ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
389
2018/4/15 04:14:28 PM

على مدى خمسة ايام وعلى خشبة مسرح منتدى المسرح في شارع الرشيد ببغداد، عرضت مسرحية (تقاسيم على الحياة) للمخرج جواد الاسدي المأخوذة عن قصة (العنبر رقم 6 ) للكاتب الروسي أنطوان تشيخوف ، وجسد ادوارها الفنانون : مناضل داود، اياد الطائي ،حيدر جمعة ،أمير اسماعيل ومجموعة من شباب المسرح العراقي .

وقد نالت المسرحية ،التي قدمت باللغة العربية الفصحى وباسماء ومكان من بيئة المؤلف الروسية، الاهتمام الكثير من جمهور المشاهدين الذين كانت تمتليء بهم قاعة العرض كونها كانت تنطق بحقائق الواقع الاجتماعي العراقي الذي يعاني من الكثير من السلبيات والتقلبات والمآسي، كما نالت وجهات النظر الايجابية التي ربما هي الاولى التي تتفق فيها الاطراف المختلفة من الفنانين والنقاد والاكاديميين والجمهور على روعتها كونها تحاكي الواقع العراقي والتي قيل عنها (عرض مسرحي يحكي عن حياتنا في تلك الأقبية التحتانية ومنزلقاتها , ثمة حشود من الناس المكسورين ,المهمشين والجوعى , الذين ينطحون الذل والمهانة و العبودية بأجساد حارة ساخطة , هؤلاء ابطال المسرحية الذين ينشدون ويحلمون بأمل هنا وطمأنينة هناك)، كما نال اختيار المكان لعرض المسر حية استحسان النقاد كون المكان صغيرا ويكون جزء من العرض .

كما امتدت الثناءات الى مساعد المخرج الفنان صميم حسب الله وفني الاضاءة علي السوداني والإدارة المسرحية بهاء خيون ومهندس الصوت حيدر سعدون والعزف الموسيقي امين مقداد و جاسم محمد وفنان الجرافيك كرار عبد الستار ، فيما طالب الكثيرون باعادة عرض المسرحية في المسرح الوطني (حتى يتسنى لمن لم يقدروا مشاهدة هذا العرض الاستثنائي أن يشاهدوه).

الفرح والانصهار في بوتقة الحياة

ونال الممثلون قدرا كبيرا من الثناء للاداء الكبير الذي قدموه ، مثلما نال المخرج الاسدي من المديح الاستثنائي الكثير مما يضعه على القمة بين المخرجين المسرحيين الكبار ، وهو الذي قال عن عرضه : هذا العمل يشكل نوعا خاصا من الفرح والانصهار في بوتقة الحياة وكما قلت في توصيف سابق للعرض ان تقاسيم رغيف المسرح مع فنانينا العراقيين المبدعين هو بحد ذاته فرحة لايضاهيها فرحة من حيث إنك تقدم شيئا يكون علامة مؤثرة لدى المتلقي .

فقد جسد الفنان اياد الطائي شخصية ( ميخايلوف ) النجم المسرحي الذي طالما احتفت به المسارح وهو يؤدي شخصية الحوذي الذي فقد حصانه ..ويصرخ في مشهد لم يتجاوز ثلاث دقائق "ذبحوا حصاني ذبحوا حصاني"، وأدى الفنان مناضل داوود شخصية الطبيب اندريه الذي يرى في تغييب العقل والاستسلام للبؤس والخضوع للامر الواقع حقائق لا مفر منها، والفنان حيدر جمعة في شخصية - ايفان، الثلاثيني الفيلسوف الذي اتضحت معالم الانكسار عليه والذي كان يبحث عن منفذ للخروج من ذلك القبو باحثا عن الحرية ، والفنان الشاب امير احسان الذي ادى شخصية ايكوركا ، الشاب ذو اللحية المدببة اليهودي - في القصة الحقيقية، البروفيسور الاقتصادي والمرمي في السجن كالكلب الاجرب كما يقول في المسرحية،وقام الموسيقى أمين مقداد بتجسيد شخصية (مكسيم) ، فيما جسد الممثل جاسم محمد شخصية (الدكتور خوبوتوف) ، تلك الشخصية السلطوية التي اختار المخرج أن ترتدي زياً عسكرياً في تعبير واضح عن عسكرة المجتمع في الأنظمة الشمولية،فضلا عن مجموعة من الشباب الذين جسدوا أروع الأدوار (مجانين/عقلاء ) العنبر .

عرض ( أسدي ) بأمتياز

فقد اكدت الفنانة هديل كامل على روعة ما قدمه العرض ، وقالت : مجموعة من المقاصل تصطف لتقطيع رؤوس صدّعها السوآل ، فهربت من عقلها وخلفّت وراءها ثرثرة سياط تجلد فيهم رهافة الحس وهم يتلبسون بجرم الحياة والشغف بها ،قوالب أدائية تقدم لك درساً في التمثيل ،أرّقت المخرج في الليل وأبهرته نهاراً حين أحياها الممثل بروح الشخصية التي تنهض فيه .. يستنفرها الوجع في كل لحظة .

واضافت : الطبيب ، البروفيسور ، العالِم ، الممثل ، عازف الكمان وحزمة من الضوء تمثلت بطاقات شبابية ، أطّرت العرض بإيقاع يجسد كامل المعنى ،ويكرس انطباعاً لا يتكرر الا حين تحضر متفرجاً لعرض مسرحي يكون ( أسدياً ) بأمتياز . وتابعت : جواد الأسدي ..ثروة مهدورة ، على أقل تقدير ، لي كممثلة، حيث ان الزمن يمضي وليس من يثمن الوقت في استثمار الفرصة واللقاء وكل الظروف التي تعبّد الطريق لهذه النجاحات التاريخية ..كنا نسكن بيروت في فترة متزامنة انا وهو ولم نوفق بتقديم عمل مشترك رغم كل المحاولات الجادة لذلك ...هذه المرة لن اسمح بتضييع الفرصة ، فثمة وهج مخبوء يفتش عمّن يستدّل عليه وبوصلة الطريق تؤدي دائماً لمن يتجاذب الحلم ويطارده . واضافت ايضا : حاصل جمعهم هو ( الانسان ) ..وان اختل عقله بفعل فاعل .. ليغدو وسط زحام الأفكار وتداخل الرؤى المنبثقة من عقول ارهقها تكرار المأساة و ترديد اسبابها على مسمع و مرأى بعضهم البعض بوجود سلطة الراى الانفذ .

عرض ممتع جدا

وقال المخرج عزام صالح : لم اتمتع طيلة حياتي الفنية من عام 73ولغاية هذه اللحظة بعمل مسرحي اوفلم سينما او معرض اوكتاب قرأته مثلما تمتعت بهذه المسرحية والتي سمعت كل مفرده قيلت فيها وانا جالس في مقعدي مسترسلا"في التلقي الواضح والجميل ما اجمل العرض كل ما فيه تمثيلا وسينوغرافيا واخراجا هنيئا لمن يشاهده .

عزف على نياط الذاكرة

كما اكد الناقد الد كتور سعد عزيز عبد الصاحب انها عزف على نياط الذاكرة، وقال : منذ (نساء في الحرب)التي اخرجها في بغداد عام 2005 بظروف قاهرة وغير مواتية غيرّ(الاسدي) من ميكانزمات الممثل المحلي نساء ورجالا ومواصفاتهم التقليدية في الاداء مغيرا جلودهم بجلود اخرى وانماط ادائية جديدة ، وهو ينجح مرة اخرى في الحفر في (ذات الممثل) ونبشها وصولا الى الجوهر ... فتمظهر الممثل (مناضل داود) بشكل سر موارب ملتبس مستقر الصوت بلا ضجيج انما هو الشك الذي يغلف الدكتور (اندريه)واللاطمأنينة التي تسكنه ، تعبر قوة حضوره الاولى عن طاغوت يسكن العنبر لكنه ارهف من ريشة في تعاطفه مع نزلاء العنبر وصولا للحظة الثورة والانقلاب على الذات انه يعبر عن جوهر فلسفة التراجيديا الرومانسية في الفداء فهو يذهب الى حتفه بملء ارادته ويقدم نفسه قربانا للدفاع عن موقفه كما المسيح او الحسين دون ذرائع ، والممثل (اياد الطائي) في اهم ادواره على الاطلاق ، اطلق العنان لحصانه التمثيلي الجامح صوتا وجسدا ليختصر معاناة الفنان الحقيقي في المجتمعات والانظمة السياسية المتخلفة التي لاتقيم وزنا له ولفنه ، والسؤال الفلسفي الذي عبر عنه (ايفان) بتشخيص (حيدر جمعة) في انثيالاته وتبدياته الذاتية المضطربة التي عبرت عن ازمة ومحنة المثقف وجوعه الى الحرية واحساسه بالاخر واندكاكه بالمجتمع على الرغم من وعيه المتعالي ، كان بحق صوتا ادائيا اصيلا ضابطا لتحولاته الداخلية والخارجية في اداء الشخصية ، استطاع ان يشق طريقه فيها بوعورة في ظل منافسة ادائية وتبار تمثيلي شديد ، كان لـ(ايغوركا)(امير احسان) حصته فيه بنسق جنح نحو (الكوميديا) كأنه صوت تشيخوف المتهكم في العرض حاملا لسر العرض ومفتاحه (انفراجه) المتحول كلما حاولت المشاهد ان تقطب جبينها وتأخذنا نحو الجدية والتأزم والصرامة ، بحضور راسخ ومستقبل باهر ، وحاول (جاسم محمد) ان يقدم شخصية رئيس الاطباء في مشهد الذروة ويكون قريبا من حالة الشر والفظاظة التي تجسدها بنوايا ادائية متميزة.

حضور لافت للانتباه

من جهته قال الناقد والاكاديمي الدكتور يوسف رشيد : يعود جواد الاسدي الى فضاءات مسرحه العراقي وبقوة حضور لافت للانتباه كعادته فهو يخطف الأضواء حيثما وجد عبر ما قدمه من منجز إبداعي حافل بالتميز خارج العراق وداخله. ...لذا فهو يعود هذه المره ليضعك أمام رهانات اشتغل عليها بقصدية جمالية وفكرية وفلسفيه وهي تبدأ من تفكيك الذات بوصفها بيئة روحية مستترة إلى تجسيدها برهانه الأول مكانيا كبيئة حديدية معلنة يمكن تأويلها إلى أن السجون الذاتية هي أبشع كل الزنزانات صلابة وطالما لم تفتح هذه السجون فكل ثوراتكم مجرد سجن للثورة بحسب ( بيتر فايس) .

واضاف: ولعل لعبة الحياة داخل الحياة كانت هي الفلسفة المسرحية الاقرب في هذا العرض الذي يرنو إلى فضح بوح من داخل أقبية هذه الحياة ومن عمق انكسارات الذات الانسانية وتقاسيم الوجع التي رسمت على جنباتها ..هنا تموضع رهان البيئة المكانية للاسدي والذي انسحب فلسفيا على جميع الاداءات التي احتواها المكان ،حيث كسب الجولة البصريو الأولى التي كان من شأنها أن تمنحك الاحساس بذلك الجواني العميق في دلالاته وترسباته في ذوات الشخوص الهائلة البناء الفني..إذ أن طبيعة الصورة المكانية توحي بخطوط بصرية وتشكلات حركية مائلة لترسم في افق التوقع ذلك الخراب الموحي بأنها جدران ايلة للسقوط والانهيار والمتعرضن تعالقا مع ذوات الشخوص...وهذا هو شأن الحياة اليوم فهي محاطة بذات العتمة والخطوط الموغلة بسرية الضوء وهو يجسد ظلامية الحياة التي نادرا ما تشع بارقة أمل منها في فكرة هاربة من هنا أومن هناك .

وتابع : ولعل حميمية التلقي التي عمد اليها فريق العمل قد جعلت من الملتقي مشاركا منفعلا بصمت لأنه في حضرة الأداء المبهر...وهنا أيضا يكمن الرهان الأهم في اللعب المسرحي الذي اشتغل على تجسيد الذوات بايقاعيات ادائية متعددة المشارب ومختلفة في تنوعها بالتعبير عن وجودها في هذا السجن الذي لايمكن مغادرته حتى وإن أتيحت لها الفرصة إلا أنها في خضم إشكالية الالتصاق بالمكان تعاني انغلاق الذات على هذا المغلق وسحقها التدميري الذي يجلدها في كل لحظه وجودية تعلن فيها عن نفسها....لذا فقد استدعى العرض أساليب ادائية مميزة قدم فيها الممثلون ابرع ما يستطيعون على مستوى آليات الأداء والاشتغال بأدوات الممثل كل بخصوصيته جعلتنا أمام سياحة في جماليات الفضاء التمثيلي.


المصدر: ايلاف

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي