ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
174
2018/5/14 03:33:00 PM

اسفل شجرة أكاسيا تقع في إحدى البقع البرية القليلة الباقية في حزام القمح جنوب غرب أستراليا، ولدت أقدم نوع من العناكب في العالم وتحديداً في جحرٍ تحت الأرض مُبطَّن بحرير أمها في صيف 1974.

عاشت هكذا، في أمانٍ وظلام، لمدة الستة أشهر الأولى في حياتها. ثم ذات يوم في فصل الخريف المطير، فتحت أمها الجحر، ورحلت.

هذه قصة أقدم وأكبر عنكبوت في العالم. جُمِعَت أغلب التفاصيل من خلال الأبحاث التي قامت بها باربرا ماين وليندا مايسون، اللتان درستا عنكبوت mygalomorphs لحوالي نصف قرن.

تحت غطاء من الأوراق الخضراء كانت المنافسة شرسة، معظم صغار العناكب مُعرَّضة للالتهام بواسطة الطيور أو العظاءات، أو أن تأكل بعضها البعض، أو تموت تحت أشعة الشمس.

ولكنَّها كانت محظوظة. وجدت لنفسها بقعةً من الأرض غير مأهولة، على بعد أمتار من جحر أمها، وبدأت في الحفر.

حفرت العنكبوت في التربة دائرةً كبيرةً بما يكفي لتناسب حجمها؛ الذي لا يزيد عن 3 سم، ثم بطَّنت النفق بالحرير.

وكان هذا النفق هو بيتها طوال حياتها

غزلت العنكبوت باباً حريرياً عند فتحة النفق، مربوطاً بجانب واحد ليصبح مفصلاً. وسحبت مئات الأغصان عند حافة المدخل، الواحد تلو الآخر، حتى كونوا شكلاً كشفرات المروحة.

ودخلت جحرها، وأغلقت الباب وانتظرت، ربما لأيام أو حتى لأسابيع، في انتظار وجبتها الحقيقية الأولى.

كانت كفيفةً بالأساس، ولكنَّها كانت تشعر بكل اهتزازة حولها. لذلك، حين شعرت أخيراً بشيء يتحرك على الأغصان -ربما كانت نملة أو خنفساء صغيرة- قفزت إلى الخارج وجذبتها إلى الداخل.

وبهذه الطريقة، استطاعت أن تحصل على الغذاء عندما كان يأتي إليها، واختبأت من الخارج عندما لم يكن لديها شيئاً لتأكله. سماها العلماء Gaius villosus، وكانت واحدةً من عشرات العناكب التي تنتمي إلى نوع عناكب الباب المسحور، التي عاشت في المساحات البرية المتناقصة لحزام القمح الأسترالي.

وبعد مرور عامٍ في جحرها، في عام 1975، شعرت باهتزازاتٍ ثقيلة غريبة على الأغصان بالخارج. كان هذا يعني عادةً أنَّ أحد الكائنات المفترسة يجوس في الخارج، أو حيوان كبير مثل الكنغر.

ولكن هذه المرة، كان سبب الاهتزازات هو باربرا يورك ماين، التي كانت تقف مباشرةً فوق الجحر.

باربرا، صديقة هذه العنكبوت

لطالما شعرت باربرا بانجذابٍ مباشر نحو الكائنات الصغيرة. تقول لهيئة الإذاعة الأسترالية "لم أحظَ بعلاقةٍ مع الكنغر مثلاً كعلاقتي باليرقات".

باربرا التي أصبحت عالمة حيوان في جامعة غرب أستراليا. انحنت ذلك اليوم من العام 1975، على الجحر، وأزاحت الأغصان عن على باب العنكبوت، ثم ثبَّتَت علامةً معدنيةً صغيرة في التربة.

كان الرقم 16 محفوراً عليها. وعلى بعدِ خطواتٍ قليلة، وضعت باربرا علامةً على جحر آخر يحمل الرقم 1، واستخلصت أن "1″ ربما كانت أُم "16″. وأن 24 و30، ربما كانتا أختيها.

قضت باربرا ساعاتٍ تحت شجرة الأكاسيا، تضع العلامات على كل جحرٍ تقابله. لقد كانت تبني شجرة لعائلة Gaius villosus، العائلة التي كان بقاؤها على الأرض مُهدَّداً، ولم يعرف عنه سوى القليل من البشر.

قالت باربرا للمؤتمر الدولي لعلم العنكبوتيات في تقريرها الأول عام 1977: "نأمل في النهاية أن نجمع تاريخ حالات كاملة للعديد من الأعشاش الفردية"، بحسب ما كتبته في ورقتها البحثية. وأضافت: "إنها دورة حياة لا تقل ربما عن عشرين سنة".

ولكن عشرين سنة كانت مجرد تخمين. وسط أشياء أخرى، قالت باربرا لهيئة الإذاعة الأسترالية فيما بعد: "أردت أن أعرف كم تعيش العناكب".

كانت السنوات التالية قاسيةً على العناكب. صيف 1977 كان جافاً وطويلاً، فأباد ثلث جيل في سنةٍ واحدة، بحسب ما كتبت باربرا. خدش سمانٌ جائعٌ أعشاشاً مفتوحة. وهاجم عقربٌ أحد الجحور.

بحجم ربع دولار

ولكن، ظلَّت 16 تنجو وتنمو، وتُوسِّع جحرها كل عام، حتى أصبح باتساع قطعة ربع دولار، وهكذا.

كانت Gaius villosus نوعاً مرناً، وفق ما كتبته باربرا في ورقتها الرئيسية الأولى في المشروع، التي نشرتها في نشرة الجمعية البريطانية لعلم العنكبوتيات عام 1978.

وكتبت أيضاً: "بالرغم من أن أعشاش البالغين كثيراً ما تكون ذات أبوابٍ وخطوط أغصان مُمَزَّقة (يحتمل أنه بسبب الطيور)، لا يبدو أن أحداً منها قد تأثَّر بشدة. تعيد العناكب ربط أبوابها، أحياناً رأساً على عقب، أو من الخلف إلى الأمام، وتربط خطوط أغصان جديدة".

في ذلك الوقت، وضعت باربرا علاماتٍ على 101 عشاً للعناكب من نوع villosus ورسمت الخرائط لها، كلها في محيطِ أمتارٍ قليلة بينها وبين بعضها، بالقرب من حافة حفرة الحصى القديمة.

تأثَّرَت باربرا بطول عمر العناكب. واستناداً إلى حساب أقطار الأنفاق التي تحفرها وملاحظاتٍ مُتَفَرِّقة كانت قد دوَّنَتها قبل الدراسة، اعتقدت باربرا أن اثنين من الأمهات كانتا في عمر السادسة عشرة على الأقل.

وأضافت: "ربما كانتا في عمر الثامنة عشرة، أو العشرين!".

ذكرت باربرا العنكبوت 16 بشكلٍ عابر في هذه الورقة المُبكِّرة. كانت في عمر الرابعة، ولم يكن فيها أي شيءٍ مُمَيَّز بعد.

يوماً ما في أواخر العام 1970، قامت العنكبوت 16 برحلةٍ نادرة إلى باحتها الأمامية. لقد غزلت ما يماثل حصيرةً للترحيب خارج بابها؛ وهي شبكة مزينة بالفيرومونات، والتي تشبهها باربرا بشرشف المائدة الذي يوضع لأكواب الشاي.

ثم عادت أدراجها وأغلقت الباب، ليس في انتظار انزلاق فريستها هذه المرة، بل في انتظار قدوم أحد الذكور.

كتبت باربرا في ورقتها عن الاختلاف الشديد بين حياة الذكور وحياة الإناث من عناكب villosus. تغادر الذكور جحورها بمجرد أن تصبح ناضجة جنسياً -في حوالي عمر السادسة- وتذهب للبحث عن شراشف المائدة وتطرق الأبواب.

لا تعود الذكور إلى جحورها بعد التزاوج، وفقاً لما كتبته باربرا، بل يظلون في تجوالهم حتى يموتوا، وجميعهم يموتون صغاراً.

بينما تعود الإناث مباشرةً إلى جحورهن بعد التزاوج. لقد سدت بابها بإحكام أكثر، باستخدام حشوة مُحكَمة، مصنوعة بدقة، لتمنع دخول الحرارة ومياه المطر، وقضت عامها التالي داخل بيتها، لترقد على بيضها وتحافظ عليه.

في الخريف التالي، فتحت أقفال جحرها وأرسلت صغارها إلى العالم الخارجي، ليعيشوا أو يموتوا، قدر استطاعتهم.

وأشارت باربرا إلى أن هؤلاء الأمهات هن سر نجاة عناكب villosus في مثل تلك البيئة القاحلة. لقد تمكَّنَّ من النجاة، داخل جحورهن العميقة، من الجفاف والجو الملتهب على السطح. يستطعن التزاوج كل بضعة أعوام، فيُجدِّدن فرص استمرار نوعهن.

ولكن، حتى باربرا لم تعرف ما ستحرزه 16

لقد كانت تنسج، وتتغذى، وتنسج، وتتغذى، وربما أنتجت عدة أجيال من الصغار وسط العديد من المصاعب. دمَّرَ سربٌ من الجراد المحمية في عام 1991، بحسب ورقة نشرت في نشرةPacific Conservation Biology وبدأت أنواع من النباتات الغازية في الانتشار من حفرة الحصى. وكما قالت الورقة، فإن "التنوُّع البيولوجي قد تقلَّص".

لقد مات العديد من أقرباء وأنسباء وأبناء أم العنكبوت 16، عبر العقود. ولكن شجرة عائلتها استمرت في النمو، وفي كل مرة كان يتحقق فيها من جحر العنكبوت 16، كانت الدوائر وشريط النسيج المصنوعة من الأغصان، تبدو نظيفة أكثر من أي وقت مضى.

في عام 2013، أصبحت فيكي لوري، الصحفية في هيئة الإذاعة الأسترالية، مفتونة بتقارير تفيد بأن عالمة حيوان تبلغ من العمر 84 عاماً، عكفت على تصنيف عائلة من العناكب لمدة 40 سنة متتالية.

لذلك، سافرت فيكي مع باربرا في رحلةٍ قصيرة داخل حزام القمح، وشاهدت عملها.

قالت فيكي: "قضينا ثلاث ساعات جاثيتين على رُكُبِنا، بينما كانت باربرا تتحقَّق من كل جحرٍ لترى إن كان مأهولاً أم لا". وأضافت: "إنها تراقب، باهتمامٍ بالغ، كم عدد الجحور الجديدة لهذه العناكب، وكيف جفت المحمية بشكل غير معقول".

وعندما وصلتا إلى لوحة العنكبوت 16، كانت فيكي تشك في أن هذا الجحر مشغولٌ بواسطة نفس العنكبوت على مدار 40 سنة. ولكن باربرا شرحت لها أن الإناث لا يغادرن جحورهن أبداً حتى الموت، ولا يدخل أي عنكبوت آخر.

وقدمت نفسها لهذا العنكبوت

فتحت باربرا الباب باستخدام سكينٍ صغير، فكانت فيكي السبب في تعريف العالم بالعنكبوت 16.

قالت فيكي في تقريرها: "في الداخل، استطعت أن أرى العنكبوت، التي سحبت وشاحاً من الحرير مبطنةً به نصف الجحر". وأضافت: "بكل هدوء أقدم نفسي، وأتمنى لها التوفيق".

في ذلك الوقت تقريباً، بدأت طالبةٌ جامعية، وهي ليندا مايسون، بمرافقة باربرا في رحلاتها إلى المحمية.

بالنسبة لمايسون، التي كانت تدرس لتصبح عالمةً بيئية، كانت المحمية تبدو مثل جنة عدن واقعة داخل خرائب جنوب غرب أستراليا الصناعية، وتعج بأنواعٍ ربما لم توجد قبل ذلك الوقت بكثير.

الآن، نجحت باربرا في تصنيف مئات العناكب؛ جيل بعد جيل. ولكن في كل رحلة، تتوجهان مباشرةً نحو جحر العنكبوت 16، لتزورا العنكبوت التي لا تبدو أنها تموت أبداً، بحسب تصريح مايسون لصحيفة The Washington Post الأميركية.

لقد أصبح ذلك تقليداً. في عيد ميلاد العنكبوت 16 الأربعين، سألت مايسون إن كان باستطاعتها تقديم وجبة من الديدان للعنكبوت، بحسب مايسون.

وأضافت: "لم تسمح لي باربرا. فلقد تعارض ذلك مع الدراسة".

لقد نجحت خطة باربرا في تصنيف عائلة من العناكب بشكل تخطَّى توقُّعاتها، وبدأت تتطلَّع لنهاية المشروع.

قالت مايسون: "كانت ستنهي الدراسة بعد وفاة العنكبوت 16″. وأضافت: "كانت ستكتب شيئاً عظيماً".

ولكن بدلاً من ذلك، تدهورت صحة باربرا قبل العنكبوت، بحسب مايسون.

فتقاعدت عالمة الحيوان في العام الماضي، وهي في أواخر الثمانينات من عمرها، بينما تولَّت مايسون، التي تدرس الآن لتحضير رسالة الدكتوراه في علوم البيئة في جامعة كيرتن الأسترالية، دراسة العنكبوت.

في أكتوبر/تشرين الأول 2016، ذهبت إلى المحمية وبصحبتها طائرة بدون طيار، على أمل أن تحصل على رؤية عين الطائر، لتعرف كيف استطاع أن يصمد ذلك الدغل المستطيل في مواجهة الطرق والحقول.

ولكن على خطى مُعلِّمتها، ذهبت مباشرةً إلى العنكبوت 16 أولاً.

وعندما وصلت إلى هناك ذلك اليوم، لاحظت أن الأغصان الموجودة حول الباب قد فقدت شكلها المروحي الدقيق. إنهم ينتشرون في فوضى.

ألقت مايسون نظرةً على الباب الحريري، ورأت حفرةً صغيرةً في المنتصف، كما لو أن أحداً ثقبها.

فرفعت الباب، ثم أنزلت منظاراً إلى الجحر، وتأكَّدَت من صحة شكوكها. لقد ماتت العنكبوت.

يبدو أن دبوراً متطفلاً قد اقتحم الجحر، ووضع بيضه في جسد 16.

قالت مايسون: "لقد قُطع رأسها". وأضافت: "لقد استغرق الأمر بعض الوقت لتغرق في الأرض، لكي أكون صريحةً".

في 19 أبريل/نيسان، نشرت مايسون وباربرا بالتعاون مع غرانت واردل-جونسون ورقةً مشتركة في نشرة Pacific Conservation Biology، أُعلِنَ فيها وفاة العنكبوت 16، عن عمرِ 43 عاماً.

لقد كانت أقدم عنكبوت حية معروفة، مُتفوِّقة بذلك على الرقم القياسي السابق الذي حقَّقَته عنكبوت الرتيلاء التي بلغت 28 عاماً، بحسب ما كتبت مايسون


عربي بوست

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي