ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
234
2018/5/15 10:54:57 AM

الموسيقى واحدة من أكثر أنواع الفنون رقيًا، ولعبت دورًا غير عادي في المساهمة في التطور الإنساني، بداية من الحضارات القديمة وحتى الامتزاج الروحاني ببعض الشعائر الدينية، وقد وصفتها إحدى دراسات جامعة ستانفورد -تحت عنوان «فلسفة الموسيقى»، عام 2007- بأنها «لغز فلسفي» أكثر رقيًا من الأدب والرسم والشعر، إلى جوار العديد من دراسات علم النفس التي أثبتت أن الاستماع إلى الموسيقى يزيد الإبداع، ويزيد من معدلات الإنتاج، والاسترخاء، وحتى إفراز هرمون السعادة في المخ. ولكن الموسيقى -مثلها مثل أي نوع آخر من الفن أو النشاط الابداعي- قد تحمل في طياتها بعض الآثار السلبية، وهي التي نتطرق إلى بعضها خلال السطور التالية.

هل تؤثر الموسيقى في قدرتنا على إدراك الوقت؟

ربما أكثر الأمثلة بساطة هو عندما تجري مكالمة مهمة إلى خدمة مصرفية هاتفية، أو لتلقي الدعم التقني لأحد أغراضك، أو حتى لحجز موعد عند أحد الأطباء، وحينما يكون هناك الكثير من المتصلين على الخدمة ذاتها؛ تجد نفسك تستمع إلى بعض الموسيقى أثناء فترات الانتظار، ويبدو أن هذه «حيلة» محسوبة علميًّا، إذ وجد أن الاستماع للموسيقى يقلل من احتمالية ارتفاع نسبة غضبك أو استيائك تلقائيًّا.

وكذلك في مراكز التسوق تلعب الموسيقى أحيانًا دورها في تشتيت أذهان المستخدمين، ومن ثم قضاء وقت أكثر في التسوق؛ مما يعني ارتفاع نسبة المبيعات، ولكن إذا ما استخدمت الشركات والمؤسسات الكبرى ذلك الأثر شبه السحري للموسيقى في الإنسان؛ فالأمر يتحول إلى «نقمة» عندما يحتاج الإنسان إلى إدراك وقته، ومن ثم تنظيمه.

بحسب دراسة في مكتبة المركز الوطني الأمريكي لمعلومات الكيمياء الحيوية؛ فإن الموسيقى هي واحدة من أكثر الأدوات المحفزة للعقل، لذا فإن الاستماع للموسيقى فترات محددة قد يساهم بقوة في وضع العقل في حالة من حالات الارتباط، ومن ثم يكون الذهن في حالة من الاستثارة تجعل إدراكه مرور الوقت يقل عن تلك الفترات التي لا يستمع فيها إلى الموسيقى.

وبحسب الدراسة ذاتها، فإن اختلاف الألحان من السريع إلى البطيء أيضًا يرتبط بهذا الأثر؛ عندما يتسارع إيقاع اللحن الموسيقي فإن الوقت أو الزمن المُدرك يقصر، وعندما يبطئ اللحن إيقاعه يطول الوقت المُدرك، وهذا يفسر زيادة تركيز البعض من البشر بشكل أكبر أثناء الاستماع إلى الموسيقى وأداء بعض المهام في الوقت نفسه.

هل تساعد الموسيقى على الاستذكار أو العمل بشكل أفضل؟

يلجأ البعض في فترات العمل الذي يتطلب تركيزًا، أو حتى أثناء استذكار المواد الدراسية إلى تشغيل بعض المقاطع الموسيقى الهادئة أثناء ذلك، ظنًّا أن هذا يساعد في تصفية الذهن، أو تهدئة الأعصاب وإزالة التوتر، أو أداء المهام بشكل أكثر دقة؛ ولكن النتيجة في الحقيقة قد تخالف المأمول أحيانًا، حسب دراسة قدمها معهد الدراسات التابع لجامعة ويلز البريطانية عام 2010 بعنوان «موسيقى الخلفية يمكنها أن تعيق الأداء».

فقد أثبتت الدراسة أن الاستماع إلى الموسيقى في الخلفية أثناء تأدية المهام، أو الاستذكار يُضعف بشدة عملية استعادتها أو استرجاعها، وفي سياق تجربة قام بها الفريق البحثي في المعهد تم تشغيل مقطوعات موسيقية اختارها بعض الأفراد محل التجربة، وأخرى اختارها الفريق، أثناء استذكار قائمة من ثمانية أغراض، وطُلب منهم استعادتها بالترتيب ذاته من الذاكرة، وقد تذكر هؤلاء الأشخاص عددًا أقل من الأغراض -أو بترتيبات خاطئة- مقارنة بمجموعة أخرى طُلب منها العملية ذاتها لكن في محيط هادئ بدون موسيقى.

ويضيف رئيس الفريق البحثي نك بيرهام: «الأداء الأضعف للمجموعة التي استمعت إلى أصوات مختلفة جاء من المحيط الصوتي المتباين الذي لم يساعد في مهام استرجاع المعلومات بالترتيب نفسه، والحساب الذهني عملية تتطلب إبقاء البيانات بنظام في مدة قصيرة، وعن طريق التدريب، وهذا ما تأثر في حالة التباين الصوتي حولهم».

ماذا تفعل الموسيقى الحزينة بأذهاننا؟

ربما يفضل البعض الاستماع إلى بعض الأغاني والمقاطع الموسيقية المبهجة، أو ذات الطابع السعيد في اللحن أو الكلمات، ويفضل البعض الآخر الموسيقى الهادئة ذات الطابع الحزين، أو الأغنيات التي تحمل معاني مشابهة؛ وفي إطار هذا الاختلاف بين التفضيلات الموسيقية قام فريق بحثي فنلندي متخصص في علم النفس والأعصاب بإجراء دراسة بعنوان «تنظيم المشاعر المتكيف واللا متكيف من خلال الموسيقى» والتي تمحورت حول أثر «العلاج بالموسيقى» في الإنسان.

وبقياس مستويات الاضطرابات والسلوكيات ونتائج بعض الاختبارات النفسية وقياسات نشاط المخ لأكثر من 123 شخصًا أغلبهم من النساء -68 فتاة وسيدة- ما بين أعمار 18- 55، أظهرت النتائج أن الاستماع إلى النوع الحزين من الموسيقى، أو الأغاني التي تحمل كلمات حزينة تزيد من الشعور بالحزن في الحقيقة، وتحفز الاضطرابات النفسية والعصاب، كما وجد أن العكس صحيح؛ إذ تزيد الموسيقى السعيدة من سعادة الإنسان، وبشكل أكبر عند سماع الأغاني السعيدة التي تحمل كلمات سعيدة ومُحفزة، كما أظهرت الدراسة اختلافًا في النتائج بين الذكور والإناث؛ إذ أظهرت نتائج قياسات الإناث قدرة أكبر من الرجال على «تنظيم المشاعر» من خلال الموسيقى بشكل عام.

هل هناك أنواع من الموسيقى تقلل الإبداع؟

قد يميل بعض الأشخاص إلى الموسيقى الكلاسيكية، بينما يفضل البعض الموسيقات المحلية، أو حتى العالمية مثل «الروك» أو «الكانتري» أو«البوب»، وهذا التغاير في التفضيلات هو الذي دفع البروفيسور إدريان نورث، أستاذ علم النفس بجامعة هيريوت وات الأسكتلندية، إلى إجراء دراسة واسعة النطاق بعنوان «الذوق الموسيقي المفضل يرتبط بالشخصية» حول الأذواق الموسيقية، وخصائص الأشخاص الذين يفضلونها.

وشملت الدراسة 36 ألف شخص من 60 دولة، وعددًا كبيرًا من الأنواع الموسيقية، جاءت نتائجها لتثبت أن مفضلي كل الأنواع الموسيقية تقريبًا يشتركون في صفة «الإبداع» عدا مجموعة واحدة تتميز بقلة الإبداع وصلابة الطباع، وهم محبو موسيقى «البوب»، وهي اختصار لمصطلح popular؛ أي رائج أو «شعبي».

الجدير بالذكر أن مجلة «سينتيفيك أميركان» العلمية أيضًا نشرت مقالًا حول تردي موسيقى البوب بعنوان «هل تتطور موسيقى البوب أم أنها فقط تزداد صخبًا؟»، تناولت فيه تطور هذا النوع الرائج من الموسيقى منذ الخمسينيات حتى اليوم، والذي انحدر انحدارًا بالغًا، وازداد سوءًا وابتعادًا عن «الموسيقى» بمفهومها العام أو «الكلاسيكي» بشكل كبير، رغم نمو عدد مستمعيه، بالإضافة إلى بحث علمي آخر يربط مغني موسيقى البوب بالترويج غير المباشر إلى نمط حياة استهلاكي غير صحي، ويزداد تأثيره في صغار السن والمراهقين زيادة واضحة.

المصدر: ساسة بوست

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي