عماد عبد اللطيف سالم
حجم الخط :
عدد القراءات
691
2018/4/29 10:06:36 PM

 

"سمسميّة" سوريّة.

"سمسميّة" مُستورَدَة .

"سمسميّة" فاخرة LUXURY SESAME مُنتَجَة خصيصاً لصالح العراق !!!.

تاريخ الانتاج : 30 – 1 – 2018 .

لماذا ؟

ما ذا حلَّ بالعراقيّين ؟

ألا يستطيعونَ "انتاج" قرص سمسميّة وزنه 185 غراماً، ويغلّفونه بـ "النايلون الشفّاف"، ويبيعونه لفقراء العراق، وأغنياءهم على حدٍّ سواء ، بـ دولار أمريكي واحد (على الأقلّ) ، أو 1200 دينار عراقي ؟

سيقول البعض: نحنُ نستورد السمسميّة "صناعة سوريّة" لأنّها أرخَص من السمسميّة "صناعة عراقيّة" ، وهذا هو ما يسمح لفقراء العراق بأن يأكلوا السمسميّة و "يوصوصوا" بها ، كما يأكلون كلّ شيءٍ نقوم باستيراده الآن ، و "يوصوصون" عند شراءه ، وبأرخص الأسعار ، بفضل "قياداتنا" الاقتصادية والسياسيّة الحكيمة ، وما أكثرها في هذا البلد المسكين.

نعم . هذا صُدُك (على كَولة أمّي) .. بس مو صحيح !

نحنُ نستورد السمسميّة (كما نستورد كلّ شيء) لأنّنا لم نَعُد قادرين على صُنع أيّ شيء . وأحد أسباب استيرادنا المُجزي والمُربِح والمُجدي"تجاريّاً" ، و "اغراق" اسواقنا بكلّ شيء (من قناني الماء ، الى الخيار المُخلّل ، الى التمر واللبن والحلاوة الطحينيّة و "الجُكليت" ..) هو أنّ المُصَدِّرين يستفيدون من سعر الدولار في العراق مقابل سعر صرفه في بلدانهم .. أمّا المستوردون فيستفيدون من الفرق بين السعرين .

بطبيعة الحال فإنّ هناك اسباب أخرى قد تكون أهمّ وأخطر تقف وراء هذا الانفلات في الاستيراد ، غير أنّ ما يهمّنا هنا هو استيراد السمسمية (على سبيل المثال لا الحصر) .

نحنُ نستورد السمسميّة من سوريا لأنّ الدولار لدينا بـ 1200 دينار عراقي ، والدولار لديهم بـ 440 ليرة سورية .

نستوردها (مثلاً) من سوريا بـ 20.8 سنت(250 دينار عراقي) للقطعة الواحدة وزن 185 غرام ، و نبيعها (مثلاً) في العراق بـ دولار أمريكي واحد( 1200 دينار عراقي) ، ويستفيد المستورِد من الفرق بين السعرين بعد تغطية جميع التكاليف .

أمّا بالنسبة للتجّار (و صُنّاع السمسميّة السوريّين) فإنّ سعر تصدير السمسمية سيكون مُجزيّاً جداً بالنسبة لهم مقارنةً بسعر بيعها في السوق السوريّة .

فـ 20.8 سنت تُعادل 91.5 ليرة سوريّة ، ومن الصعب جداً أن يبيع "شيخ البزّوريّة" السوري قرص السمسميّة هذا بـ 91.5 ليرة في السوق السوريّة .

واستناداً لـ "حساب العرب" هذا ، فإنّ بإمكانك عزيزي المواطن العراقي ، أن "تحسِبَ" كلفة استيراد وبيع جميع السلع في السوق العراقية (من مختلف المصادر والدول والجهات) ، لتعرف لماذا نستورّد كلّ هذا الكمّ الهائل من مختلف السلع ، ولماذا "يُغرِقنا" الآخرون ببضائعهم "الرخيصة" ، ولماذا لا نقومُ نحنُ بالإنتاج والتصدير ، ولماذا نحنُ سعداء جدّاً بكل هذا "الأكل" ، وكلّ هذه "الوصوصة" .

نعم . نحنُ محظوظون جدّاً لأنّنا نعيشُ في العراق ، حيث معدّل التضخم لا يزيد عن 3% (حتّى بأمريكا وأوروبا ماكو هيج مُعدّل) ، والدولار بـ 1200 دينار ، ونستورد "حلاوة طحينيّة" من الأردن ، و سمسميّة من سوريا ، وتمر من الامارات والسعودية وايران ، و سجائر "ماك" الباكيت بـ 500 دينار (41.6 سنت فقط) ، و الماء الذي نشربهُ يأتي من تركيا .. والمُهمّ أن ناكُل ونشربُ و "نُدَخّنُ" المُستوردات "الرخيصة " ، الى أن نموت .

ماذا تريدون بعد كلّ هذه "البحبوحة" ، وكلّ هذا الرفاه ؟

اقتصاديو الحكومة (وليس عامّة الناس) يقولون : لولا هذا لما وجدتم شيئاً تأكلونه أو تشربونه !! . أحدهم يسأل : "وماذا ستأكلون ، ومن أين تاكلون" ؟ والآخر يقول : ما هو البديل ؟.

ولكنّنا في المقابل (وفي حقيقة الأمر) ، لسنا محظوظين الى هذا الحدّ . فمعدّل الفقر اقتربَ من الـ 40 % ، ومعدل البطالة هو في حدود الـ 10 ) %36 % معدل بطالة عام ، و 25% بطالة "ناقصة" أو جزئيّة)، ومصانعنا مُغلقة أو خاسرة ، ومزارعنا مهجورة ، وماءنا شحيح.

وأرى (وقد أكون مُخطِئاً بالطبع) أنَ بإمكان فقراء العراق ، وبوسائل انتاج بسيطة ، وكلفة متدنيّة ، و"مشروع" صغير جدّاً (يمكن أن يكون دكّاناً ، أو ورشة صغيرة ، أو في أحدى غرف البيت) ، صناعة قرصٍ السمسميّة العراقي ، وزن 185 غرام ، وتغليفه بـ "النايلون الشفّاف" ، و وضع ورقة على سطحه المُبجّل ، مكتوبٌ عليها " شيخ السمسميّة" العراقي ! .. وكلّ هذا بكلفة انتاج مقدارها 500 دينار (كحدٍّ أقصى) ، وبيعه بـ 750  دينار (سعر جملة) ، و بـ 1000 دينار (سعر مفرد) ، لنتمكنّ بذلك من تشغيل عدد لا بأس به من الرجال العاطلين ، و من النساء المُعيلات لأسرِهُنّ ، اضافةً لتوفير دولارات الحكومة لمواجهة ما هو أهمّ من عملية "تمويل"السمسميّة المستوردة (وغيرها) بكثير.

وأنا (وأعوذ بالله من كلمة أنا) لا أعرف على وجه الدقة ماهي العوائد التي نحصل عليها (أو من هُم أولئك الأشخاص،أو تلك الجهات التي تحصل عليها) مُقابل كلّ معمعة الاستيراد هذه؟

هل يستطيع من ارتضى لنفسهِ قبول "الفواتير" ، والقوائم التجارية ، و مستندات الإدخال والإخراج الكَمركَي للسمسميّة ، وأخواتها وأبناء عمّها وعمّاتها وخالاتها .. ووافق أن يُنفِق عليها من دولاراتنا العزيزة مبالغ طائلة ، دون أن يرمشَ لهُ جفنٌ واحد(وليس جفنين) ، أنْ يُحيطنا عِلْماً بذلك ؟.

شكراً شيخ "البزّوريّة" على سمسميتكَ السوريّة اللذيذة ، والرائعة المذاق ، و فائقة العَذوبة .. ككُلّ شيءٍ في سوريا العزيزة .

أمّا شيوخ "السم سم " لدينا فلديهم ما ينشغلون بهِ عنّا ، وعن امكانية صُنْعنا لـ سمسميتنا الخاصّة بنا ، وعن احتمالية أن نفعل شيئاً ما ، يُمكنُ أن يعيننا على فعل ذلك ، أو أن نفعلَ أيّ شيءٍ مُفيدٍ لنا غير ذلك .. قبل أن نذهب لإعادة انتخابهم في مايس / آيار القادم .. ثمّ نشتمُهم .. ثمّ نعيد انتخابهم من جديد .. وكأنّنا لم نتذوّق سمسميتهم المُرّة أبداً .

تلك السمسميّة التي لا تشبهُ سمسميتنا العراقية "الأصليّة" والأصيلة في شيء ، ولا تشبهُ سمسميّة شيخ البزّوريّة السورية .. لا من قريبٍ ولا من بعيد .

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي