بار إيلان دورة لتعليم اللهجة المحكية في مصر، الدولة الجارة الواقعة في جنوب إسرائيل بشكل خاص، وليس تعليم اللهجة الفلسطينية».

في معظم تلك المناطق.


المصدر: ساسة بوست

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي