ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
3703
2018/3/8 05:27:36 PM

 

حين غزت الولايات المتحدة العراق في عام 2003 اي قبل 15 عاماً من هذا الشهر، كانت النتيجة الحرب والفوضى. لكن الولايات المتحدة لم تتدخل في سوريا عام 2011 حين بدأت الاحتجاجات المناهضة للنظام السوري التي ادت الى الحرب والفوضى أيضاً.  

 

وعلى الرغم من أن وسائل الاعلام فسرّت العقد والنصف الماضي من النزاع المسلح في المشرق هو فشل للسياسة الأمريكية، فإن حقيقة ان السياسة في سوريا كانت مختلفة 180 درجة عن تلك الموجودة في العراق، ومع ذلك كانت النتيجة نفسها هو وجوب ان تكون هناك قوة اعمق واكثر للعمل في البلدين ويجب ان يعترف بها الصحفيون والمؤرخون. وتلك القوة الأعمق يبدو وجدوها ضرورياً بسبب إرث حزب البعث. 

 

وكان هناك مزيج مسموم من القومية العربية العلمانية والاشتراكية على غرار الكتلة الشرقية التي هيمنت على سوريا والعراق على مدى عقود منذ الستينات، فجعلت نظامي عائلة الأسد في سوريا وصدام حسين في العراق فريداتان من نوعهما في العالم العربي. 

 

 البعثية بمفهومها، هي الكابوس العنيف الذي دمر الاراضي ما بين البحر المتوسط والهضبة الايرانية في اوائل القرن الحادي والعشرين. وكقاعدة عاملة، كلما كانت مجردة من الايديولوجيا، كانت اكثر تجريداً وإجمالاً، وزادت اراقة الدماء بسببها. وذلك لانه بمجرد إسقاط زعيم او تحديه، فان مثل هذه الايديولوجيات لا تنص على طبقات وسيطة من المجتمع المدني اي بين النظام في الاعلى والقبيلة والاسرة الممتدة في الاسفل. 

 

في عام 1998 في العاصمة اللبنانية بيروت، قبل ثلاث سنوات من 11 أيلول / سبتمبر، جرت مقابلة المثقف العام إلياس خوري الذي قال فيما يتعلق بالعراق وسوريا “نجح هذان النظامان في تدمير ليس مجتمعاتهما، بل حتى البدائل عنهما، ولانه لا يوجد بديل عنهما، فيكون الاختيار بين السيطرة الكاملة او الفوضى الكلية”.

 

كان استبصار خوري مستمراً من معرفة أن حافظ الأسد وصدام حسين، استخدما عقوداً عديدة لبناء هيكل سلطوي مستحدث وقائم على (أجهزة الأمن). وظل شعب البلدين وهم مواطنون وليسوا بمواطنين، تحت دائرة شكوكهما. وضع هذان النظامان التناقضات العرقية والطائفية المعبأة في زجاجات كانت تنفجر بأية لحظة، بدلاً من ان يفكران في التنمية الاقتصادية والسياسة الصحية. 

 

أصل هذا الفشل الكامل يكمن في صياغة هويات علمانية نابضة بالحياة تمتد عبر الخطوط العرقية والطائفية في العراق وسوريا، كانت الايديولوجية البعثية، هي الأكثر فتكاً وخنقاً بكثير من طغيان البرجوازيين العاديين في مصر وتونس واماكن اخرى من العالم. 

 

وتشكل اماكن مثل مصر وتونس تجمعات حضارية قديمة العهد، كانت دولاً بشكلٍ او بآخر منذ العصور القديمة وبهوية عرقية في التعامل معها؛ في حين أن العراق وسوريا مجرد تعبيرات جغرافية غامضة، مع تاريخ اضعف بكثير كدولتين. وبالتالي، فانهما يتطلبان اشكالاً اكثر تطرفاً من الوحشية لعقدها معاً. 

 

كان البعث قدم صُدم قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية من قبل عضوين من الطبقى الوسطى الدمشقية، مسيحي وآخر مسلم وهما: ميشيل عفلق وصلاح الدين بيطار، اللذان انجذبا الى الايديولوجيات البارزة التي تدور حول اوربا التي التقطوها فيما بعد. 

 

وما ظهر، هو اختلاف من القومية العربية الماركسية التي عومل بها كل من عفلق وبيطار، ونظريات المانية عن هوية مثالية للدم والتربة كانت سائدة بين النازيين في ذلك الوقت. 

 

وما كتبه العالم الفرنسي اوليفييه وري عن الأصوليين الاسلاميين المتعلمين اليوم، ينطبق ايضاً على البعثيين العلمانيين: لان مجتمعاتهم تجاهلت هؤلاء ابناء الكتب وهم من الطبقات الدنيا والوسطى، الذين لطالما استاءوا من وضعهم وحلموا بالثورة التي من شأنها ان تمحو البرجوازية العربية.

 

في أوائل الستينيات، كان الناس مثل عفلق وبيطار، من اعضاء من الطبقات التقليدية من التجار في دمشق وبغداد لا النخب العثمانية والاوربية في عهد الانتداب مع مفاهيم الحكم، بل ظهور وبروز عدد الضباط والناشطين العسكريين مثل الأسد وصدام. 

 

للاسف، بدأت افكار البعث بمعانيها تتبدد حين واجهت مباشرة المجتمعات الامية والتقليدية في بلاد الشام، كانت مجرد دولة شرطة عقيمة مبنية على القمع وبعض التطور الاقتصادي والتلاعب بالطائفة. بينما في العراق في ظل حكم السنة، تطور البعث في نهاية المطاف وتحول الى فلسفة معادية للشيعة. أما في سوريا تحت حكم العلويين اصبح سارياً ضد السنة؛ وكان أكثر معاداةً للاكراد في كلا البلدين، اياً كانت ادعاءاته المعلنة. 

 

بالطبع كانت هناك دائماً فوارق اقليمية داخل البعث. فبعث العراق في عهد صدام حسين، الناس لم يكن يجرؤون على الهمس بشأن النظام حتى في منازلهم، لعملهم انه الأكثر قمعاً. أما بعث النظام السوري سمح بالمعارضة أن تكون علينة. 

 

كصحفي يعمل منذ السبعينيات الى التسعينيات، قمت بزيارة سوريا بشكل دوري وسافرت عبر الباص، واجتمعت بالناس في كل مكان دون الحاجة الى مرافقة. لكن في العراق وبعد رحلة ليوم واحد من بغداد الى النجف في عام 1984، تم تحذيري بأقوى العبارات من عدم محاولة ذلك مرة اخرى، وحين سافرت الى شمال العراق بعد عامين، لم اتمكن من القيام بذلك الا مع مرافق، فضلاً عن أخذ جواز سفري مؤقتاً. 

 

في العراق وتحديداً بثمانينيات القرن الماضي، كان عليّ تسليم نسخة من محوري الصحفي بشكل يومي الى مسؤول فاسد يجلس خلف نافذة زجاجية سميكة، يقوم بتثبيتها على آلة التلكس. اما في سوريا يمكنني الذهاب الى اي مكتب بريد وارسال نسختي دون رقيب عليها.

 

كان العراق في عهد صدام حسين، يشبه ساحة السجن الواسعة التي تشعلها مصابيح عالية القوة. من اجل التفاهة، كان صدام يطلب من المجتمع العراقي ان يكون دائما جاهزاً للحرب. بعد الحرب مع ايران التي استمرت لثمان سنوات، غزا الكويت في عام 1990. وهذا الغزو الاخير شكّل بداية النهاية الدموية للبعث التي اُخترعت في جامعة السوربون قبل ستة عقود. 

 

وهذا هو السبب وفي انني لست متأكداً من أن البعثيين العراقيين كانوا سيبقون على قيد الحياة في الربيع العربي لعام 2011. ولو تركت الولايات المتحدة صدام في السلطة قبل 15 عاماً. لكانت الخطوط الطائفية والعرقية بين السنة والشيعة والاكراد كانت في العراق الأكثر تعقيداً من سوريا، بسبب الشدة والوحدة الخاصة لنظام صدام.

 

من المؤكد أن مفهوم “المقاومة”، هو محور البعثية واستخدم صدام هذا المفهوم وحارب به،، فكان مستعداً ان يخسر البشرية كلها على أن لا تُضعف دولته. وهكذا، فان رجال الدين الايرانيين مازالوا يبدون مهيمنين على بلاد ما بين النهرين، حتى بدون غزو امريكي. 

 

ومن اجل فترة راحة في هذه الحالة، سيكون علينا انتظار حدوث اضطراب داخلي في ايران نفسها، وهناك القليل الذي تستطيع الولايات المتحدة القيام به لانقاذ نفسها. وإن امتداد النفوذ الايراني الى البحر المتوسط الذي جاء بعد 15 عاماً من الغزو الامريكي هو نتيجة للتأثير المجتمعي المتأكل على يد البعثيين، بقدر ما هو نتيجة لقرارات رؤساء الولايات المتحدة. 

 

كان أمل العراق الوحيد بعد الغزو الامريكي، ظهور سريع لدكتاتور عسكري آخر، على غرار حسني مبارك او برويز مشرف في باكستان. لكن بالنظر الى الكيفية التي عمد بها صدام وعقيدة البعث على تشويه المجتمع العراقي، فان هذا الاحتمال كان يمكن ان يكون مستبعداً.

 

الأضرار التي خلفتها الآيديولوجية البعثية في سوريا وإن كانت اكثر اعتدالاً منها في العراق، مازالت بالغة الشدة لدرجة أن الفوضى اندلعت بعد ان تعرض النظام للتحدي. بعد 21 يوماً للحكومة في السنوات الـ 24 الاولى من استقلالها، جلب انقلاب الاسد الاكبر الى السلطة في عام 1970. 

 

 وساعد المستشارون الامنيون السوفيتيون، بوسائل تعذيبهم ومراقبتهم في تحقيق الاستقرار، لكن الأسد لم يفعل شيئا. وبدلاً من تحويل الموضوعات للمواطنين وبناء مساواة حقيقية بين السنة والشيعة والاكراد والارمن والمسيحية، لجأ الاسد الى القمع العقيم (وإن كان شكله اخف من قمع صدام). 

 

ما كانت سوريا بحاجة اليه في ذلك الوقت دكتاتورية مستنيرة، مثل التي قدمها الحبيب بورقيبة في تونس وكذلك الحال في المغرب والاردن. ولكن بسبب وضع الاقلية الخاصة بالنسبة لحافظ الاسد بوصفه علوياً كانت هذه الاستنارة غير آمنة على الاطلاق.

 

وهكذا انفصلت سوريا عندما واجه الاسد الابن الاحتجاجات الخطيرة. والسؤال القائم، هل اوقفت الولايات المتحدة المذابح لو تدخلت بعد عام 2011؟، هذا الامر لايزال غير معروف. 

 

في العراق، بدا الحال مختلف جداً، فعواقب الغزو الامريكي وأسقاط نظام صدام لم يكن بحاجة الى مقتل 4500 امريكي وعشرات الالاف من المصابين بجروح خطيرة، وهي الاصابات التي دمرت ارواح مئات الالاف من الاحباء والاقارب في امريكا. وهذه الارقام لا شيء امام عدد العراقيين القتلى.

 

مع ذلك، فان تأييدي للحرب نشأ عن تجربتي الشخصية المضحكة للقمع في عراق صدام حسين بثمانينات القرن الماضي التي لم اكن استطيع مقارنتها بأحد سوى رومانيا حين كانت تحت قيادة نيكولاي تشاوشيسكو الدكتاتور. 

 

تمكنت رومانيا فيما بعد من التعافي اعقاب تشاوشيسكو، فقد كنت اعتقد ان العراق يستطيع ذلك ايضاً بطريقة ما. وكان خوري قد اكد لي، أن الحكم البعثي الشمولي لم يخلق لنفسه بديلاً، حتى أن البعثيين كانوا بحاجة على الاقل لادارة العراق ما بعد إسقاط صدام. 

 

كان هذا امراً يجب على السلطات إدراكه تماما، فهم المحتلون الغربيون وأن يعملون بتجربة السوفيت حين غفروا للنازيين لكي يديروا المانيا معاً بعد الاطاحة بهتلر، لكن تم نسيان هذا الدرس في العراق!. 

 

لكن ربما يتم تطبيقه في سوريا، حيث يتعين على المسؤولين الذين يديرون النظام السوري الآن، ان يستمروا في وظائفهم حتى بعد ازالة الأسد لو تمت. لانه اذا تم إسقاط الاسد على الاطلاق، فان دمشق التي لاتزال في حالة سلام، يمكن ان تتحول الى بيت دموي متقلب تماماً مثل حلب والموصل. 

 

أياً كان ما يفعله الغرب في سوريا، فمن الأفضل ان يكون لدينا خطة تفصيلية مسبقة لما يأتي بعد ذلك. تذكروا ان رومانيا تعافت بعد ايام قليلة من الفوضى بعد سقوط تشاوشيسكو لان جناح الحزب الشيوعي الروماني استولى على السلطة في مرحلة انتقالية تدم سنوات. 

 

 

الأخطاء الامريكية في العراق وربما في سوريا، يجب ان ندرك ان في افضل حالاتها في سوريا او أسوأ حالاتها في العراق، سيكون هناك تحول خفي داخل ايران وتقل همنتها الاقليمية. 

 

أن كشف النقاب على الفراغ المطلق للآيديولوجية البعثية من جهة، ونهاية الهيمنة الاحادية القطبية الامريكية من جهة اخرى ومع انهيار العراق في الفوضى الدموية في السنوات التي تلت الغزو الامريكي، انتهى القرن العشرين بمعناه التاريخي الحقيقي.


 

المصدر: فورين بوليسي

مقال للكاتب:ROBERT D. KAPLAN

ترجمة وتحرير: أحمد علاء 

 
جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي