ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
467
2017/12/27 05:23:48 PM

اجمع اللغويون والجغرافيون العراقيون على ان كلمة الأهوار تطلق على الاراضي المنخفضة التي تغطيها المياه في جميع أيام السنة وفي مواسم معينة وتضم مناطق ضحلة وأخرى عميقة نسبياً، بعضها مغطى بالنباتات المائية والقصب والبردي، والبعض الآخر مفتوح يطلق عليه أسم بركه. وهو يعني مساحات المياه الدائمية والموسمية والتجمعات الكثيفة للغابات المائية والقصب والبردي وشبكات الجداول الواردة اليها والخارجة منها. وبتعبير أدق فهي تلك الاجسام المائية الموجودة في جنوب العراق والتي تتميز بمواصفات خاصة تختلف عن مواصفات البحيرات والانهار والمستنقعات ومسطحات المد والجزر.

عالم جميل ينفرد به العراق عن سواه من البلدان، وتمازج بين تراث الماضي وتطور الحاضر، وبيئة خلابة معتدلة شتاءً وطبيعة سكن يشابه فنسيا في الشرق، وأنواع الزوارق والمنازل التي تتحدث عن حضارة السومرين، وبين البصرة وذي قار وميسان ودجلة والفرات، ما يقدر عشرين ألف كيلو متر، يعيش سكان على جزر صغيرة وغابات القصب والبردي، ليكون المشحوف وسيلة التنقل بزخرفاته السومرية، وروائح الرز والقصب وقصب السكر، ومن اشهرها هور الحويزة والحمار.

لا ريب أن حجم النزاع العسكري في العراق، نتج عنه بيئة تعرّضت بسبب الحرب، لضرر لم تتعرّض له البيئة في أيّ بلد آخر في العالم العربي، وربما في العالم بأسره. فخلال العقود الثلاثة الماضية انتقل البلد من حرب كبرى إلى حرب كبرى أخرى، وذلك في إطار عامّ من الصراعات المدنيّة الداخليّة والعقوبات الدوليّة الصارمة.

لقد لحق بالبيئة البحريّة للخليج ضرر جسيم خلال ما سمّي ”حرب الناقلات” التي دمِّر خلالها ما يزيد على 500 ناقلة نفط تجاريّة واستهدفت منشآت النفط الرئيسيّة. لقد كانت الحرب مع إيران التي دامت ثماني سنوات (1980- 1988) أطول حرب في العالم العربيّ في القرن العشرين، وقد ذكّرت سمتها الأساسيّة المتمثّلة بحرب الخنادق والأسلحة الكيميائيّة بالحرب العالميّة الأولى. ووقع القتال الأعنف في مصبّ شطّ العرب ومنطقة الأهوار.

فيما كان الوضع على هذه الحال، خاض العراق حرباً ثانية مع اجتياحه للكويت عام 1990، الذي تبعته ”عاصفة الصحراء”، الحرب التي خاضتها ”قوات التحالف”. ومع أنّ الحرب دامت أقلّ من ستّة أسابيع، فقد استهدفت الحملة العسكريّة جميع أنواع البنى التحتيّة، العسكريّة منها والمدنيّة، بما في ذلك مصانع تكرير المياه المبتذلة ومصانع الإمداد بالمياه، ومحطات توليد الطاقة، والجسور، ومحطات تكرير النفط، والصناعات البتروكيمائيّة، ومرافق الأسلحة النوويّة والبيولوجيّة والكيميائيّة. وقد أطلق أكثر من 290 طناً من قذائف اليورانيوم المستنفد على العراق خلال حرب الخليج عام 1991.

بعد فترة قصيرة من إعلان وقف إطلاق النار عام 1991، غرق العراق في ثورة شعبيّة كبرى قمعتها الحكومة في نهاية المطاف. وبهدف معاقبة المعارضين الذين التجأوا الى الأهوار، أطلقت الحكومة العراقيّة حملة ضخمة لتجفيف ثاني أكبر نظام من الأراضي الرطبة في العالم العربي. فبنيت قنوات وسدود ترابيّة ضخمة لتحويل مياه دجلة والفرات عن المستنقعات وتوجيهها إلى الخليج. وكانت النتيجة الصافية زوال 93% من الأراضي الرطبة بحلول 2002، مما أطاح طريقة العيش التقليديّة لعرب الأهوار التي تعود إلى آلاف السنين. وعلى رغم أنّ تدمير أهوار بلاد ما بين النهرين، مع ما تزخر به من ثروات في مجال التنوّع الأحيائي، يمثّل أكبر خسارة لنظام بيئيّ في العالم العربيّ في العصر الحديث، فان هذا العالم العربي لم يظهر اهتماماً حقيقياً بهذه الكارثة الضخمة على رغم تشعّباتها الإقليميّة الواسعة.

كان العراق، الذي كبّلته العقوبات، في حال من الضمور والركود عندما اندلعت الحرب في آذار (مارس) 2003. ولئنّ كانت عمليات القصف أعظم من تلك التي حصلت خلال حرب الخليج عام 1991، إلاّ أنها استهدفت بصورة أساسيّة المنشآت العسكريّة مع تحييد البنى التحتيّة المدنيّة إلى حدّ كبير. وفي الواقع، كان السبب الأساسيّ للضرر البيئيّ عمليات النهب والتخريب الواسعة للمنشآت العسكريّة والصناعيّة كما لمنشآت وأنابيب النفط. ومن بين المواقع الخمسة التي حدّدها برنامج الأمم المتحدة للبيئة كمواقع ”ساخنة” ملوّثة تحتلّ الأولويّة، تمّ نهب أربعة منها في حين كان الخامس موقعاً للمخلّفات العسكرية. ولا يزال النقاش جارياً حول ما إذا كانت عمليات النهب ناجمة من سوء التخطيط أو أنّها جاءت نتيجة للإهمال، وفي هذه الحالة ينبغي تصنيف الضرر الذي ألحق بالمواقع في فئة الآثار البيئيّة المباشرة. مهما يكن الأمر، فإنّ الاخفاق في تأمين سلامة المنشآت الحسّاسة، مثل أكبر برنامج نووي عراقي في التويثة، يظهر مدى اللامبالاة وعدم إيلاء الأولويّة للبيئة. أمّا النتيجة فانتشار آلاف المواقع الملوّثة في العراق.

ربط الكثير من التقارير الإعلاميّة، كما ربط بعض العلماء داخل العراق، بين اليورانيوم المستنفد وازدياد الإصابات بالسرطان والتشوهات الخَلقيّة. لكن لإقامة مثل هذه الصلة، يحتاج العراق أولاً إلى مسك سجّلات وطنيّة بهذه الاصابات. وهذا ما يفتقر إليه اليوم. ولا نعني هنا أنّ الأثر الممكن لليورانيوم المستنفد غير ذي أهميّة. ويشار إلى أنّ مجموع اليورانيوم المستنفد المستعمل في حرب عام 2003 مجهول، غير أنّ الأرقام التي ترجّحها مختلف الدراسات تتراوح بين 170 و1700 طنّ. وفي حين أنّ الولايات المتحدة تعترف باستعمال اليورانيوم المستنفد، فهي لم تكشف عن كميّته وعن مكان استعماله، فيما أفادت المملكة المتحدة أنها أطلقت 1,9 طنّ.

يبقى التقييم العلمـيّ للآثار البيئية للنزاعات يتم تصنيفها بصورة عامّة على أنّها مباشرة أو غير مباشرة. أمّا الآثار المباشرة فهي تلك التي يمكن أن تتّصل ماديًّا ومباشرة بعمليّة عسكريّة والتي غالبًا ما تنشأ في المدى القصير المباشر (يصل إلى 6 أشهر). وأمّا الآثار غير المباشرة فهي تلك التي يمكن أن تعزى بشكل موثوق إلى النزاع ولكنّها تتفاعل عادة مع شبكة من العوامل ولا تظهر كاملة إلاّ على المدى المتوسط والطويل. ومن الأمثلة على الأثر المباشر التلوّث البيئيّ الناجم من قصف مدفعي لمواقع صناعيّة، والتدمير المتعمّد للموارد الطبيعيّة، والمخلّفات العسكريّة وحطام البنى التحتيّة المستهدفة. أمّا الأثر غير المباشر فيمكن أن يتمثّل بالآثار البيئيّة التي يخلّفها النازحون، وانهيار الإدارة البيئيّة، والفراغ على صعيد البيانات، وانعدام التمويل لحماية البيئة.

يمكن الافتراض أنّ الأثر البيئيّ لحملة القصف المكثّفة هذه سيكون كبيراً حتى لو لم يتمّ بعد تقييمه علمياً. فبعدها مباشرة فرضت الأمم المتّحدة عقوبات صارمة على العراق، فألزم بدفع التعويضات مقابل أضرار الحرب بما فيها الأضرار البيئيّة. وفي الوقت عينه منع من حقّ إعادة إحياء بنى تحتيّة وخدمات اجتماعيّة أساسيّة، بما في ذلك استيراد قطع الغيار لإعادة تأهيل مصانع تكرير المياه المبتذلة مثل مصنع الرستمية في بغداد الذي كان يضخّ 300 ألف متر مكعّب يومياً من المياه المبتذلة غير المعالجة في نهر دجلة، مع ما يرافق ذلك من عواقب خطيرة على الإنسان والبيئة.

حيث كان كامل الحدود العراقية- الإيرانيّة الممتدّة على طول 1500 كيلومتر، والتي لا تزال مزروعة بالألغام حتى اليوم. فالتغيير المادي الكبير الذي أصاب المنظر الطبيعيّ (مستنقعات وشبه صحراء) بسبب أعمال الحفر الضخمة كان خطيراً إلى درجة لم تعد فيها الخرائط الطوبوغرافية القديمة صالحة. وقد ساهم بناء التحصينات الدفاعيّة والممرّات العسكريّة في الأهوار في تجفيفها، فانخفضت مساحتها نحو 20% إلى 25% بحلول 1990. وقد قضي على مزارع النخيل الواسعة التي تحيط بمصبّ شطّ العرب على ضفتيّ الحدود، فتلفت ملايين الأشجار بسبب القصف والحرق والقطع المتعمّد.

ذلك المستنقع المائي الضخم الذي يمثل وحدة جغرافية طبيعية، تعتبر من أغنى مناطق العالم، من حيث تنوع الحياة المائية أو البرية وهو الخزان المائي الكبير للمياه العذبة التي يمكن أن يستفاد من مياهها للشرب و الذي سكنه الإنسان واعتاش عليه وعلى خيراته وهذه ميزة لم تكن لتتوفر في البحيرات العذبة الواقعة خلف السدود لانعدام هذه الأنشطة أو صعوبتها.


للكاتبة نجاح عبد الله سليمان

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي