نوارة العقابي
حجم الخط :
عدد القراءات
1012
2018/4/16 07:32:43 PM

لا يمر يوماً على الحاج جاسم الا ويأكل فيه عشر تمرات صباحاً, انه يعتقد بأن "التمر" سيحافظ على صحته ويزيد من عديد أيامه, ومن يفقد الحاج لن يشقى كثيرا، فسرعان ما يجده في السوق يغوص بين اكياس التمور في المحال التجارية   تائها في رحلة البحث عن اجود الانواع.

يقول الحاج جاسم باللهجة البصرية الجنوبية: "مامش  تمر البصرا الاصلي، الي بالسوك  كله ايراني وخليجي".

ويضيف ساخراً: لـ (وان نيوز) "بالحكم الملكي جانت العالم اطالب الحكومة ما تزرع نخل وتزرع اشجار غيرها, هسة البصرا  تستورد تمر, شلون زمن هذا".

حتى منتصف ستينات القرن الماضي، كان عدد أشجار النخيل في البصرة أكثر من 13 مليون نخلة من مجموع نخيل العراق البالغ 30 مليوناً, ويؤكد الباحثون ان تسمية العراق بأرض السواد جاءت من مشاهد غابات النخيل في البصرة حين كان العراق يعني البصرة فقط، ومعروف لدى الجميع أن لفظة العراقيين تعني البصرة والكوفة.

النخلة

البصري المعروف، الشيخ عبدالقادر باش أعيان،  يقول في كتاب له اسمه "النخلة": ان البصرة "تكاد تنفرد عن بقية مدن الأرض بالنسبة الى تأثير الفيضان فيها، فهي لا تتأثر به بل العكس تماماً, فهو يغسل أراضيها من كميات الملوحة التي يسببها قربها من البحر, وكانت المواسم التي تعقب الفيضان من أفضل المواسم الزراعية فيها، إذ تصبح أراضيها خصبة خالية من الأملاح, ومعدّة لزراعة مختلف أنواع المزروعات, وبخاصة النخيل".

المدينة الواقعة جنوب العراق، شهدت تراجعا ملحوظا في زراعة النخيل خلال العقود الثلاثة الماضية, حتى وصل  العدد ليصل الى مليونين ونصف المليون نخلة، بعد أن كان العدد يتجاوز  ستة عشر مليون نخلة في عام 2017.

والخطر الذي يهدد النخلة في البصرة لا يمثل بالتراجع الكمي بل بالنوعي أيضا. فهناك أنواع معينة من النخيل مهددة بالانقراض، بسبب الأمراض وتراجع أعدادها.

البصرة التي كانت توصف بأنها "غابة لا تحد وأنهار لا تعد" يتعجب المتبضع من أسواقها اليوم, نتيجة اختفاء أنواع كثيرة نادرة من تمورها، وما هو معروض في السوق منها لا يدل على سابق عهدها به كأشهر مدينة للتمر في العالم, بل إن من يبحث عن الأنواع الممتازة من التمور لا يجدها في تمر البصرة، بل في تلك التمور التي تصلها من الدول المجاورة, فتمر البصرة صار أصغر حجماً وأقل جودة.

آثار الحروب

"تراجع اعداد النخيل هو تراكمي وليس وليد اليوم",  يقول وكيل وزير الزراعة, مهدي ضمد، ويضيف ان "التجريف اثناء الحرب العراقية الايرانية وانسحاب الايدي العاملة الى العسكرية, فضلاً عن الحصار الذي منع تصدير التمور الى خارج البلاد  وايقاف معامل كبس وتعبئة التمور ساهما في الفجيعة".

الا  ان وزارة الزراعة شكلت  في عام 2005 الهيئة العامة للنخيل التي كانت تهتم بتطوير بساتين النخيل وقطاع التمور لكنها الغيت وتحولت الى قسم صغير بعدما اصدر قانون الوزارة رقم 10 لسنة 2013.

ويوضح الوكيل لـ (وان نيوز) ان "جهود الوزارة اسهمت بالقضاء شبه التام على آفة الدوباس التي كانت تفتك بنخيل العراق منذ 1920  وبدأت المكافحة الفعلية لها عام  2014 التي عدلت من نوعية التمور وحسنت من نوعية النخلة".

ويشير وكيل وزارة الزراعة  ان "حالات استيراد للتمور من خارج العراق, هو تهريب و غير رسمي، وعلى الجهات المختصة محاسبة من يدخل التمور خارج نطاق الاستيراد".

ووفقا للمسؤول الحكومة، فان "وزارة الزراعة لا تمتلك احصائية ثابتة لاعداد النخيل  لكنها وفقا لتخمينات تتراوح ما بين 20 _22 مليون نخلة في العراق".

لكن المشكلة يبدو ان لها اسباب اخرى غير التي ذكرها وكيل وزارة الزراعة، اذ ان عضو مجلس محافظة البصرة, احمد السليطي يقول ان "قلة الواردات المائية التي ترد الى شط العرب, وارتفاع  نسبة الملوحة لاسيما وان النخيل يحتاج الى مياه عذبة ولا ينسجم مع نسب الملوحة, هذا كله ادى الى هلاك نسبة كبيرة من النخيل, بالإضافة الى السكن العشوائي الذي بدوره شغل مساحات واسعة من بساتين النخيل".

ويضيف المسؤول المحلي لـ (وان ينوز) اسباب اخرى للمشكلة وهي ان "الرغبة في زراعة النخيل انخفضت  بشكل كبير  وذلك بعدما وجدها الكثيرين بانها لم تحقق جدوى اقتصادية نسبة الى ما كانت عليه في السابق, حيث كانت مصدرا لمعيشة الكثير من العوائل, وهذا قلل الاعتناء بالنخلة والرغبة في زراعتها وبالتالي تراجع عددها".

ضحية اخرى للفساد

عضو لجنة الزراعة والموارد المائية النيابية،  شروق العبايجي، ترى ان "النخيل هي احدى ضحايا الفساد, في العراق فشهدنا الكثير من البساتين تباد وتحرق في سبل تحويلها  لدور سكنية او مناطق ترفيهية او غيرها".

وتعتقد  العبايجي، خلال حديثها لـ (وان نيوز) ان "ايقاف هذا الهدر بالثروة الوطنية يتجلى باستبدال الفاسدين الذين  جاءوا من خلال المحاصصة وهم لا يمتلكون اي مؤهلات او اي حس وطني ولا يعملون سوى لمصالحهم الشخصية التي اوصلت البلد الى هذه الاوضاع الكارثية"..

وعلى امتداد السنوات الفائتة،  خسرت البصرة، نصف مساحة بساتين النخيل، الامر الذي يجعلها في مقدمة المحافظات التي تعاني من تدهور الواقع الزراعي في للعراق.

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي