ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
285
2018/1/14 10:10:41 AM

خلف الخطب العصماء، والميكروفونات القوية، والبزات (البدل) الأنيقة، والمصطلحات الرنانة عن الحرية والديموقراطية وحقوق المرأة، والمعاني السامية الأخلاقية، والديمقراطية المنتشرة في البرلمانات الغربية، تقع الكثير من الحوادث الصادمة التي كشفت عن جانب مظلم لهذه المؤسسات العريقة في كبرى الديمقراطيات في العالم، وجعلتها تحت نيران انتقاد الصحافة الغربيّة؛ فقد تحدّثت الصحافة البريطانيّة عن أكثر من 24 ألف محاولة للدخول إلى مواقع إباحية على شبكة الإنترنت من حواسب البرلمان البريطانيّ، لكن الأمر لم يتوقّف عند مجرّد الدخول إلى المواقع الإباحية باستخدام حواسب البرلمان كما حدث في بريطانيا، بل تعدّاه إلى جرائم جنسية خطرة متعلّقة بحوادث تحرّش جنسيّ لكبار المسؤولين في أعرق المؤسسات الديمقراطية في العالم، وهي سقطات أعقب بعضها استقالات طالت نائب رئيس البرلمان الفرنسي، ونائب رئيسة الوزراء البريطانية، والمتحدث باسم مجلس النواب الأمريكي.

فرنسا: نائب رئيس البرلمان يسقط في شباك التحرش الجنسي

بشفاه محمرة محاطًا ببعض البرلمانيين الفرنسيين نشر دنيس بوبان (نائب رئيس البرلمان الفرنسي عن «حزب الخُضُر») صورة له على «تويتر»، مصحوبة بتعليق دعا فيه بوبان للالتزام بالعمل ضد تعنيف النساء في الثامن من مارس (أذار) 2016 الموافق لليوم العالمي للمرأة، وهو الأمر الذي استفز البرلمانية ساندرين روسو (زميلته في الحزب)؛ مما دفعها للإفصاح عن تعرضها لتحرش جنسي من بونان نفسه في وسائل الإعلام.

ولم تكن هي وحدها ضحيّة لهذا التصرّف، وإنما أفادت أيضًا سبع سيدات من حزب الخضر بتعرضهن لتحرش جنسي من بونان، والذي نفى بدوره تلك الاتهامات التي استمرت في ملاحقته؛ حتى استقال بوبان من منصبه في البرلمان في مايو (أيار) 2016؛ لـ«حماية سمعة البرلمان»، بحسب ما جاء في بيان استقالته.

اللافت أن بونان لم يمثّل مجرد «حالة فردية»؛ فمع التكتم الشديد الذي يصاحب تلك القضايا الشائكة في فرنسا، أفاد فيرونيك آش (البرلماني الفرنسي السابق) في شهادة صحافية أدلى بها لصحيفة «ليبراسيون» الفرنسية في أكتوبر (تشرين الأول) 2016: «بأن بوبان ليس الأول، وإنما هو المسؤول رقم 14 ضمن المتهمين بهذه الأعمال غير الأخلاقية خلال خمسة أشهر فقط».

ويبدو أن الأمر منتشر بشكل ملحوظ في أروقة السياسة الفرنسية؛ إذ نشرت الصحيفة نفسها عريضة تحمل توقيع 500 شخصية نسائية تدين التصرفات «الشاذة» لبعض زملائهن «المنتمين إلى كل الفئات السياسية، والموجودين في مختلف مراكز المسؤولية، ولا يجدون من يحاسبهم»، بحسب العريضة التي دعت لمعاقبتهم.

برلمان بريطانيا.. سينما لمشاهدة الإباحية

في 21 ديسمبر (كانون الأول) 2017 مع نهاية العام الماضي استقال داميان جرين (نائب رئيسة وزراء البريطانية) من منصبه؛ بعد اعترافه بإدلائه «بيانات مضللة» بشأن وجود مواد إباحية على حاسوبه البرلماني عام 2008 عندما كان حينها نائبًا بالبرلمان، ونفى حينها ذلك الادعاء، معتبرًا إياه «ذات دوافع سياسية»، وجاءت استقالة جرين بعد شهر من اتهام امرأة له بالتحرش الجنسي بها في إحدى حانات بريطانيا قبل عامين.

ويبدو أن قضية مشاهدة الأفلام الإباحية، ومحاولة الدخول لها، أمر سائد في البرلمان البريطاني؛ إذا أفاد تقرير لصحيفة «الإنبندنت» البريطانية يعود للثامن من يناير (كانون الثاني) الماضي، بوقوع أكثر من 24 ألف محاولة الدخول لموقع إباحية داخل شبكة الإنترنت الخاصة بالبرلمان البريطاني، والتي تدخل عليها الأجهزة الرسمية للنواب والموظفين بالبرلمان، بالإضافة لمن يدخلون من أجهزتهم الشخصية على شبكة الإنترنت الخاصة بالبرلمان.

ويعود ذلك الإحصاء الصادر من لجنة «حرية المعلومات» للفترة من يونيو (حزيران) 2017، وحتى أكتوبر 2017، وهو ما يعادل نحو 160 محاولة دخول للمواقع الإباحية في المتوسط يوميًا. وفي نطاق أوسع بلغ عدد المحاولات في الفترة من مارس لأكتوبر 2017 أكثر من 30 ألف دخول، بينها أكثر من 9 آلاف محاولة في شهر سبتمبر (أيلول) فقط.

ومع كثرة حالات تلك المحاولات في عام 2017، إلا أنها تمثل تقلصًا ملحوظًا عن أعداد محاولات الدخول للمواقع الإباحية في البرلمان البريطاني خلال السنوات الماضية ببلوغها أكثر من 113 ألف محاولة في 2016، بعدما وصلت إلى أكثر من 213 ألف في عام 2015، فيما وصل ذلك الرقم في عام 2014 إلى 274 ألف محاولة، ونحو 350 ألف في 2013. وقد حاول المتحدث باسم البرلمان البريطاني التخفيف من وقع تلك الأرقام – التي تبدو صادمة – بقوله: إن غالبية تلك المحاولات «غير متعمدة».

ويبدو أن الأمر لا يتوقف عند محاولات الدخول للمواقع الإباحية من داخل البرلمان البريطاني فقط، وإنما يمتد أيضًا إلى وجود تقارير تتحدث عن وصول «حمى التحرش الجنسي» إلى هذه المؤسسة التشريعيّة، وهي تقارير

أثارت قلق الحكومة البريطانية، التي فضلت عدم استباق الاتهامات والتحقيقات.

كنتُ خائفة من فقدان وظيفتي، ومن الحرج وتدمير حياتي المهنية

هكذا تحكي موظفة عشرينية بالبرلمان الأوروبي، المؤسسة التي لطالما أصدرت بيانات وقوانين ترافع عن حقوق المرأة وتمكينها وحمايتها، بعدما وقعت ضحيةً لتحرش جنسي من عضو بالبرلمان الأوروبي ستينيّ متزوج وأب لاثنين، مظُهرةً سبب عدم رفع شكوى رسمية ضد المتحرش، وروت تلك الضحية شهادتها مع 10 ضحايا أخريات أدليْن بشهادتهن على الاعتداءات الجنسية التي تعرضن لها في أروقة البرلمان الأوروبي.

وجاءت تلك الشهادات في تقرير لصحيفة التايمز البريطانية، اعتبر – في عنوانه – أن البرلمان الأوروبي أصبح «مرتعًا» للتحرش الجنسي ضد النساء، ولفتت في تقريرها إلى أن الضحايا رفضن ذكر أسمائهن، وعادة ما يتجنبن ذكر أسماء المعتدين، أو رفع شكاوى رسمية خوفًا من فقدان وظائفهم، مُشيرة إلى أن المعتدين «من كبار النواب بالبرلمان الأوروبي ومن مختلف ألوان الطيف السياسي، وبعضهم وزراء سابقون» بينهم بيفس كوشي 71 عام (وزير البيئة الفرنسي السابق، والعضو بالبرلمان الأوروبي).

ومن بين الضحايا، شابة وصفت البرلمان الأوروبي بـ«مرتع كامل للتحرش الجنسي»؛ إذ يوظف النواب مساعدات شابات، ويشعرون بأنهم «غير مسؤولين أمام أحد»، فيما شكت أخرى بأن النواب ينظرون إليهن «مثل قطعة اللحم».

ما هو أسوأ مكان تتعرض فيه النساء للتحرش في أمريكا؟

تمثل مشكلة التحرش الجنسي «أضخم» المشاكل في أمريكا، كما يصفها موقع «نيو ريبابليك» الأمريكي، لكن الأمر الصادم هو ما أكدته صحيفة نيويورك تايمز، التي اعتبرت أن الكونجرس الأمريكي بغرفتيه: مجلس الشيوخ، ومجلس النواب «أحد أسوأ الأماكن في الولايات المتحدة بأكملها التي تتعرض فيها النساء للتحرش بمستويات عالية، وغير مسبوقة»، وهو وصف لم يكن بعيدًا عما استخدمته موقع «فوكس» (Vox) الأمريكي، الذي اعتبر الكونجرس الأمريكي «أرضًا خصبة» للتحرش الجنسي، في تقرير لفتت فيه «فوكس» إلى أن مكتب الشكاوى بالكونجرس قد استقبل 198 شكوى بالتحرش الجنسي في مقار العمل بالكونجرس.

وعادة ما يصعب الوصول لأرقام دقيقة ومعلنة في هذا الشأن نظرًا لحساسية الأمر، وتفضيل الكثير من الضحايا تقديم شكوى رسمية، ومع تتبع القضايا التي خرجت إلى العلن خلال الأسابيع الماضية نجد أنها ليست بالقليلة، وطالت الكثيرين، بمن فيهم المتحدث باسم مجلس النواب الأمريكي.

فخلال أقل من شهرين مضوا، صعدت إلى السطح قضية آل فرانكين (السيناتور الديمقراطي بمجلس الشيوخ) الذي اتهمته في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 ليان تويدن (مقدمة البرامج الرياضية الأمريكية الشهيرة) بالتحرش بها، وبمحاولة تقبيلها في 2006، ونشرت صورة لفرانكين وهو يتحرش بها وهي نائمة، وهي سقطات اعتذر عنها فرانكين، وقبلت ليان اعتذاره، مع عدم مطالبتها باستقالته ما لم يكون متورطًا في اعتداءات جنسية أخرى، ولكن شخصيات عامة طالبته بالاستقالة؛

ليقدم استقالته في آخر أيام العام الماضي في 21 ديسمبر 2017.

ومؤخرًا أيضًا، اتهمت العديد من السيدات طوني كورنيش (العضو الجمهوري بمجلس النواب الأمريكي عن ولاية مينيسوتا، ورئيس لجنة الصحة العامة بالمجلس) بالتحرش الجنسي بهن؛ مما دفعه لتقديم استقالته في نهاية نوفمبر 2017، قبل نحو أسبوعين من تقديم زميله من نفس الولاية دان شون (العضو الديمقراطي بمجلس الشيوخ) استقالته؛ والذي لاحقته اتهامات التحرش الجنسي من سيدات أثناء ولايته في الكونجرس.

جيف هوفر المتحدث السابق باسم مجلس النواب قبل أن يُتهم بالتحرش الجنسي

ويُضاف إلى تلك الأسماء التي لاحقتهم تهم التحرش الجنسي في الكونجرس الأمريكي، جيف هوفر، المتحدث باسم مجلس النواب، الذي اتهمته إحدى أعضاء فريق عمله بالتحرش بها؛ مما دفعه للاستقالة من منصب المتحدث باسم الكونجرس في نوفمبر 2017، مع البقاء عضوًا في الكونجرس، وستيف لبسك، الذي اتهمته زميلته فايث وينتر بالتحرش بها، من ضمن ما لا يقل عن 11 اتهامًا بالتحرش الجنسي، وقاباها لبسك، الذي – ومع تزايد المطالبين، وتوقيع أكثر من 32 ألف أمريكي على عريضة تطالبه بتقديم استقالته – لم يستقل حتى الآن.

أما البرلماني ويزلي جولدمان المعروف بسياساته المناهضة للمثليين، فقد بلغ مستوى استثنائيًّا من إثارة الصدمة عن سابقيه بالعثور عليه يمارس الجنس مع رجل في مكتبه بالكونجرس؛ ليقدم استقالته في 25 نوفمبر 2017، وهذه الحالات التي رصدناها قد لا تمثل سوى غيض من فيض بتتبع الحالات التي تصاعدت إعلاميًا خلال الأسابيع الأخيرة الماضية، منذ نوفمبر 2017، وما خفي من هذا القضايا «الشائكة» قد يكون أعظم!

وخلال السنوات القليلة الماضية تصاعدت قضايا مشابهة على السطح، من أبرزها – على سبيل المثال لا الحصر – قضية دينيس هاسترت (الرئيس السابق لمجلس النواب الأمريكي) الذي اعترف سلفًا بدفع رشوة مالية لإخفاء تورطه في اعتداءات جنسية مارسها ضد أطفال أثناء عمله مدربًا للمصارعة قبل دخوله البرلمان، وحكم ضده بالسجن 15 شهرًا في 2016.

ذلك بالإضافة لقضايا أنطوني وينر (السياسي الأمريكي) الذي تزوج عام 2010 بهوما عابدين (المسلمة التي تُعد إحدى أقرب مساعدي هيلاري كلينتون، ومحركة حملتها الانتخابية الرئاسية) وخلال ذلك الزواج لم تتوقف الفضائح الجنسية لوينر؛ إذ شهدت سنوات زواجه بهوما ثلاث فضائح جنسية مرتبطة بإرسال صور فاضحة لنساء.

ففي 2011 استقال وينر من عضويته بالكونجرس بعدما تكشف إرساله صورًا فاضحة له إلى فتيات قاصرات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وبعد شهور قليلة من عودة وينر للسياسة، وترشحه لرئاسة ولاية نيويورك في عام 2013، تكشف إرساله صور فاضحة له لامرأة تبلغ من العمر 22 عام؛ مما ساعد على فشله في الحملة الانتخابية، ومع ذلك استمرت هوما معه، ومع ابنهما «زين».

وفي أغسطس (آب) 2016 جاءت الفضيحة الجنسية الثالثة لوينر، عندما تكشف إرساله صورة فاضحة له وابنه نائم بالقرب منه عام 2015، إلى امرأة مطلقة عمرها 40 عامًا، واستغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فضائح وينر المتوالية دعائيًا ضد كلينتون، مُتهمًا إياها بعدم قدرتها على التحكم في الأمور بفطنة في محيط عملها، وقال عن هوما – اليد اليمنى لهيلاري – إنها متزوجة من رجل خارج عن السيطرة، مُلمحًا: «إنه (وينر) شخص مريض، وكما تعرفون إنها (هوما) المطلعة على معلومات سرية للغاية، ومن المرجح للغاية أن أنتوني وينر قد يكون على علم بالكثير من هذه المعلومات. وهذا أمر فظيع». انتهى الأمر بالنائب السابق أنثوني وينر في السجن بسبب هذه الحادثة، لتنتهي حياته السياسيّة بفعل هذه الفضائح السياسية، ولعلها أنهت أيضًا حظوظ كلينتون في الوصول إلى البيت الأبيض.

الكنيست الإسرائيلي: عدم التحرّش هو الاستثناء!

ولا يتوقف الأمر عند الديمقراطيات الغربية الكبرى، وإنما يمتد إلى إسرائيل التي تصف نفسها بـ«الديمقراطية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط». في الديمقراطية الوحيدة بالشرق الأوسط يبدو أن عدم التعرّض للتحرّش هو الاستثناء. وفي هذا الصدد تحكي وزيرة الثقافة الإسرائيلية السابقة ما تعرضت له من تحرش من مسؤولين كبار في الكنيست، وتقول: «سمح مسؤولون كبار في الكنيست لأنفسهم بالتحرش بي ومضايقتي بطريقة ما، ولكني أبعدتهم» وأضافت: «حاول المقربون من موشيه كتساف (الرئيس الإسرائيلي المتهم بالتحرشات الجنسية الذي قبع في السجن) إخافة المشتكيات ووصفهن كعاهرات».

وفي نطاق أوسع ، أجرت القناة الثانية الإسرائيلية استطلاعًا للرأي عام 2016 بشأن التعرض للاعتداءات الجنسية، وتضمن الاستطلاع عددًا من النائبات الإناث بالكنيست الإسرائيلي، ويبلغ عدد النائبات بالكنيست وقت الاستطلاع 32 نائبةً، وكشف الاستطلاع أن ما لا يقل عن 28 نائبة تعرضت للتحرش الجنسي، وهو ما يعني أن سبعة من بين كل ثماني نائبات بالكنيست قد تعرضن لاعتداءات جنسية، بنسبة 87.5.%، منهن من تعرض لذلك أثناء فترة وجودهن بالكنيست.

المصدر: ساسة بوست

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي