ون نيوز
حجم الخط :
عدد القراءات
199
2018/5/15 04:03:08 PM

لا توجد نمور أو خفافيش أو سناجب أو كلاب زرقاء في الطبيعة، حتى الحيتان الزرقاء ليست زرقاء حقاً؛ تتنوع الحيوانات وتتمايز بألوانها بدرجة كبيرة في الطبيعة، ولكن يبدو أن اللون الأزرق هو أندر تلك الألوان على الإطلاق، والأمر الطريف هو أنه إذا وُجدت هناك حيوانات زرقاء، فعادة ما تكون رائعة الجمال.

لفهم سبب هذا الأمر سنخوض في رحلة قصيرة في التطور الكيميائي بالإضافة لبعض الفيزياء الطريفة، ولكن في البداية علينا معرفة لماذا توجد الحيوانات بألوان محددة، ولهذا الغرض سنتكلم قليلاً عن الفراشات:

الفراشات كائنات رائعة وإذا كنت تظن عكس ذلك فأنت مخطئ، يقول (بوب روبنز) Bob Robbins المسؤول عن قسم حرشفيات الأجنحة في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في واشنطن: ”الفراشات كائنات رائعة بكل ما للكلمة من معنى، فهي مجموعة من العث تطورت لتكون نشطة خلال النهار، وإذا كنت نشطاً خلال النهار هذا يعني أنك تمتلك نقطة قوة وهي استخدام الضوء للتواصل“.

من الممكن أن تكون مدركاً لهذه الحقيقة، ولكن الفراشات بالتحديد دوناً عن كل الحشرات الأخرى تملك أزهى وأكثر الأنماط اللونية تعقيداً وتنوعاً، وهناك سبب مهم لذلك، فالألوان الموجودة في أجنحة الفراشات تعمل على إيصال رسائل محددة مثل ”أنا سامة“ أو ”أنا ذكر“، و”هذه منطقتي“.

ولكن ألوان الفراشات لم تتكون بنسب ثابتة خلال رحلتها التطورية، إذا نظرنا عن كثب سنرى أن الألوان تأتي من مجموعات لونية متدرجة صغيرة جداً، وفي الحقيقة، من هنا تأتي الأسماء العلمية للفراشات والعث، فالتدرجات اللونية كالبرتقالية والبنية والصفراء والحمراء تحتوي على أصبغة؛ التي هي عبارة عن مركبات عضوية تقوم بامتصاص جميع ألوان الطيف ما عدا اللون الذي نراه، في حين يقوم الأسود بامتصاصها جميعاً ولا يعكس أي لون، بينما يعكس الأبيض جميعها.

لم تقم الحيوانات، ابتداءاً من الفراشات إلى الطيور وصولاً إلى الرئيسيات مثلي ومثلك، بصناعة تلك الأصبغة من الصفر، فتلك الأصبغة تمت صناعتها من تدرجات لونية تأتي بشكل أساسي من النظام الغذائي لتلك الحيوانات، أي أن غذاء الكائن الحي هو مصدر لونه، ويمكن ملاحظة ذلك على العديد من الطيور مثل طيور الفلامينغو التي تولد رمادية اللون ثم تكتسب اللون الوردي بفضل صباغ يسمى (الكاروتينويد) يتواجد في القشريات التي تتغذى عليها.

ومنه فيما يخص كلا من اللون الأحمر والأصفر والبني والبرتقالي فأنت نتاج ما تأكل، ولكن الأمر مختلف تماماً فيما يخص اللون الأزرق.

يقول الدكتور (بوب): ”إذا كنت تراقب أو تقوم بتصوير مجموعة من الفراشات الزرقاء ستلاحظ أن اللون يتموج كلما تحركت الكاميرا، أي أن اللون الأزرق ليس ثابتاً في أجنحة تلك الفراشات، ويعود سبب هذا إلى أنه لا يوجد في الحقيقة أصبغة زرقاء في تلك الفراشات الزرقاء! فالفراشات الزرقاء ليست زرقاء بالفعل“.

خذ على سبيل المثال فراشة (مورفو) الزرقاء -واحدة من أجمل الفراشات في العالم التي تم تصميم إيموجي يحاكيها على منصات التواصل- لا يأتي اللون الأزرق الموجود في أجنحة تلك الفراشة من صباغ أزرق اللون، بل يأتي من شكل حراشف الجناح، فإذا قمنا بالتقريب لدرجة كبيرة جداً في جناح الفراشة سنجد أنه يتكون من حرشفيات صغيرة جداً، وإذا أخذنا مقطعاً عرضياً لأحدها سنجد أن تلك النتوءات الصغيرة لها شكل شجرة عيد الميلاد تماماً، حيث تقوم فروع تلك الشجيرات الصغيرة بإعطاء أجنحة فراشة (المورفو) اللون الأزرق.

وحينما يسقط الضوء عليها تنعكس بعض ألوان الطيف عن السطح الخارجي لها، بينما تخترق أطياف أخرى بعض الطبقات الخارجية ومن ثم تنعكس عن السطح الداخلي.

بالنسبة لغالبية أطياف الضوء فإن معظم الأمواج التي تنعكس سواء من الطبقات العليا أو السفلية ستكون خارج نطاق الرؤية ولن تظهر ألوانها، بينما يكون اللون الأزرق هو الوحيد الذي يملك طول الموجة المناسب لكي ينعكس ويكمل طريقه إلى أعيننا، وهذا هو سبب تلون أجنحة تلك الفراشات باللون الأزرق، فتلك المرايا المتناهية في الصغر لا تسمح إلا للضوء الأزرق بالنفاذ منها، بالإضافة إلى أن الصباغ الموجود في تلك الخلايا يعمل على امتصاص اللونين الأحمر والأخضر مما يجعل اللون الأزرق المنعكس يبدو أكثر زهواً ووضوحاً.

اللون الأزرق هو الوحيد الذي يملك طول الموجة المناسب لكي ينعكس ويكمل طريقه إلى أعيننا، على عكس بقية الألوان التي يتم امتصاصها داخل هذه الأنسجة والتشعبات

كل ذلك يحدث بسبب الطريقة التي تنكسر فيها الأمواج الضوئية لدى عبورها من الهواء إلى أوساط أخرى، فلو قمنا بملئ تلك الفراغات (التي تقع بين طبقات الشجيرات الصغيرة التي تكلمنا عنها) بمادة أخرى بدل الهواء كالكحول مثلاً، يختفي اللون الأزرق تماماً. فنّياً، تسمى هذه العملية تغيير مقدار أو عامل الانكسار في الضوء، وهذا معناه باللغة البسيطة أن اللون الأزرق لم يعد ينكسر بالشكل الصحيح الذي يجعله يصل إلى أعيننا لمجرد تغيير الهواء بالكحول، وعندما يتبخر الكحول يعود اللون الأزرق مرة أخرى، ولكن تلك الفراشات تعيش في الغابات المطرية، فربما تتوقع أنها تفقد لونها الأزرق كلما تبللت صحيح؟ الأمر ليس كذلك تماما، حيث تتكون أجنحة تلك الفراشات وتتركب بطريقة تجعلها مقاومة للبلل أي أن الماء لا يخترقها أبداً، فيبقى لونها ثابتاُ مهما تغير الطقس.

ولكن ماذا عن ريش طائر ”القيق الأزرق“ Blue Jay؟

تبدو ريشة هذا الطائر زرقاء أو على الأقل تحتوي على مناطق زرقاء، ولكن إذا نظرت من خلالها باتجاه الضوء سيختفي اللون الأزرق كلياً.

يعود سبب هذا إلى أن كل شعيرات الريشة تحتوي على جسيمات كروية مشتتة للضوء متوضعة على شكل يسمح لها بامتصاص كل ألوان الطيف ماعدا اللون الأزرق، والذي ينعكس بدوره عنها مانحاً لذلك الطائر لونه الأزرق، وعلى عكس التركيبة عالية الترتيب التي رأيناها في أجنحة فراشة (مورفو)، فإن تلك الجسيمات الكروية متموضعة بطريقة فوضوية وغير مرتبة تماماً كالرغوة، لذا فبدلاً من تموج اللون عند الحركة (كما في حالة الفراشة) يكون اللون هنا أكثر ثباتاً وتساوياً من كل الجهات.

يحتوي ريش ذيل الطاووس أيضاً على اللون الأزرق، ولمرة أخرى السبب هو شكل الريشة وليس الصباغ الأزرق، ولكن الأجزاء العاكسة للضوء فيه هي أكثر تنظيماُ كالبلّور Cristal، لذا تكون براقة من زاوية محددة أكثر من زوايا أخرى.

هناك أيضاً بعض القرود البيضاء التي تملك عضواً أزرق اللون أيضاً بسبب تركيبة الجلد في تلك المناطق وليس صباغاً، وحتى عيون الإنسان الزرقاء هي زرقاء لنفس السبب وهو تركيبة القزحية.

بشكل عام، وإذا استثنينا المحيط، فإن كل الكائنات الموجودة في الطبيعة التي تمتلك اللون الأزرق تقريباً وحتى أكثرها زرقةً، أتت بهذا اللون عن طريق تركيبتها الخاصة التي تختلف من كائن لآخر كما لاحظنا، أي لا يوجد أي حيوان فقاري أو حتى طائر أو حيوان ثديي أو زاحف من الحيوانات التي نعرفها إلى الآن يمتلك صباغاً أزرق اللون على الإطلاق، ما عدا نوع واحد من الفراشات تفرّد بامتلاكه تلك الخاصية الفريدة من نوعها، وهي فراشات Olivewings التي استطاعت تطوير صباغ أزرق، وتلك الفراشات ليست منتشرة بكثرة ولا نعرف الكثير عنها حتى، ولكن ما نعرفه أنها بالفعل فراشات مميزة جداً.

ولكن لماذا يأتي كل اللون الأزرق في الطبيعة بسبب التركيبة وليس بسبب صباغ كبقية الألوان؟

تم طرح هذا السؤال على العديد من العلماء وكانت أفضل فرضية هي كالتالي:

في فترة زمنية محددة منذ زمن بعيد جداً قامت الطيور والفراشات بتطوير القدرة على رؤية اللون الأزرق ولكنها لم تطور بعد القدرة على تلوين أجسادها به، أي أنها لم تطور بعد طريقة صنع الصباغ الأزرق، ولكنها لو تمكنت من ذلك ستكون تلك نقلة تطورية هائلة جداً حيث أنها ستكون بذلك قد طورت فرصاً جديدة للتواصل مع محيطها ولربما فرصاُ جديدة في النجاة والبقاء.

ومن ثم فإن صناعة صباغ أزرق اللون يتطلب اختراع مجال جديد في الكيمياء بالنسبة لها، ولم تتوفر لديها القدرة على إضافة تلك الوصفة السحرية إلى جيناتها، فإن التغيير (حتى الطفيف) في الشكل على المستوى المجهري باستخدام الفيزياء يعد أسهل بكثير من الناحية التطورية، ومنه فقد قامت تلك الكائنات بحل مسألة بيولوجية باستخدام الهندسة.

الرائع في الأمر هنا أن ذلك اللون قد أبهر ولفت انتباه العديد من الباحثين الفضوليين لمئات السنين، فبعد النظر إلى ريشة ذيل الطاووس عن طريق أحد أوائل المجاهر (جمع مجهر) خلال القرن السادس عشر كتب (روبيرت هوك)، وهو فيلسوف وباحث في علوم الطبيعة ومهندس معماري إنجليزي 1635–1703، ”إن هذه الألوان هي الأروع على الإطلاق“، حتى أن (اسحق نيوتن) لاحظ أن هناك شيء فريد حيال تلك الألوان الزرقاء، ولا يزال العلماء يبحثون في هذا الموضوع منذ ذلك الحين، ليس لأن العلم على وجه الخصوص مثير فحسب، بل لأنه جميل كذلك.

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي