عماد عبد اللطيف سالم
حجم الخط :
عدد القراءات
309
2018/6/4 11:09:54 AM

نهرُ دجلة على وشك الجفاف .

والفراتُ كذلك .

لماذا نبدو – كعراقيّين ، مصدومون بذلك ؟

هل هذه مُفاجأة ؟

سدود تركيا ، كما سدود ايران ، كما سدّ النهضة في اثيوبيا ، هي جزء من منظومة الدفاع عن المصالح الوطنيّة العُليا ، و عنصرٌ رئيس في استراتيجيّة الأمن القومي لهذه البلدان .

كلّ شيءٍ حول هذه السدود ، وطاقاتها الخَزْنيّة ، وما يتعلّقُ بحجم الاطلاقات المائيّة الى دول "المَصَبّ" بعد استكمال بناءها ، معروفٌ ومُعلَنٌ منذ عقود ، وعقود عديدة .

لا أسرار في ذلك ، ولا "مؤامرات" .. فلماذا نملأُ العالمَ بالعويل ، بدلاً من غَمْرِ أرضنا بالماء ؟

سمعتُ و قرأتُ قبل أربعينَ عاماً (كما سمعَ وقرأ غيري ) أنّنا سنكونُ مُضطَرّين "مستقبلاً" لمقايضة كلّ برميلِ نفطٍ ببرميل ماء .. بل ومقايضة كلّ قطرةِ دَمٍ بقطرةِ ماء!.

لذا فإنّ "معاهدة الماء مقابل النفط" قادمةٌ لا محالة ، فإنْ لم "يعجبنا" ذلك ، فالدمُ سيكونُ مقابل الماء ، وهذه هي المُعاهدةُ – المُعادَلَةُ الحتميّة القادمة ، التي ستأتي قريباً ، وقريباً جدّاً ، وأقربُ ممّا نتصوَرُ ونعتقِدُ بكثير .

لا مصالح سياديّة "وطنية"عليا لدينا .. ولَمْ نُشيّد سدّاً واحداً منذ ثلاثين عاماً .. ونهدرُ ماء النهرينِ لعقودٍ طويلةٍ في البحر.. فلماذا نملأُ العالمَ بالعويل ، بدلاً من غَمْرِ أرضنا بالماء؟

نحنُ نُجيدُ "تحاصُصَ" السلطة والثروة والمناصب والنفوذ .. و يقتلُ بعضنا بعضاً من أجلها ، ونتمزّقُ ونتفَرّقُ و ننقَسِم ، و نتشظّى  .. ولكنّنا لا نعرفُ كيف ندافعُ بشرَفٍ عن ذرّة ترابٍ واحدةٍ ، ولا عن قطرةِ ماءٍ ، في أرض السواد العظيم.

نحنُ لا ننظرُ الى ما هو أبعدُ من أنوف مصالحنا ، ومناصبنا ، ومساوماتنا حول تقاسُم الريع .. ونأتي الآنَ لنخدعَ الناس بأنّ "الدولة" العراقيّة ستجتمعُ ، بقضّها و قضيضها و "قوارضها" لمناقشة هذه الفجيعة .

هل هذه أوّل فجيعة ؟ هل هذه أوّل نكبة ؟ هل هذه أوَل نكسة ؟ هل هذه أوّل هزيمة ، هل هذا أوّل انحطاط ؟ هل هذا هو اوّل عطَشٍ وأوّلُ جوع ؟؟

لا طبعاً .

ولكنّنا كـ "أُمّةٍ" ميّتَةٍ ، لا نُجيدُ سوى التدليس ، وننسى انّ هناك تاريخ ،  ونتجاهلُ أنّ لهذا العالم ذاكرةٌ لا تغفِرُ ، و لا تُجامِل ، ولا يمكن طمسها في رمال صحراءنا الكبرى ، التي خلقناها بأيدينا ، وغَفْلَتنا ، وقلّة حيلتنا ، و هواننا على الدول والناس .

دولةٌ لا نفط  فيها ، وفيها الكثير من مصادر المياه . دولة تُعاني من تداعياتٍ ظروفٍ جيوسياسيّة غير مؤاتيّة ، ويتعرضُ اقتصادها لضغوطٍ شديدة .. و تتراجعُ قيمة عملتها يوماً بعد آخر .. ويستهلكُ الكثير من مواردها الماليّة ، استيراد الطاقة من الخارج .. فما الذي تتوقَعّون منها ان تفعل ؟

ستمارِسُ الضغط  خدمةٍ لمصالحها الوطنيّة و القوميّة العليا . فهل هذا عيبٌ .. أم عار ؟

ستجلسون معها (زراعةً وخارجيّةً وموارد مائيّة) ، وستقولُ لكم : النفط مقابل الماء ، أيّها "الأصدقاء" الأعزّاء!.

و ستقبلون .

ستقبلون حتماً .

وليس مُهمّاً كيف سيحصلُ ذلك .. وليستْ مهمّةً التفاصيل .

و قديماً قال اهلنا "القدماء" جدّاً : الذي لا يعرِف تدابيره .. ستأكلُ حُنطتهُ شعيره .

و أهلنا قالوا ذلك ، لأنهم كان يمتلِكون حنطةً وشعيراً ، يُقايِضون بها صروف الزمان .

أمّا نحنُ .. "الديموقراطيّونَ – التعدّديّون – الاتّحاديّون" .. فلا حنطة لدينا ، ولا شعيرً .. ولا عُشبَ ..

ولا حتّى ماء .

جميع الحقوق محفوظة لموقع وان نيوز © 2016
برمجة واستضافة ويب اكاديمي