طيبة فواز
حجم الخط :
عدد القراءات
183
2018/3/30 12:40:20 AM

يعتبر العلاقة بين العراق وإيران من أقدم العلاقات تاريخيًا؛ فهي ليست وليدة العصر الحديث، بل هي صراع موروث من حقبة سابقة، في وجوه متعدده منه صراع (عربي فارسي) أو (مذهبي سني شيعي) هذا الخلاف كان موجودًا طول عمر التاريخ الإسلامي.

 

بحكم الموقع الجغرافي لطهران فإن التطورات والتفاعلات الجارية في منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا تدخل في نطاق المجال الحيوي لإيران، لذا تعد طهران منغمسة تلقائيا بشكل مباشر في التطورات والأحداث التي تجري في/ أو بخصوص الذي يقع في قلب المجال الحيوي لإيران.

 

فالعراق هو  البوابة الشرقية لإيران على الوطن العربي، وهي الرابط الجيوستراتيجي الذي يربط الوطن العربي بآسيا، بالإضافة إلى المثلث الجيوستراتيجي العراقي – التركي – الإيراني، فإن موقع العراق بمثابة أمن قومي بالنسبة لإيران، فضلًا عن مشاريع إيران الاستراتيجية والسعي لتحقيق جيرة مباشرة مع أوروبا عبر محور يمر بكل من أفغانستان والعراق وسوريا ولبنان، وهو محور له أهمية جيوستراتيجية كبيرة بالنسبة لإيران، فيحد من النفوذ الجيوستراتيجي الإسرائيلي من جهة، وسيتيح لها إمكانية احتواء تركيا من جوارها الجنوبي، الذي سيسمح لإيران بالتدخل عبر الأكراد والعلويين.

 

في كتابه (العراق في أزمة) أشار الأمريكي توني كوردسمان، المفكر الاستراتيجي المهتم بالشأن العراقي الإيراني والخليجي، إن كلًا من الولايات المتحدة وإيران كانتا تتنافسان على النفوذ العراقي، وقد كان لإيران النصيب الأكبر نظرًا لولاء الشيعة وأحزابهم السياسية التي حظيت به، فيما لم يعد للولايات المتحدة نصيب في العراق إلا في عدد محدود من الليبراليين والوطنين، وهو ماجعل البعض يرى أن العراق قد وقعت تحت الاحتلال الإيراني بعد الانسحاب الأمريكي، وحتى اليوم، أتاح الغزو الأمريكي فرصة تمكين الأحزاب السياسية والشيعية والسيطرة على السلطة، ومما أثر على النفوذ الإيراني في العراق، فكان محمود أحمدي نجاد أول رئيس إيراني يزور العراق منذ قيام الثورة الإسلامية، فيما صار لإيران سفارة في بغداد وثلاث قنصليات عامة في السليمانية وأربيل، وكربلاء، كما صار للعراق سفارة في طهران.

 

ما بعد (داعش)

 

بالرجوع إلى الدور الذي لعبته إيران بعد استيلاء (داعش) على الموصل وحمايتها لبغداد من السقوط في يده، ثم مساهمتها في تدريب الحشد الشعبي الذي تمكن من استعادة معظم الأراضي العراقية التي استولى عليها التنظيم، يمكن فهم تعزيز نفوذها في العراق، ولكن الطموح الأكبر كان منطقة الشرق الأوسط، حيث نجحت في إثبات قدراتها على أن تكون لاعبًا أساسيًا فيها، لا يخفى أن إيران استفادت كثيرًا من دخول داعش للعراق؛ حيث استطاعت أن  تثبت أنها الحامي الأساسي للعراقين، في ظل تخلي القوى السنية في المنطقة عن التدخل لحمايتهِ، مثل المملكة السعودية وتركيا من جهة، وتخاذل المعسكر الغربي من جهة أخرى، إيران وبعد 84 ساعة من دخول داعش الموصل بعثت بإمدادات الأسلحة والمستشارين العسكريين، وفي حين لم تتحرك قوات التحالف إلا بعد شهرين من ذلك التاريخ، كما أن قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني كان ولايزال العقل المدبر للعمليات ضد داعش، وخاصة  معركتي تكريت وصلاح الدين الذي كان دوره بارزًا  فيها.

 

ولا يخفى أيضًا أن إيران هي التي تمول الميليشات الشيعية المختلفة التي وصل عددها إلى الخمسين في العراق علاوة على ذلك أن إيران هو الممول الأساسي والداعم عسكريًا للحشد الشعبي وتدريبهم وتسليحهم بالمعدات اللازمة،لقد استفادت إيران من دخول داعش إلى العراق لتعزيز نفوذها واستغنام الفرص للوصول إلى مصالحها.

 

الانتخابات العراقية 2018

 

 

في 12 مايو (أيار) المقبل من المقرر أن تجري الانتخابات الجديدة ستجري هذا العام في ظل متغيرات داخلية وإقليمية ودولية عميقة اجتاحت العراق في خلال الأعوام الأربعة الماضية، أي منذ انتخابات 2014، وإضافة إلى التغير في البنى الاقتصادية والاجتماعية العراقية جراء الحرب على داعش، يشارك للمرة الأولى الحشد الشعبي العراقي في هذه الانتخابات باعتباره طرفًا سياسيًا فاعلًا، ومتغيرًا جديدًا في الطبقة السياسية، معززًا بالانتصار الشيعي للسياسة العراقية، وسترتسم علاقة جديدة بين إقليم كوردستان العراق والحكومة المركزية في بغداد، بعد إفشال الاستفتاء الكردي، وإحباط مخطط الأكراد بالانفصال والاستقلال.

 

موقف إيران من الانتخابات بالتنافس الكبير مع أمريكا في ظل حكم ترامب الذي يشرف على الانتخابات بالمواجهة مع إيران، إيران من جانبها تدرك الاستهداف الأمريكي، فبعد جدالات، قبل اقرار موعد الانتخابات، والتسريبات حول العراق في تحالفات جديدة في العراق، عابرة للطائفية والقومية، أرسلت رسالة قوية بإمكانية استعادة العراق لسيادتهِ المسلوبة إيرانيًا، منذ عام 2003 والمؤسسة أمريكيًا على دستور بريمر، وبأن هناك فرصة جادة لعراق جديد، ليس بالضرورة أن يكون معاديًا لإيران،بينما عراق يوازن بين مصالحهِ الوطنية، وبناء منظومات تحالفاتهِ الإقليمية والدولية، قد أبرزت إيران رجلها القوي في العراق، هادي العامري، قائد الحشد الشعبي، على رأس كتلة انتخابية، بصرف النظر على تحالفها مع العبادي قبل وبعد الانتخابات، مؤكدًا حصده ما يكفي من المقاعد، ليكون الأقوى لتنفيذ مصالح إيران في العراق، وضبط إيقاع حيدر العبادي خلال الأعوام الأربعة القادمة في ولايته القادمة.

 

إذ إنه من غير المتوقع أن تسفر الانتخابات العراقية إذا ماجرت في موعدها عن تغييرات تسهم في تغيير الصورة، وهو ما سيفتح الآفاق لرفع وتيرة لإيران وحقيقة أن العراق تابع للصراع الأمريكي مع إيران في العراق، وربما يتخذ مسارات وسيناريوهات

جديدة، في ظل الإصرار الأمريكي على مواجهة إيران، وربما يكون خيار مواصلة حروب الوكالة بين الجانبين، وهو الخيار الأرجح.

 

إن مستقبل الإستراتيجية الإيرانية في العراق، مرتبط بمتغيرات داخلية ومؤثرات خارجية، وإن الإستراتيجية الإيرانية في العراق تعيش حالة من التفاعل الشديد مع مشروع العالمية الأمريكي، وخصوصًا أن العراق اليوم يمثل نقطة ارتكاز لكل من المشروع الإقليمي لإيران ولهدفها في سيادة المنطقة الإقليمية المحيط بها، ومشروع الولايات المتحدة الذي يتمثل في القيادة العالمية لها والذي يعتبر تأمين مصالحها في ما يعرف بقوس المصالح الأمريكية الممتد من منطقة الخليج إلى حوض بحر قزوين أمر حيويا وأساسيا لتحقيق هيمنتها العالمية أو ما يسمى الآن القيادة الأمريكية للعالم.

 

وعليه فإن الاحتمالات المستقبلية للاستراتيجية الإيرانية تنحصر ضمن بوتقة هذا التفاعل ومن ثم مخرجاته وانعكاساته. وبالتأكيد فإننا اليوم نعيش في مرحلة مفصلية من مفاصل التفاعل الأمريكي الإيراني في المنطقة، وإن صانعي القرار في كلا البلدين يمارسون لعبة غاية في الخطورة والأهمية، خصوصًا وإن النتائج التي من الممكن أن تترتب ستكون إما نصرًا استراتيجيًا قد يغير من طبيعة المنطقة، وخصوصًا العراق، وإما هزيمة قاسية سيكون انعكاسها على المنطقة التغيير أيضًا.

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي